الدرس في أخلاق العلماء للإمام الآجري 16، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يجب على العالم أن يكون شاكرًا وذاكرًا لله دائمًا، ويتحقق ذلك بالاجتهاد في تحصيل هذه الصفات مع اتهام النفس بالتقصير. كما أن من يجاهد في سبيل الله تعالى، يهديه الله إلى سبل الخير.
يزداد خوف العالم من الله مع ازدياد علمه، ويحرص على الأعمال الصالحة، ويتأدب بالقرآن والسنة، ولا ينافس أهل الدنيا في عزها. كما يعرض عن المناصب التي قد تفتن دينه.
العالم النافع هو من يراعي حقوق الله ويحاسب نفسه، ويبتعد عن الانشغال بغير الله. كما يجب أن يكون العالم قدوة في العمل كما هو في العلم.
يجب الإعراض عن الذين يخوضون في آيات الله بغير حق، بينما الإعراض عن الغافلين عن ذكر الله مستحب. هذه النصيحة تأتي في سياق تفسير آية قرآنية.
يُصرّح إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب أخلاق العلماء للإمام الآجُرِّي رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس السادس عشر، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الآجُرِّي رحمه الله تعالى في كتاب أخلاق العلماء: ذكر أخلاق هذا العالم وأوصافه فيما بينه وبين ربه عز وجل. قال محمد بن الحسين -وهو الآجُرِّي رحمه الله- قال: جميع ما تقدم ذكرناه مما ينبغي للعالم أن يستعمل من الأخلاق الشريفة كلها، تجري له بتوفيق من مولاه الكريم. ومن جُرَّ له التوفيق بما ذكرنا، كان استعمال الأخلاق الشريفة -فيما بينه وبين ربه عز وجل- أعظم شأنًا مما قد أوصله مولاه الكريم إلى قلبه، يمتعه بها شرفًا له، بما خصه من علمه، إذ جعله وارث علم الأنبياء، وقرة لعين الأولياء، وطبيبًا لقلوب أهل الجفاء. فمن صفته أن يكون لله شاكرًا، وله ذاكرًا دائمًا، الذكر بحلاوة حب المذكور، منعمًا قلبه بمناجاة الرحمن. يعد نفسه -مع شدة اجتهاده- خاطئًا مذنبًا. والمعنى أنه يحقق هذه الصفات في نفسه، فيجتهد في تحصيلها. ولا شك أن الإنسان لا يصل إلى هذا ببذل الجهد، كونه يكون شاكرًا ذاكرًا حريصًا على المناجاة والدعاء والأعمال الصالحة الكثيرة، مع اتهام النفس بالتقصير، وقلوبهم وجلة، يتهم نفسه بالتقصير مع حرصه. وإذا حصل أو اجتهد على تحصيل ذلك، أعانه الله سبحانه وتعالى، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. ومع الدعوب على حسن العمل مقصرة، يعني مع حرصه واستمراره، فهو دعوب أي مستمر، وهو يتهم نفسه بالتقصير، لجأ إلى الله عز وجل، فقوي ظهره، وثق بالله، فلم يخف غيره، مستغن بالله عن كل شيء، ومفتقر إلى الله بكل شيء، أنسه بالله وحده، ووحشته ممن يشغله عن ربه. إن ازداد علمًا خاف توكيد الحجة، مشفقًا على ما مضى من صالح عمله، ألا يقبل منه. فهو يحرص على الأعمال الصالحة، ويجتهد بأن يفرغ نفسه ووقته مع الله. والعلم يزيده خوفًا، وظاهر مشفق على ما مضى، يعني حتى ولو أحسن، فهو يخاف أن لا يقبل، فكيف بما لم يحسن؟ فإنه يجتهد أن يغفر. قال: همه بتلاوة كلام الله الفهم عن مولاه، وبسنن الرسول صلى الله عليه وسلم الفقه؛ لألا يضيع ما أمر به. وهذا هو المهم، فهم كلام الله وفقه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليستعين بذلك على العلم والعمل. قال: متأدب بالقرآن والسنة، لا ينافس أهل الدنيا في عزها، ولا يجزع من ذلها، يمشي على الأرض هونًا بالسكينة والوقار، ومشتغل قلبه بالفهم والاعتبار. وهكذا كذلك، هذه الصفات يحرص على أن يمرر الكتاب والسنة على نفسه، فيتأدب بكل ما فيهما. وهكذا من صفات هذا العالم حامل العلم، أن لا ينافس أهل الدنيا في عزها، والمعنى في ما يعتز به أهل الدنيا فيها، لا ينافس، لا ينافيه، ألا يقبل إذا جاءه لما لا ينافي الدين. فإذا جاء شيء من الدنيا لغير ما ينافي الدين، طبي له. وأما إذا نافى الدين أو على حساب الدين أو زاحم الدين، فإنه لا يقبله. ولهذا كان العلماء يأبون أن يقبلوا المناصب؛ لأن المناصب في الغالب تأخذ من دينهم، فهو يعرض دينه للفتنة. هذا إذا حرص على السلامة، وإلا فالغالب الكثير من المناصب والكراسي لا يصل إليها الإنسان إلا بما ينقص دينه، ولا يستقر عليها إلا بما ينقص دينه. ولا يجزع من ذلها، يعني إذا فاتت هذه الدنيا أو إذا شدت عليه، فالعزة بالله عز وجل وبدينه وشرعه، وليست العزة بتحصيل الدنيا كثرت أو قلت. قال رحمه الله: إن فرغ قلبه عن ذكر الله فمصيبة عنده عظيمة، وإن أطاع الله عز وجل بغير حضور فهم فخسران عنده مبين. فمن باب أولى إذا كان القلب منشغلا بغير الله، فهذا إذا فرغ عن ذكر الله اعتبرها مصيبة، فكيف إذا انشغل بغير الله؟ فهي مصيبة أكبر. والمعنى أنه يجتهد على أعالي الأمور. وهكذا كذلك إن أطاع الله بغير حضور فهم فخسران، فكيف إذا لم يطع الله أصلا؟ فهذا خسران أكبر. وهكذا ينبغي أن يكون العالم شأنه غيره من الناس، يحاسب نفسه في المستحبات فضلا عن الواجبات، ويشدد على نفسه في التوسع في المباحات والمكروهات فضلا عن المحرمات. هذا هو حال حملة العلم. ولهذا قد تكون منقصة في حق العالم، ولا تكون منقصة في غيره؛ لأنه عليه من الواجبات والحقوق ما هو أعظم، فليس شأنه كشأن سائر الناس. ولهذا أشار المؤلف رحمه الله إلى الأعلى؛ ليكون له حظ أن يحمي نفسه من الأدنى. قال: يذكر الله مع الذاكرين، ويعتبر بلسان الغافلين. ومعنى يعتبر بلسان الغافلين، أي لا يكون مثلهم، بل ينبغي أن يكون أفضل من الذاكرين وإمام الذاكرين؛ لأنه قدوة في العلم، فينبغي أن يكون كذلك قدوة في العمل. قال رحمه الله: عالم بداء نفسه ومتهم لها في كل حال، اتسع في العلوم فتراكمت على قلبه الهموم. ومعناها: العلم لا يزيده إلا إتهامًا لنفسه، لا غرورًا، ولا يزيده إلا إصلاحًا لنفسه، لا إهمالا. فهذا حال من وفقه الله للعلم، أنه يمرر هذا العلم على ظاهره وباطنه، فهو مهموم بإصلاح الظاهر وإصلاح الباطن. قال رحمه الله: فاستحيا من الحي القيوم، وشغله بالله في جميع سعيه متصل، وعن غيره منفصل. والمعنى: مقبل على الله وما يصلح حاله معه سبحانه، ومبتعد منتشاغل عما سوى الله سبحانه وتعالى. فالانفصال ليس معناه الاعتزال الكل، ولكن الاعتزال فيما لا ينفع. وأما ما ينفع الناس فيخالطهم في تعليم الناس، فيخالطهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يخالطهم في توجيههم في أبواب الخير. فأبواب الخير لا ينفصل عنهم، وأما ما سوى ذلك من اللغو والتوسع بالمباحات والمكروهات فضلا عن المحرمات، فهو منفصل عنهم. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، فالإعراض عن الخائضين في كلام الله بغير حق واجب، والإعراض عن الغافلين عن ذكر الله عز وجل مستحب. ولهذا هو منفصل عنهم. لعلنا نقف هنا إن شاء الله. السلام عليكم. وإذا رأيتكم...