شرح العقيدة الواسطية للهراس 43

شرح العقيدة الواسطية للهراس 43

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 43، الدرس الثالث والأربعون : (وقوله تعالى كتب ربكم على نفسه الرحمة ... تمييز الـ خير الذي هو أفعل تفضيل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الرحمة الإلهية وعدل الله

يشرح المقطع مفهوم الرحمة الإلهية وارتباطها بصفات الله، ويبين أن الله كتب على نفسه الرحمة تفضلا. كما يوضح أن العباد لا يستحقون النجاة بأعمالهم وحدها بل برحمة الله.

صفات الله المتعلقة بالحفظ والرحمة

يفصل المقطع في معاني صفات الله المتعلقة بالحفظ والرحمة، مثل 'حفيظ' و'حافظ'. كما يشدد على أن هذه الصفات تليق بجلال الله ولا تعني نقصا فيه.

إثبات صفات الله ودلالتها

يتناول المقطع إثبات الصفات لله تعالى على حقيقتها وكمالها، ويبين ارتباط الأسماء الإلهية بالصفات، مؤكدا على تميز الله بصفاته عن المخلوقين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح رحمه الله تعالى: قال وقوله تعالى: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾، قال: أي أوجبها على نفسه تفضلا وإحسانا، ولم يوجبها عليه أحد، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة أن الله جل وعلا أوجب ما أوجب من عدله وتفضله، فليس للعباد حق واجب كما تزعم المعتزلة، كما تقدم معنا أنهم يزعمون أنه يجب على الله أن يثيب المحسن ويعاقب المسيء، والحقيقة أنه لا يجب على الله شيء، وهم قاس الخالق بالمخلوق، وهذا قياس فاسد. فالله سبحانه ليس كمثله شيء، بل الله سبحانه أوجب على نفسه، ولم يوجب عليه أحد من خلقه، ولكن ذلك من تفضله وإحسانه وعدله، فقد حرم على نفسه الظلم سبحانه، واجعل بين عباده محرما، وذلك لأنه الرب الكامل في صفاته وفي ذاته جل وعلا. ومن ثم فالعبد لا يستوجب على الله بسعيه نجاحا ولا فلاحا، وهكذا لا يدخل أحد الجنة بعمله، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». فإن قيل: فماذا نقول في قول الله جل وعلا: ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾؟ الجواب: أن هذه الباء عند أهل العلم هي باء التسبب، باء السببية، ليست باء المقابلة والمجازاة، «جزاء بما كانوا يعملون» يعني بسبب عملهم، فالله عز وجل أثبت لهم الدخول بسبب أعمالهم، لا جزاء أعمالهم، لأن النبي عليه الصلاة والسلام هو الصادق المصدوق، قال: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله». وفرق بين التعبيرين والمعنيين، فالأعمال ليست هي عوضا وثمنا كما تزعمه المعتزلة، بل الذي يثبت كونها سببا لدخول الجنة بتوفيق الله وهدايته وفضله وإحسانه، فلولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا، كما قال الصحابة رضي الله عنهم محضر رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: وفي حديث أبي هريرة بالصحيحين: «إن الله لما خلق الخلق كتب كتابا، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت أو تسبق غضبي». والحديث له ألفاظ كثيرة، والشاهد منه أن رحمة الله تثبت على ما يليه، بالله جل وعلا ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. ومر معنا أن الرحمة تضاف إلى الله بإضافتين: إضافة خلق، وإضافة صفة، فما كان من إضافة الخلق فهو مخلوق لله، وما كان من إضافة الصفة فهو صفة لله، وصفة الخالق ليست بمخلوقة. قال: وأما قوله: ﴿فالله خير حافظا﴾، فالحافظ والحفيظ مأخوذ من الحفظ، وهو الصيانة، والحقيقة أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فليس الحفيظ هو الصيانة، ولكن الحفيظ والحافظ والحفظ هو بمعنى الصيانة وزيادة، بمعنى الصيانة وزيادة. ونلاحظ أنه جاء إثبات صفة الحفظ لله عز وجل بصيغة «فعيل» وبصيغة «فاعل»، وكلاهما فيه معنى، أو أحدهما فيه معنى زائد عن الآخر، فقوله: ﴿الله خير حافظا﴾، وقوله: ﴿وربك على كل شيء حفيظ﴾، فـ«حفيظ» صفة مشبهة، أي باسم الفاعل، ففيه ملازمة الصفة للموصوف، فهو مستمر، فهو مستمر في حفظه جل وعلا، و«حافظ» فيه إثبات الصفة للموصوف، «حفيظ» أبلغ، لكن ترى هنا أن «حافظ» أكد بقوله: «خير حافظا»، خير حافظا، فهو أحفظ الحافظين سبحانه. ومر معنى الكلام على المفاضلة في الصفات، وأنها لا تقتضي نقصا، بل «أفعل التفضيل» لا تزيد الرب جل وعلا إلا كمالا فوق كماله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: ومعناه الذي يحفظ عباده، فهو بهذا حافظ وحفيظ، يحفظ عباده بالحفظ العام، فيسر لهم أقواتهم من ما يأكلون ويشربون ويلبسون، قال: ويقيهم أسباب الهلاك والعطب من صحة وعافية، قال: وكذلك يحفظ عليهم أعمالهم ويحصي أقوالهم، وهو حفيظ كذلك حفيظ عليهم. قال: ويحفظ أولياءه بالحفظ الخاص، فيعصمهم عن مواقعة الذنوب، ويحرسهم من مكايد الشيطان شياطين الجن والإنس، وعن كل ما يضرهم في دينهم ودنياهم، فهو سبحانه وتعالى حافظ وحفيظ، بحفظ عام وبحفظ خاص، العام لجميع المخلوقات على ما يشاء سبحانه وتعالى، والخاص لمن يختص من أوليائه ومن يصطفيهم من عباده. قال: وانتصب «حافظا» تمييزا لخير الذي هو «أفعل تفضيل». وهكذا كذلك قوله: ﴿وهو أرحم الراحمين﴾، كما ذكر، فالله خير حافظا، وهو أرحم الراحمين، كذلك في إثبات صفة الرحمة، بل وصفة «أرحم الراحمين» المبالغة من الرحمة، وهذه الصيغة صيغة التفضيل «أفعل التفضيل»، سبق الكلام عليها أنها لا تزيد الكمال إلا كمالا، وأنها لا تستوجب نقصا، بل كما قال ابن القيم رحمه الله: فيه إثبات رحمة حقيقية تليق به سبحانه، بل وفيه كما قال: أظهر دليل أن أسماءه مشتقة من أوصاف ومعاني قامت به، وأن كل اسم يناسب ما ذكر معه واقترن به من فعله وأمره. فحين تقول: «أرحم الراحمين»، أن تتأكد بهذا صفة الرحمة أنها على حقيقتها، ليس كما يقول الأشاعرة ولا الماتريدية ولا الكلابية ولا المعتزلة من نفي أو تحريف هذه الصفة، لأنه سبحانه قال: «أرحم الراحمين»، فما علمت من رحمة المخلوقين الثابتة فالله أرحم منهم، لكن رحمة الله ليس كمثلها شيء، كما أن علم الله ليس كمثله شيء، كما أخبر عن نفسه: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. ففيه إثبات الصفات على حقيقتها، وهكذا كذلك تأكيد أنها غاية في الكمال، وأنه لا يساويها شيء من صفات المخلوقين، وأن أسماءه مشتقة من هذه الأوصاف أو تشتق منها هذه الأوصاف. والله تعالى أعلم.