الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 59، الدرس التاسع والخمسون:(وليت شعري ماذا يريد هؤلاء المعطلة أن يقولوا ...وثم هنا للترتيب الزماني لا لمجرد العطف ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الشيخ الرد على المعطلة الذين ينكرون إثبات المكان لله تعالى مستدلاً بحديث الجارية وآيات القرآن. يُبين بطلان قولهم بأن الله كان ولا مكان.
يشرح حديث عمران بن حسين حول استواء الله على العرش ويبين أن الأدلة تثبت علو الله واستواءه دون تحريف لمعنى الاستواء. يُؤكد أن الله منزه عن الزمان والمكان المخلوقين.
يُناقش بطلان استدلال المعطلة بقول الأخطل النصراني على أن استوى بمعنى استولى. يُبين أن هذا الاستدلال باطل من عدة أوجه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح رحمه الله تعالى: قال وليت شعري ماذا يريد هؤلاء المعطلة أن يقولوا، أيريدون أن يقولوا: ليس في السماء رب؟ يقصد: ولا فوق العرش إله يعبد، فأين يكون إذن؟ ولعلهم يضحكون منا حين نسأل عنه بأين، ونسوا أن أكمل الخلق وأعلمهم بربهم صلوات الله عليه وسلامه قد سأل عنه بأين، حين قال للجاري: أين الله؟ ورضي جوابها حين قالت: في السماء، بل فيه دليل حديث الجارية العظيم الذي أصله في صحيح مسلم، وسبق الكلام عليه، يدل على أن من لم يؤمن بأن الله في السماء فليس بمؤمن، لقوله عليه الصلاة والسلام بعده: اعتقها فإنها مؤمنة، فاستدل على إيمانها بإثباتها أن الله جل وعلا في السماء، دل على أن من لم يؤمن بذلك فليس بمؤمن، أولًا لأنه سؤال النبي عليه الصلاة والسلام، وثانيًا كما قال أهل العلم: لأن أكسام التوحيد متلازمة، فمن لم يؤمن بأن الله جل وعلا في علوه، فمعناه أنه جاحد للرب بلسان الحال أو بلسان المقال، وكل ذلك مما ينافي الإيمان. قال رحمه الله: وقد أجاب كذلك من سأله بأين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض بأنه كان في عماء، الحديث وهو حديث برزين العقيل رضي الله عنه أرضاه، وهو ضعيف كما أشار المعلق، وذكر ذلك غير واحد من أهل العلم في سنده وكيع بن عدس ويقال بن حدس لم يوثقه غير بن حبان، فشاهد أن السؤال بأين ليس بممنوع، بل دل عليه دليل السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ولم يروى عنه أنه زجر السائل، ولا قال له: إنك غلط في السؤال، إن قصار ما يقوله المتحدث منهم في هذا الباب: إن الله تعالى كان ولا مكان، ثم خلق المكان وهو الآن على ما كان قبل خلق المكان، فماذا يعني هذا المخرف بالمكان الذي كان الله ولم يكن؟ وهذا باطل ينافي لما صحت به الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام وصحت به الآيات، فإن أدلة القرآن كلها تدل على علو الله جل وعلا وعلى استوائه على عرشه: ﴿آمنتم من في السماء﴾ إليه يصعد الكلم الطيب، وهكذا كذلك آيات كثيرة سيأتي بعضها في فصل لاحق، وهكذا كذلك الاستواء وهو العلو الخاص الذي هو صفة فعل الله جل وعلا، أدل كثيرة دلت على استوائه سبحانه وتعالى على عرشه من الكتاب ومن السنة. فكيف بعد هذا يقال: كان الله ولا مكان؟ بل سئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث عمران بن حسين قال: «كان الله عز وجل ولم يكن شيء معه، وفي رواية: ولم يكن شيء غيره، وفي رواية: ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء» الحديث، وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى خلق العرش واستوى عليه كما دل عليه دليل القرآن فيما سمعنا في الآيات السابقات المذكورات: ﴿الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾، فالأدلة تفسر بعضها بعضًا. قال رحمه الله تعالى: هل يعني به تلك الأمكنة الوجودية التي هي داخل محيط العالم؟ فهذه أمكنة حادثة، ونحن لا نقول بوجود الله بشيء منها، إذ لا يحصره ولا يحيط به شيء من مخلوقاته، وهذا هو قوله سبحانه: ﴿والله من ورائهم محيط﴾، فليس شيء يحيط بالله جل وعلا من خلقه، بل هو سبحانه وتعالى محيط بخلقه، فإذا أراد قال المكان المخلوق، فهذا الله عز وجل ينزه عنه. قال: وأما إذا أراد بها المكان العدمي الذي هو خلاء محض لا وجود فيه، فهذا لا يقال: إنه لم يكن ثم خلق، إذ لا يتعلق به الخلق، فإنه أمر عدمي، فإذا قيل: إن الله في مكان بهذا المعنى كما دلت عليه الآيات والأحاديث، فأي محذور في هذا؟ أي أن يثبت لله مكانًا وهو العلو على ما يليق بجلال الله سبحانه وتعالى وعظمته. قال: بل الحق أن يقال: كان الله ولم يكن شيء قبله، ثم خلق السماوات والأرض بستة أيام كما مر معنا في حديث عمران وغيره، وأصله في البخاري، فإنه جاء بلفظ: «ولم يكن شيء قبله»، وهو من لفظ البخاري، «ولم يكن شيء معه»، وهو من لفظ البخاري، «ولم يكن شيء»، كذلك نعم، جاء لفظ: معه وغيره وقبله، «ولم يكن شيء غيره»، فكل ذلك ثبت، وكلها تدل على انفراد الرب جل وعلا وأنه غني عن الزمان وعن المكان سبحانه وتعالى، لكن لا يعني ذلك أن ينفى عنه العلو الذي أثبته لنفسه في دليل الكتاب ودليل السنة، واستواه على عرشه الذي دل عليه دليل الكتاب ودليل السنة، بل الواجب الانقياد لما دلت عليه أدلة الكتاب وأدلة السنة. قال رحمه الله تعالى: وكان عرشه على الماء ثم استوى على العرش، وثم هنا للترتيب الزماني لا لمجرد العطف، يعني قوله: ثم على ظاهره مما تبطيه اللغة العربية أنه يدل على الترتيب الزماني لا لمطلق العطف، حتى لا يقال: أنه استوى على العرش ويريدون بذلك تحريف معنى استولى كما تقدم، وهو معنى باطل، ومر معنى رده من أوجه كثيرة. ثم هذا التفسير الباطل الذي هو استولى من أين أخذوه؟ لو قيل لهم: هاتوا لنا معنى صحيحًا من الشرع أو من اللغة يدل أن استوى يأتي بمعنى استولى، لم يجدوا في ذلك إلا كما قال ابن القيم رحمه الله، ودليلهم في ذلك بيت قاله فيما يقال الأخطل النصراني، يعني إذا قيل لهم: ما هو الدليل؟ فدليلهم هو قول الأخطل النصراني، وهو قوله: «قد استوى بشر على العراقي من غير سيف أو دم مهراقي»، فهم استدلوا بهذا البيت على أن الاستواء هنا بمعنى الاستيلاء، وهو باطل من أوجه. وهو باطل من أوجه، أول هذه الأوجه الذي يدل على بطلانها أنه قول رجل نصراني، وأنه قول رجل ليس بعربي حتى يستدل بشعره، ومعلوم أن شواهد اللغة إنما تؤخذ عن من كان عرف بالعربية، وهكذا من باب أولى إذا كان على دين باطل، فكيف يؤخذ ما ينافي دين الإسلام من دين النصارى؟ دلت أدلة الشرع من الكتاب والسنة على شيء، فيأتي إنسان بما ينافيه من قول رجل نصراني. ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في لاميته: «قبحًا لمن نبذ الكتاب وراءه وإذا استدل يقول قال الأخطل كيف تستدل بقول رجل نصراني وأنت مسلم؟ أغناك الله بأدلة الكتاب والسنة عن أن تحتاج إلى قول نصراني تحرف دليل الكتاب إليه؟». ومما يبطل به هذا القول وأشار إلى هذه الأوجه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه: الفتاوى، ونقض التأسيس، وهكذا الرسالة العرشية، وابن القيم كذلك في مختصر الصواعق ومواضع أخرى. من هذه الأوجه أنه روي البيت كذلك بلفظ استولى، كما أشار إلى ذلك غير واحد من هؤلاء وغيرهم من أهل العلم، فإنه روي: «بشر قد استوى، بشر قد استولى على العراقي من غير سيف أو دم مهراقي»، «بشر قد استولى على العراقي من غير سيف أو دم مهراقي»، وبشر هذا هو بشر بن مروان أخو عبد الملك بن مروان، وكان عبد الملك بن مروان ملكًا بزمانه، وكان بشر بن مروان أميرًا على العراق، فقوله: «قد استولى بشر على العراقي» على ظاهره استولى، وليس فيه استوى. وعلى هذا الذي روي من البيت يكون لا دليل لهم في أن استوى بمعنى استولى، وهكذا كذلك ثالثًا: أن استواء بشر كان استواء حقيقيًا، لو قيل: أن بشر استوى على العراق بمعنى أنه صار أميرًا، فإنه استوى استواء حقيقيًا، إذ قعد على سرير الملك في العراق، فصار البيت حجة عليهم لا لهم، لأنه ملك العراق في زمن أخيه عبد الملك بن مروان. وهكذا كذلك من هذه الأوجه التي يرد بها عليهم أن الاستواء معناه نسبي، فهو في حق المخلوق بحسبه من مخلوق إلى مخلوق ومن حال إلى حال، وهو بحق الله جل وعلا بما يليق بجلاله وعظمته، ففي الصحيحين: «كان إذا استوى على بعيره» الحديث، كبر ملبيًا إذا استوى على بعيره، هذا الاستواء استواء يليق بما يكون على البعير، وهكذا الاستواء على الملك، وهكذا ولله المثل الأعلى استواء الرب جل وعلا على عرشه سبحانه وتعالى، فهو استواء يليق بجلاله وبعظمته سبحانه وتعالى. فإذا كان كذلك، فإذا هذا الاستدلال بهذا البيت باطل ولا يصح، ويؤيده كذلك ما سبق ذكره من الأوجه التي تقدمت في كلام ابن القيم رحمه الله فيما سبق من إثبات العلو لله جل وعلا. طيب نكتب بهذا القدر وإلى هنا والله تعالى أعلم.