الدرس في كتاب الطلاق 14، باب الرضاع ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتم توضيح شروط الرضاع المحرم وهي خمس رضاعات مشبعات مع تيقن وجود اللبن وكون الرضيع قبل الفطام، ويترتب على الرضاع تحريم ما يحرم بالنسب. كما يُشرح معنى الرضاع المشبع.
يُناقش حكم الرضاعة بعد بلوغ الطفل السنتين، واستثناء حالة إرضاع الكبير عند الحاجة، مع التشديد على عدم التوسع في هذا الاستثناء وتوضيح المحارم بسبب الرضاعة.
يتم شرح تحريم الرضاع ومدى تشابهه مع النسب في التحريم، والفرق بينه وبين المصاهرة، مع التأكيد على أهمية الاحتياط في باب الرضاع وأمانة الإرضاع وتحديد المحارم بسبب الرضاعة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة في ذكره لباب الرضاع. قال: إنما يثبت حكمه بخمس رضاعات مع تيقن وجود اللبن وكون الرضيع قبل الفطام، ويحرم به ما يحرم بالنسب، ويقبل قول المرضعة، ويجوز إرضاع الكبير ولو كان ذا لحية لتجويز النظر. أورد رحمه الله تعالى هذه المسائل في باب الرضاع، والرضاع هو مص أو شرب لبن المرأة عن حمل بشروط جاء ذكرها بالشرع. وأول هذه المسائل قال: إنما يثبت حكمه بخمس رضاعات مع تيقن وجود اللبن وكون الرضيع قبل الفطام، هذه ثلاثة شروط هي شروط الرضاع. الشرط الأول كونه خمس رضاعات، ويضاف مشبعات. وضابط الرضاع المشبعة هو أن يقضم الطفل الضرع ويتركه من غير شاغل يشغله ولا صارف يصرفه، يعني من ذات نفسه. فإذا فعل ذلك خمس مرات فهذه خمس رضاعات مشبعات. وأما إن صرفه عن الرضاعة أو الرضعة صوت أو منظر أو نحو ذلك، فلا تعتبر هذه الرضعة كاملة مشبعة حتى يترك الضرع من نفسه. وسيأتي دليله. أشار رحمه الله تعالى إلى حديث عائشة رضي الله عنها فيما رواه الإمام مسلم بصحيحه: «كان فيما أنزل من القرآن عشر رضاعات معلومات يحرمن، ثم نسخنا بخمس رضاعات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي فيما يقرأ من القرآن». ومعناه أنه نسخ حكم الرضاع من عشر إلى خمس، فصارت خمس رضاعات مشبعات يثبت بها التحريم. هذا هو الشرط الأول أن يكون خمس رضاعات مشبعات. والشرط الثاني قال: مع تيقن وجود اللبن، يعني أن يكون الرضاع من لبن المرأة الحامل التي حملت بحمل جاءها اللبن من حمل. لماذا؟ هل يأتي لبن من غير حمل؟ الجواب أنه لا يأتي لبن من غير حمل، لكن قد يكون هناك ما ليس بلبن مثل الصديد وما كان بمعناه من الصغيرة التي لم تحمل أو من الكبيرة التي كذلك ليس لها حمل قريب. فما كان من صديد مما ينزل خصوصا من الكبيرات ليس هو مما يثبت به الرضاع، ليس مما يثبت به الرضاع لأن الرضاع إنما يكون باللبن. وهذا معناه في اللغة والعرف والشرع كما علمنا أنه هو مص أو شرب لبن المرأة عن حمل بشروطه الشرعية. والثالث قال: وكون الرضيع قبل الفطام، وكون الرضيع قبل الفطام ومعناه أن الرضيع في سن الرضاع وهو ما كان في الحولين لقول الله عز وجل: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾. فالرضاعة تتم بسنتين، فما زاد عن السنتين فليس هو من سن الرضاع. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من أوجه كثيرة عن عدد من الصحابة يؤكد هذا المعنى، فجاء من حديث أم سلمة كما أشار إليه: «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام». وهكذا: «إنما الرضاعة من المجاعة». ونحوه من الأحاديث التي هي بهذا المعنى. فمعنى أن ما كان من رضاعة بعد السنتين فإنه لا يثبت به حكم الرضاع. وأما ما استثناء من جواز إرضاع الكبير ولو كان ذا لحية لتجويز النظر، فهذا استثناء شرعي دل عليه الدليل الشرعي، ولا ينبغي أن يعمل به مطلقا بل عند الحاجة إليه كما ذكر المحققون من أهل العلم. فمن ابتليا بوجود كبير في البيت فات رضاعه ويحتاج إلى دخوله وخروجه في البيت، فلا بأس برضاعه كبيرا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في قصة سالم مولى أبي حذيفة: «أرضعيه تحرمي عليه». وقد أشار إلى ذلك رحمه الله تعالى في الشرح، وذكر لفظ الإمام مسلم: «أرضعيه حتى يدخل عليك». فقد يبتلى أهل البيت مثلا بلقيط يلتقط كبيرا ويريدون الإحسان إليه، ولا بد يعني إذا ترك ضاع فأخذوه، أو قريب لهم مات أقرباءه، وما أكثر أمثال ذلك في مواضع الحروب والفتن. فينتقل هذا الولد وهو ذكر وسنه فوق الحولين، ووجوده بين الأسرة أمر لا بد منه، فكيف يصنع وهو يدخل ويخرج على أهل البيت؟ يفعل كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام: «أرضعيه تحرمي عليه»، فيرضع ولو كان كبيرا لأجل أن يثبت حكم الرضاع. وهذا استثناء خاص بمن كان حاله كحال هذه القصة، ولا يجوز التوسع في هذا في غير هذا الاستثناء. لأن الاستثناء كما مر معنا معيار العموم، فدل على أن ما سوى هذا الشيء الذي ذكر في الاستثناء فيبقى على أصل المنع. يبقى على أصل المنع وعدم الحلية. لو قال قائل: ما الفرق؟ لماذا لا نثبت حكم الرضاع في حق كبير بعد الحولين وهو أولى ممن كما قال الإمام الشوكاني: رجل كبير ذا لحية؟ الجواب أن الشرع هو الذي فرق، فما دام الشرع فرق فإذا ينبغي أن كذلك نحن نفرق. وقوله رحمه الله تعالى: «وَيَحْرُمُ بِهِ مَا يَحْرُمْ بِالنَّسَبْ»، أي: وَيَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمْ بِالنَّسَبْ، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يَحْرُمْ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبْ». وقوله عليه الصلاة والسلام من النسب يعني بمثل ما يجري في النسب يجري في الرضاع. فمثلا امرأة أرضعت صبيا فهي أمه، وصاحب اللبن الذي هو زوجها أبوه، وأخوه عمه، وأخته عمته، وهكذا كذلك أخو هذه الأم المرضعة خاله، وأختها خالته، وأبوه هذين الأبوين أجداد وجداد. يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبْ. وأبناؤهم إخوة متفرقين أو مجتمعين من أحدهما أم من كليهما كلهم إخوة له. فإن كان لهذه الزوجين أبناء منهما فهم أخوة لهذا الرضيع الذي ارتضع من أب وأم بالرضاع، فإن كان من أحدهما من زوج أو زوجة أخرى فهم إخوة له إما من أب وإما من أم بالرضاع. وهكذا قس يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبْ. وانتبه لقوله عليه الصلاة والسلام: «مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبْ»، فلا يحرم بالرضاع ما يحرم بالمصاهرة. فزوجة الأب وكذلك بنت الزوج هي علاقة مصاهرة وليست علاقة نسب، فلا يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة. فزوجة الابن من الرضاع هل تحرم على الأب بالرضاع؟ في هذا خلاف بين أهل العلم لأنه علاقة مصاهرة وليس علاقة نسب. والصحيح أنه لا يثبت. وكان شيخنا محمد بن صالح رتيبين رحمه الله يرى الاحتياط من الجانبين، يعني من جانب العدم المحرمية وثبوتها، ومن جانب الإنكاح والإمتناع منه. يعني إذا قُدِّر فرقة. وقوله رحمه الله: «يُقبل قول المُرْضِعَة»، يعني ولو كانت واحدة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كيف وقد قيل». كما مر معنى قريباً في صحيح البخاري في كتاب الشهادات، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه عقب بن الحارث وقد أخبرته امرأة سوداء أنها أرضعته والتي تزوج، فذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وكرر عليه وأعرض عنه، ثم قال له في الثالثة: «كيف وقد قيل؟». ففارقها رضي الله عنه أرضاه. وأشار في الشرح رحمه الله إلى الحديث، والحديث أصله في الصحيحين أو في البخاري. المهم أصله في البخاري، والقصة لها ألفاظ كثيرة. وقوله رحمه الله: «ويُقبل قول المُرْضِعَة»، المُرْضِعَة يعني إذا كانت ثقة بلا شك ومحل أمانة. وأما إذا كانت ليست محل ثقة وأمانة أو كان هناك ما يُعارض قولها ممن هو أوثق وأثبت، فيقدم قول الأثبت. فمثلا امرأة علمت بالتوسع في الرضاع فزعمت أنها أرضعت إنسان من الناس، ونفى أهل هذا الولد الرضاع وحققوا ذلك بإتقان حفظهم للولد ببينة ظاهرة، فقول المرأة لا يكفي لعدم إظهار البينة لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر». ما دام أن البينة وجدت فلابد أن تعارض ببينة. مثلا قالوا: متى أرضعت الولد؟ نحن ما نعلم أنك دخلت البيت عندنا، ولا علمنا أن الولد ذهب به إليكم، ولم يكن بيننا وبينكم علاقة. فهم أعرف. فإذا قالت: بل أرضعته. تقول: أرضعته في اليوم الفلاني، جاءت به فلانة أو كان في وقت كذا وكذا، تبين ما يرد تلك الحجة. خصوصا وأن بعض الناس يتساهل في هذا الباب. وبه كذلك ينتبه إلى أهمية الاحتياط في باب الرضاع، وأنها أمانة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن بعض النساء يعذبن من أجل تضييع الأمانة في الرضاع. فينبغي أن يحطاق لهذا الباب خصوصا وأنه تتعلق به محرمية وأشياء عظيمة. فينبغي أن ينتبه لذلك. هذا سائل يقول: رضعت من امرأة فصارت أمي من الرضاعة، فتزوج عليها رجل معه أبناء من زوجة أخرى، فهل أبناء هذا الرجل هم من المحارم لي؟ الجواب: لا، لأن الرجل لا علاقة له كما ذكرت في السؤال بهذا اللبن الذي رضعت، فهو أجنبي فضلا عن أبنائه. فلو قدر أنك بنتا لما جاز على الصحيح أن يكون ظهور، فكيف بالأبناء؟ فهو من باب أولى. والله تعالى أعلم. طيب، هناك مسائل نتركها إن شاء الله للدرس اللاحق تتمة للفصل. شكرا.