كتاب الطلاق 13

كتاب الطلاق 13

الدرس في كتاب الطلاق 13، باب النفقة ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أحكام النفقة وتوزيعها

تحدث الشيخ عن أحكام النفقة في الإسلام، مبينًا متى تجب النفقة على الزوج لزوجته وعلى الوالد لولده. كما تطرق إلى مسألة الفسخ إذا عجز الزوج عن الإنفاق على زوجته.

تفاصيل النفقة على الأبناء والمماليك والبهائم

النفقة على الأبناء واجبة على الأب وتشمل الرضاع والكسوة، كما يجب على السيد أن ينفق على مملوكه. النفقة على البهائم واجبة أيضًا، ويجب على المسلم أن يتق الله في كل ما تحت يده.

النفقة على الأقارب ودرجاتها

النفقة على الأقارب واجبة بحسب القرابة والاستطاعة، وتجب على الغني تجاه الفقير من أقاربه. تشمل الكسوة والسكنى وتوزع بحسب الحاجة والاستطاعة.

خاتمة وتأكيد على ما سبق

يختتم الكلام بالإشارة إلى سبق الحديث عن الموضوع، مع الاكتفاء بما ذكر سابقًا. يشير إلى أن الله تعالى أعلم بكل شيء.

  • 22 جمادى الآخرة 1429هـ - 26/06/2008مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: «قال إلا أن تكونا حاملتين»، يعني البائن وصاحبة عدة الوفاة؛ لأنه لا نفقة لها أو لهما، ولا سكن. فإن كانتا حاملتين فنفقة الحمل، وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن، وهذا قد قام عليه الإجماع، ودل عليه دليل النص من الكتاب والسنة. ومن السنة حديث فاطمة بنت قيس، ففي بعض رواياته: «لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملًا». وأشار المعلق إلى ما ذكره في الشرح، ونقل تصحيح الشيخ الألباني رحمه الله له. وهنا ننتهي إلى ما يتعلق بأمر الزوج مع زوجته بجميع أحوالها: متى تجب النفقة؟ ومتى لا تجب؟ فإذا تعسر عليه النفقة على الزوجة، فماذا يلزم عند ذلك؟ ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه للمرأة الحق في طلب الفسخ. كما قلنا: الفرق بين الزوجين تكون بثلاثة أمور: إما من الزوج فبالطلاق، وإما من الزوجة فبالخلع، وإما من الحاكم فبالفسخ. وإذا كان من الزوجة الطلب، فيكون الخلع، إلا أن يكون عند الزوج العيب، إما عيب حسي وإما عيب معنوي. ومن العيب أن لا يستطيع أن ينفق عليها؛ فلها الحق أن تطلب الفسخ. وروي هذا عن جماعة من الصحابة، منهم عمر وعلي، وكذلك روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم جميعًا أجمعين. وذهب بعض أهل العلم إلى التفصيل، ورجحه ابن القيم رحمه الله، وهو أنه يجوز لها الفسخ، إلا أن تكون عالمة بحاله. فإن كانت عالمة بحاله فيجب عليها أن توفي بهذا الإقرار؛ «فالمسلمون على شروطهم». وكما مر معنا في دروس سابقة: أن الشرط منه ما هو منطوق، ومنه ما هو غير منطوق. فإذا كان كذلك، فإذا لم ترد هذا الزوج ولم تتحمل ما رضيت به في أول أمرها، فإذا تختلع منه. مثلا تزوجت برجل تعرف أنه ما يستطيع أن ينفق عليها. وهل يوجد مثل هذا؟ الجواب: نعم قد يوجد. تتزوج المرأة لحاجتها إلى الزوج وتعرف أن زوجها فقير، ربما هي تنفق عليه كونها غنية، أو إذا كان ليس فقيرًا ولكنه مريض أو نحو ذلك لا يستطيع الاكتساب. فالمهم ما ذكره ابن القيم رحمه الله، ونقله عن عدد من أهل العلم معقول، يدل عليه العمومات من الشرع، وهو أقرب الأقوال في المسألة. وفي المسألة أقوال كثيرة. فإن كانت المرأة عالمة بحال زوجها، فهنا ليس لها الفسخ. وإن كانت لا تعلم أو ابتلي الزوج بعد ذلك، فلها الحق في الفسخ. والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: وتجب على الوالد الموسر لولده المعسر، والعكس كذلك، من باب النفقات. النفقة بين الولد ووالده، والوالد مع ولده. ويذكر العلماء هذا في كتاب النكاح في باب النفقات؛ لأنه أنسب مكان يذكر فيه حكم مثل هذه المسألة. فلما ذكروا الكلام على النفقات، ذكروا كل ما يلحق من نفقة: نفقة الزوج على زوجته، وهكذا ما يلحق من نفقات أخرى. وأدلة ذلك كثير من الكتاب ومن السنة: منها عامة ومنها خاصة. فمن العامة قوله جل وعلا: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ فإنه يستلزم النفقة على الوالدين، والعكس كذلك. ما أمر الله عز وجل به من الإحسان إلى الأبناء، وهم من أولي القربى، وأولى الناس بالقربى الأبناء، وأوصل الله عز وجل بهم بعد الوفاة، ففي الحياة من باب أولى. وهكذا نهى ربنا جل وعلا عن قتلهم خشية إملاق، فمع وجود الغنى تجب النفقة من باب أولى. وهكذا كذلك عمومات الأدلة التي تدل على النفقة خاصة، كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت». وفي رواية: «من يعول». وأحد الروايتين سندها ضعيف، ومعناه صحيح. فالشاهد: ينفق الوالد على ولده، ذكرًا كان أو أنثى. «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، حديث ابن عمر في الصحيح. ومن الرعاية النفقة. وهكذا العكس. ومن العكس الإحسان إلى الوالدين، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «أنت ومالك لأبيك». كما أشار في شرحه رحمه الله. وفيه قال عليه الصلاة والسلام: «إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم». وهو الذي أشار إليه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، بما رواه أبو داود وغيره، إسناده حسن. وهكذا الروايات الأخرى التي أشار إليها. فإنه ينبغي أن يقوم كل بما يجب عليه: الوالد ينفق على الولد، والولد إذا احتاج الوالد ينفق على الوالد كذلك. ومر معنا فيما تقدم: أن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أنت ومالك لأبيك»، ليس معناه أن الأب يأخذ من مال ابنه ما يضر به، لا يجوز له ذلك. لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار». لا يجوز له أن يضر به أو يضر ببنيه، كأن يأخذ ما هو له ترفه ويضر بأبنائه. بعض الآباء يفهم هذا الحديث فهمًا خاطئًا، فيذهب ويأخذ من مال ابنه بما فيه إفساد لهذا المال، مع علمه أن هذا الابن يتضرر بذلك، ويتضرر أبناؤه أو زوجاته إن كان له زوجات، وهذا لا يجوز. لا ضرر ولا ضرار، وينبغي أن ينظر المسلم إلى الأدلة بنظر عام، فلا ينبغي أن ينظر بعين عوراء. وهكذا لا يجوز للابن أن يمتنع بخلًا وشحًا عن إعطاء الأب، وهو في غنى، ولو طلب الأب ما هو زائد عن الواجب؛ لأنه من الإحسان إليه، ما دام في الحلال. ما دام يسر الله للابن، ينبغي أن يوسع على الأب إن استطاع. «أنت ومالك لأبيك»، وتحته تفاصيل كثيرة مر معنا قريبًا في درس التقاسيم والفروق. وهكذا كذلك من النفقة على الأبناء: النفقة في الرضاع، إذا لم يكن هناك من يرضع الولد، سواء الأم مريضة أو ليس عندها لبن، فعليه أن يأتي بلبن. اليوم الحمد لله تيسر ذلك، لكن ربما يأتي وقت لا يتيسر، فلا يجوز أن يضرم الولد بحجة أن الحليب غير موجود. قد يحصل يقول قائل: ما في حليب، أزمة حليب. لا ليس الحكم متعلقًا بالحليب من البقالات، لكن عليك إرضاع هذا الولد، حق عليك أيها الأب. فإذا لم يوجد، ابحث عن مرضعة ترضع هذا الولد، كما كان يفعل العرب، وكما دلت عليها أدلة الكتاب والسنة. ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ حتى لو كانت المرأة مطلقة، لم تبرأ ذمتك من النفقة على الولد. بعضهم يقول: أنا يكفيني أن أرسل للولد ألفين ريال بالشهر، ما يكفي! إذا كان هذا المال لا يكفي في أمر الرضاع، عليك نفقة الرضاع. أو كانوا لا يستطيعون إيجاد المرضعة، عليك أن تجتهد وأن توجد المرضعة؛ لأن هذا من المسؤولية التي تتعلق بك، كما جاء في نص الكتاب والسنة. بل لو كانت المرأة مطلقة وأبت أن ترضع إلا بنفقة، واجب عليه أن ينفق على المرأة وهي أمه لترضع هذا الولد. فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن. ثم قال رحمه الله تعالى: وعلى السيد لمن يملك، كذلك يجب على السيد أن ينفق على من يملك ممن هو تحت يده. كما أشار في حديث أبي ذر في الصحيحين: «فليطعمه مما يأكل، أي السيد يطعم عبده ومملوكه، ويلبسه مما يلبس». وهذا إذا أمر به، فما دونه من باب أولى. لا أمر بهذا على وجه الندب أن تطعمه مما تأكل ولو أن تذيقه. كما جاء في بعض الروايات من الطعام. يعني مثلًا: جاءك ضيوف فقربت لهم ما يقرب للضيوف أمثالهم، احرص على أن تعطي مملوكك ولو شيء يسير، مثل ما نقول نحن: طعامة، ولو شيء يسير تطعمه من هذا الطعام الطيب، إكرامًا له، واستجابة لوصية النبي عليه الصلاة والسلام: «فليطعمه مما يأكل». إذا لم يتيسر أن تطعمه طعامًا كاملًا، فلا أقل من أن تجعله يذوق هذا الطعام ولو شيء يسير. وننتبه هنا: إذا كان هذا في حق المملوك، فكيف في حق الزوجات التي يهضم حقها من بعض الرجال؟ وكيف بحق الأبناء الذين يهضمون حقهم من قبل بعض الآباء؟ ربما يؤتى للغريب ولا يعطى لأهل البيت شيء. ليس معنى هذا أن الغريب لا يكرم، إلا بشرط أن يكرم أهل البيت. لكن إذا استطعت أن توسع على أهل بيتك ولو أحيانًا فوسع. فإذا كان هذا على وجه الاستحباب، فالطعام الواجب واجب. الطعام الواجب واجب، يعني لا يترك جائعًا ولا يترك عاريًا، بل يطعم ويكسى. وفي تتمة الحديث بعض الروايات قال عليه الصلاة والسلام: «ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم». حتى الأعمال لا يكلف بما هو فيه مشقة عليه. فإذا كلفته بالشيء الشاق، فأعينهم. إما أن تعينه بنفسك، وإما أن تعينه بأن توجد من يعينه معه على ذلك. بل ذكر بعض العلماء: أن من النفقة على المماليك تزويجهم. من النفقة على المماليك تزويج هذا المملوك. ماذا هو مملوك لك؟ زوجه إن كنت تستطيع، فيجب عليك. واستدل على ذلك من قال بالوجوب بقول الله عز وجل: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ، مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قالوا: وهذا فيه الأمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب لمن كان مستطيعًا. ومن كان غير مستطيع فلا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها. وهكذا ما أشار إليه في الحديث الآخر: حديث أبي هريرة: «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف». وهذا المعروف: المعروف الشرعي، والمعروف العرفي. فمثلًا: الغني يطعم المملوك من غناه، والفقير يطعمه من فقره، كل بحسبه. فقد يكون طعام الفقير لمملوكه الذي هو مملوك لرجل فقير، طعام لا يشبعه، فلا حرج عليه، ما دام فقيرًا. بخلاف الغني، لا تبرأ ذمته بطعام لا يشبعه، ما دام يستطيع أن يشبع هذا المملوك، فيجب عليه أن يشبعه. ولهذا فسر العلماء المعروف لأجل أن لا يلتبس على الناس. ومثله: أن ينفق على المرأة، وعاشرهن بالمعروف. نفقة المرأة التي هي تحت الزوج الغني، ليست مثل نفقة المرأة تحت الزوج الفقير. قد يُعذر الزوج الفقير إذا جاعت المرأة في بعض الأيام والليالي، لكن لا يُعذر الغني أن يُجيع امرأته وهو يستطيع أن يسد جوعها وأن يكسي عريها، فلا يجوز له ذلك. وهكذا يذكر العلماء هنا بالمناسبة: النفقة على البهائم، فإنه مما تجب النفقة عليه كذلك. فإن النفقة على البهائم من النفقة الواجبة كذلك، يدخل في عمومات الأدلة في هذا الباب. كقوله سبحانه: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. ومن الدليل الخاص: ما جاء في حديث عبد الله بن جعفر في قصة، فيما رواه أبو داود وغيره، في قصة ذاك الجمل الذي استعصى على أهله، أو الذي خاف أهله منه في حائط الأنصار، فدخل عليه النبي عليه الصلاة والسلام القصة، ثم إنه قال: «لمن هذا الجمل؟» فجاء فتى من الأنصار، فقال: هو لي يا رسول الله. فقال: «ألا تتق الله في هذه البهيمة؟ فإنه شكاك إلي أنك تطعمه أو قال: أنك لا تطعمه أو قال: تجيعه وتدئبه»، يعني تتعبه في العمل، تكلفه من العمل الشيء الشاق. فقوله: «ألا تتق الله في هذه البهيمة؟» دل على أن النفقة على البهائم من الأمر الواجب. وقال النبي عليه الصلاة والسلام في قصة الحميرية التي رآها في النار: أنها دخلت النار بهرة، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. فينبغي للمسلم أن يتق الله فيما تحت يده من النفقة على البهائم. والناس في النفقة على البهائم طرفان ووسط: قوم يبالغون ويسرفون ويبذرون، وقوم يشحون ويبخلون ويتساهلون. وكلا الطرفين أو كلا الطرفان على خطأ. وكذلك له نصيب من الإثم. الأول: الطرف الأول في التبذير والإسراف، وقد نهينا عن ذلك. ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾. يأتي إنسان يفتح تونة بكم تونة؟ ميتين وخمسين أو أكثر، الكبير تقريبًا أكثر من ميتين وخمسين، ميتين وسبعين يفتحها ويعطيها لهرة مثل ما أخبرني بعض الإخوان: أنه جاء بعض إخواننا العجم، وكان كل يوم يفتح واحدة تونة لهرة ويعطيها! فقال بعض الإخوان: «أنا أولى بهذه التونة من هذه الهرة!» يعني إذا كنت تريد الإحسان، أحسن إلى آدمي، أحسن من أن تحسن إلى هرة. فالوسط: أن تطعم الهرة من خشاش الأرض، ما يبقى إذا بقي من طعامك شيء، بدل من أن ترميه تعطيه للهرة، لكن لا تعطيها الشيء الذي يستحقه الآدمي. وأمامك من الآدميين الكثير الذين يستحقون الإحسان أكثر من هذه الهرة. أو يشترى الطعام الخاص في المحلات الكبيرة، ربما علبة صغيرة تشترى بألف وخمسمائة ريال، طعام يأتي من داخل أمريكا أو من داخل بعض دول أوروبا، علبة صغيرة بألف وخمسمائة ريال، أتعجب حين أدخل بعض المحلات الكبيرة، طعام الهرر مثل في المملكة موجود في بعض المحلات، يعني طعام للقطط وللكلاب، علبة صغيرة بألف وخمسمائة أو نحوها، هذا إسراف وتبذير. إن كان يريد أن يحسن إلى حيوان، يحسن إليه بما ليس في إسراف ولا تبذير، مثل ما جاء في الحديث. مثل هذه الحيوانات تترك تأكل من خشاش الأرض، أو ما يبقى من الطعام تكتفي به، وهو رزقها. وهكذا كذلك لا يجوز الشح أو التساهل في الإطعام. بعض الناس يملك البهائم، تمر اليوم وليومين ولا يسقيها الماء، الظلم! هات يوم القيامة هذه الشاه التي تؤخر عنها الماء، هي تعذب، وأنت تعذب بعذابها. إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام ذكر: أن الشاه القرناء يقتص منها حين كانت في الدنيا تنطح الشاه الجلحاء التي ليس لها قرن، وهي بهائم، فكيف أنت إنسان؟ رزقك الله مالًا وقوة وعقلًا وتفرط وتظلم هذه البهيمة؟ فإنه يقتص منك كذلك. فينبغي الانتباه لهذا الباب، وما أكثر الناس الذين يملكون بهائم ويتساهلون فيها: إما من الطيور، وإما من بهيمة الأنعام، وإما كذلك من الدواب الطواف على الناس كالهرة وما كان بمعناها، فينبغي الحذر من التساهل في هذا الباب. دين الله وسط بين المفرط والمفرط. ثم ختم رحمه الله بذكر حكم النفقة على الأقارب، وذكر أدلة عامة: لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله. وهذه النفقة دلت عليها أدلة كثيرة: عامة وخاصة. ومن العامة: قوله سبحانه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ فكل من بينك وبينه قرابة، فإنه ينبغي أن تنفق عليه بحسب استطاعتك. إن كنت قانيًا فتنفق من غناك، وإن كنت فقيرًا فمن فقرك، وإن كنت عاجزًا فلا أقل من كلمة طيبة ودعاء بظهر الغيب، وهو أقل الصدقة لأخيك وقريبك. والله عز وجل يقول: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ إلى آخر الآية. وهكذا كلما قربت القرابة، كلما توثقت أمر النفقة. ولهذا كانت النفقة على القريب الوارث واجبة في قول جمهور أهل العلم. كما أنه يرثك وترثه كذلك، إذا وقع ما فيه معنى الحاجة، فتنفق عليه. ويجب أن ينفق عليك. كما قال سبحانه: ﴿عَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. وكل واحد ينبغي عليه أن ينتبه لهذا المعنى. كما أنه يحصل التوارد في المال بعد الوفاة، فكذلك في الحياة ينبغي أن يحصل التكافل، وكذلك التواصي. وهذا من حكمة الله عز وجل في شرعه ودينه: أن جعل مثل هذه التفاصيل في الأحكام التي يوجب بها النفقة. يعني المسألة ليست فضل صدقة، بل نفقة واجبة. لو أن ابن عم فقير، عنده ابن عم غني، ذهب إلى الحاكم المسلم، وقال: أنا فقير ليس عندي شيء، وهذا ابن عمي غني، هل لي حق أن أطالبه بشيء؟ الحاكم يجب عليه أن يأخذ من الغني نفقة المثل لهذا الفقير، واجب. ليس صدقة، ولا مستحب، بل واجب أوجبه الله عز وجل عليه، وأوجبه عليه حكم الإسلام. كما أن هذا الغني لو كان فقيرًا والآخر الفقير كان غنيًا، يأمر الإسلام هذا الغني أن ينفق على ذاك الفقير نفقة المثل. كم يكفي هذه الأسرة في الشهر؟ يكفيها مثلًا عشرة آلاف، إذن يجب في كل شهر أن يدفع الغني للفقير عشرة آلاف، بحكم الحاكم وقضاء القاضي، ولا يجوز له أن يتخلف عن ذلك. هذا معنى النفقات الواجبة. وهكذا كل ما كان من قرابة توجب النفقة، فإنه إذا حصل التخلف والتقاعص فيها، جاز الشكوى فيها. وللحاكم والقاضي أن يقضي ويحكم بما يستلزمه الحكم الشرعي في ذلك. وهكذا الأقرب فالأقرب، كل ما كان أقرب كان أولى. فإذا تساووا، كانت النفقة بالسواء. مثلًا: عندك أخ وأخت، تنفق على الاثنين ما تستطيع أن تنفق على الاثنين. قال العلماء: «تقدم الأخت على الأخ؛ لأنها عاجزة، ولأنه جاء به النص». فلما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «بمن يعول؟ من يبدأ بمن يعول؟» قال: «أمك وأباك، ثم أختك وأخاك، ثم أدناك وأدناك». فقدم الأخت على الأخ. قال العلماء: «إذا تساوت المرتبة، فإنه يقدم الأنثى على الذكر؛ لأنها أعجز وأضعف عن النفقة». ومفهومه: إذا كان يستطيع الجميع، يجب الجميع. إذا لا يستطيع الجميع، فإلى الحد المستطاع. مثلًا: قال الغني: «أنا ما أستطيع أن أنفق على جميع إخوتي!» يقال له: «أخرج الاستطاعة!» قال: «استطاعتي أخرج خمسين ألفًا!» ينظر كم تكفي من الأخوة؟ تقسم على الأخوة بحسب حاجتهم: الأولى فالأولى، إذا لم يمكن تقسيمها بينهم بالسوية. ثم ختم هذا الباب بهذا التعليق الذي ذكره: أن من وجبت له النفقة، وجبت له الكسوة والسكنى. وسبق الكلام على هذا بما يغني عن الإعادة. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.