كتاب الطلاق 11

كتاب الطلاق 11

الدرس في كتاب الطلاق 11، فصل:استبراء الأمة المسبية والمشتراة ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام استبراء الأمة المسبية والمشتراة

يجب استبراء الأمة المسبية والمشتراة بحيضة إن كانت حائضًا، والحامل بوضع الحمل. ولا تستبرأ بكر ولا صغيرة مطلقًا.

تفاصيل حكم استبراء الأمة

يجب استبراء الأمة الحامل حتى تضع حملها، والأمة غير الحامل حتى تحيض حيضة. ولا يجوز قربانها حتى تنتهي من استبرائها.

ضوابط استبراء الإماء واستثناءاتها

الأمة تستبرأ بحيضة واحدة، ولا تستبرأ البكر. والاستبراء ليس شرطًا لصحة البيع أو الهبة أو العتق، وإنما هو للجمع والمباشرة.

استنتاجات من النصوص السابقة حول الاستبراء

الفهم المستخلص هو نتيجة قراءة وتفسير للنصوص السابقة في نفس السياق، ويعبر عن الاستنتاج المتوصل إليه من تلك النصوص.

  • 22 جمادى الآخرة 1429هـ - 26/06/2008مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال رحمه الله تعالى: فصل استبراء الأمة المسبية والمشتراة. يجب استبراء الأمة المسبية والمشتراة ونحوهما بحيضة إن كانت حائضًا، والحامل بوضع الحمل، ومنقطعة الحيض حتى يتبين عدم حملها. ولا تستبرأ بكر ولا صغيرة مطلقًا. ولا يلزم البائع ونحوه. أورد رحمه الله في هذا الموضع أحكام الاستبراء للأمة في فصل خاص. وكما مر معنا أن الفصل عند الفقهاء وأهل التصنيف هو كالاستثناء من الباب، أو ما كان له حكم خاص يختلف عن الباب، وهو ملحق بالباب من جهة ويختلف عنه من جهة أخرى. ولهذا جعل في فصل خاص. ولهذا ذكر أحكام الاستبراء للأمة ها هنا؛ لأنه من جهة أنه عدة، هو يلحق بباب العدد، ومن جهة أنه عدة لا كالعدة، وأنه كذلك ليس بنكاح بل ملك يمين، جعل له هذا الفصل الخاص. ولهذا لم يسمَّ عدة، وإنما يسمى استبراء. قال رحمه الله: ويجب استبراء الأمة المسبية والمشتراة ونحوهما بحيضة. وأشار إلى دليل ذلك في حديث ﴿بسعيد﴾ في سبايا أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة». وسبايا أوطاس هن سبايا هوازن، فأوطاس وادي من وديان دار هوازن. وقد غزى النبي صلى الله عليه وسلم هوازن لما كان منهم ما كان من الشرك وأذية المؤمنين، فتفرقوا، فكانت في ذلك ثلاث غزوات. تفرقت هوازن إلى ثلاث جهات: إلى حنين، وإلى أوطاس، وإلى ثقيف، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بغزوهم في الجهات الثلاث. فغزوة أوطاس هي غزوة في وادي من وديان هوازن، وليست هي غزوة حنين كما ظنه بعض أهل السير والتاريخ، ولكنها غزوة أخرى. الشاهد أن النبي عليه الصلاة والسلام بيّن لهم هذا الحكم، فقال: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة». والحديث كما أشار المعلق، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وهكذا ما أشار إليه فيما رواه الإمام مسلم من حديث أبي الدرداء: أن النبي صلى الله عليه وسلم همّ أن يلعن الذي أراد وطأ امرأة حامل من السبي لعنة تدخل معه إلى قبره؛ يعني شدد في هذا الباب، فلا يجوز أن توطأ امرأة حامل لا بسبي ولا بشراء؛ فإنه لا يجوز حتى تستبرئ بإخراج ما في حملها. وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن. وأشار إليه في الشرح، وهو كذلك صحيح. وهكذا نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن توطأ حامل حتى تضع، ولا توطأ حائل حتى تستبرأ بحيضة. والحديث في إسناده ضعف كما أشار وأعلق المعلق بذلك، لكن معناه صحيح. ومعنى حامل ظاهر، ومعنى حائل -يعني ليست بحامل- يقال لها حائل؛ أي تستبرأ بحيضة. وهكذا الحديث الذي أشار إليه كذلك: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره». والحديث صحيح. كذلك حديث رويفع بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ونهي النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث ابن عباس يوم خيبر- حين نهى عن أن يسقي الرجل ماءه زرع غيره. فهذا يدل كله على أن الأمة لا توطأ إذا كانت حاملًا حتى تضع حملها، وإذا كانت ليست بحامل حتى تحيض حيضة. وهنا يأتي حكم: إذا كان الحامل لا توطأ، هل يجوز أن تباع؟ وهل يجوز أن تمتلك بملك اليمين إذا كانت مسبية؟ وإذا كانت حتى تحيض حيضة، هل يجوز أن تباع؟ وهل يجوز أن تملك بملك اليمين؟ الجواب: نعم، ولكن لا يكون قربان لها حتى تنتهي من استبرائها. إن كانت حاملًا حتى تستبرئ ما في حملها، وإن كانت ليست بحامل حتى تحيض حيضة. ويدل على ذلك ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام مع صفية بنت حيي؛ فإنه أخذها وجعل عتقها مهرها عليه الصلاة والسلام، واستبرأها بحيضة، وسافرت معه وأخذها، ولكن لم يقربها حتى يستبرئها. وقوله رحمه الله تعالى: «والمشتراة ونحوهما». المراد بالمسبية: ما تؤخذ في الغزو. وقد مر معنا في إحكام الرق أن الرق في الإسلام بقى عليه، ولم يبق من الرق إلا ما كان على وجه العدل. فليس في الإسلام رق إلا ما كان على أصل صحيح؛ يعني من الجاهلية فأقره الإسلام، أو كان كذلك من الغزو. وهذا في مقابلة فعل الكافرين مع المسلمين، وهو من العدل، وفيه رحمة لهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يعجب من قوم يدخلون الجنة في السلاسل». يعني: كونهم يصيرون أرقاء فيتعرفون على الإسلام عن قرب فيسلمون؛ خير لهم من أن يبقوا في الحرية على الكفر، وهو أفضل من القتل. ومع ذلك ففي الإسلام أحكام كثيرة في فتح أبواب العدل؛ سواء أكان ذلك بالحث عليه وذكر فضله، أو كان ذلك بما أوجب الشرع من الكفارات الكثيرة التي فيها عتق رقبة، أو كان ذلك بكفارة من اعتدى على أحد منهم أن يعتق، وغير ذلك من الأحكام مما سبقت الإشارة إليه في دروس سابقة. فالشاهد: المسبية هي التي تأخذ من الغزو وتكون من الكفار. ولا يسبى أحد من المسلمين؛ ليس في أهل الإسلام سبي. وعلى هذا كان أحد الخلاف بين أهل الإسلام والصحابة رضي الله تعالى عنهم على رأسهم، وبين الخوارج الذين أرادوا السبي من المسلمين. فليس بلازم أن يكون مع القتال استحلال السبي والأموال. وهكذا كذلك لزوم حكم التكفير. فإن الله عز وجل أخبرنا في كتابه أنه قد يقع القتال بين أهل الإيمان، قال سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، سماهم أهل الإيمان، ومع ذلك وقع بينهم قتال. فما داموا أهل الإيمان فلا سبي ولا استحلال أموال، ولا كذلك استحلال دماء. ولهذا فقتال أهل الإسلام هو قتال دفع وقطع للبغي، وليس هو كقتال الكفار. ولهذا أمر علي رضي الله عنه أرضاه حين قاتل الخوارج أن لا يجهز منهم على جريح، ولا يتبع مولى، ولا يتتبع أحد منهم فارًا؛ يعني بأن يقتل ونحو ذلك مما ذكره أهل العلم في قتال أهل البغي. قال رحمه الله: «هو المشتراة»؛ أي التي تشترى بالمال بشرط أن تكون دخلت بملك صحيح. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه تحريم شراء الحر. فلو أن حرًا بيع لم يجوز لأحد أن يشتريه، ولو اشتراه لم يصح البيع ولم يصح فيه الملك، ويترتب على ذلك فساد كل ما يتبع ذلك من أحكام الرق. وقوله: «ونحوهما»؛ يعني مما فيه معنى الرق مثل الهبة؛ أن توهب الأمة أو أن تهدى، ونحو ذلك من الأحكام. وقوله: «إن كانت حائضًا والحامل بوضع الحمل» هذا واضح وسبق. «ومنقطعة الحيض حتى يتبين عدم حملها». ومعنى منقطعة الحيض: أي التي انقطع حيضها. وهي على ثلاثة أقسام: منها لا تحيض لصغر سنها، أو لا تحيض لكبر سنها. وهاتان تستبرآن بشهر؛ قياسًا على ما ذكر في الحرة؛ فإنها إذا لم تكن تحيض صغيرة أو آيسة فثلاثة أشهر. فكذلك الأمة إذا كانت لا تحيض. فقد يقول قائل: كيف لا تحيض وهي صغيرة ومع ذلك تستبرأ؟ الجواب: لأنها قد لا تكون بكرًا، تكون صغيرة ولا تحيض ولكنها ليست ببكر؛ قد دخل عليها. وهل يجوز؟ الجواب: نعم يجوز. فإن العلماء ذكروا أن جماع الصغيرة التي لم تحض إذا كان مثلها يمكنها ذلك هو جائز؛ يعني بالوجه الشرعي الصحيح. وهكذا كذلك الثالثة التي انقطع لعله. وهذا قوله: «حتى يتبين حملها». فإن انقطع الحيض ولا يدرى ما سببه، فإنه ينبغي عليها نستبرئها حتى يتبين حملها أو يتبين طهرها. وكم هذه المدة؟ هذه المدة كما مر في فتوى عمر: أنها في الحرة ثلاثة أشهر، فتكون في الأمة كم؟ كم في الأمة؟ في الحرة سنة، وفي الأمة عشرة أشهر؛ تسعة أشهر للحمل وشهر للاستبراء؛ قياسًا على فتوى عمر رضي الله تعالى عنه أرضاه. وقوله: «ولا تستبرأ بكر ولا صغيرة مطلقًا». أما بكر فصحيح. وأما صغيرة فليس بصحيح؛ لأن الصغيرة قد تكون غير بكر. فإن كانت غير بكر فإنها تستبرأ. فإن كانت غير بكر فإنها تستبرأ. وأما ما أشار إليه من بعض الروايات التي فيها ذكر الصغيرة أنها لا تستبرأ، فهي روايات فيها ضعف. ولو صحت لقيدت بما سمعنا لعموم ما ورد في هذا الباب. وقوله فيما أخرجه عن ابن عمر: «إذا وهبت الوليدة أو بيعت أو اعتقت فلتستبرأ بحيضة، ولا تستبرأ العذراء». فيحمل فتوى عمر ابن عمر وكلامه في العذراء؛ أي البكر، ليس الصغيرة. فالبكر هي بكر لا تستبرأ لبكارتها؛ كما أن المدخول بها غير المتوفى عنها زوجها إذا طلقت فليس عليها عدة. فكذلك البكر من الإماء لا تستبرأ. وأثر ابن عمر الذي أخرجه البخاري وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح كما أشار المعلق رحمه الله تعالى. وأخيرًا قوله: «ولا يلزم البائع ونحوه». يريد رحمه الله تعالى أن البائع ليس عليه استبراء؛ يعني لا يلزم أنه لا يبيع حتى يستبرئ؛ لأن الاستبراء إنما هو للجمع، وليس هو للبيع والشراء كما تقدم. ويدل عليه فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع صفية؛ أي أنه أخذها، أي أنه أخذها وسافر بها، ولا يستلزم ذلك انتهاءها من الاستبراء؛ أي بحيضة. فدل ذلك على أن الهبة والبيع والشراء وملك اليمين لا يمنع منه اكتمال الاستبراء، ولكن الاستبراء إنما هو للمباشرة والجمع. وهذا الذي يفهم من النصوص السابقة في هذا الباب.