كتاب الطلاق 1

كتاب الطلاق 1

الدرس في كتاب الطلاق 1، كتاب الطلاق المقدمة ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف الطلاق وأحكامه

يُعرّف الطلاق لغةً وشرعًا، ويُشرح حكمه وجوازه من قبل المكلف المختار. الإسلام جعل الطلاق مشروعًا ولكن بشروط وضوابط معينة.

أقسام الطلاق بحسب الحكم التكليفي

الطلاق له أقسام متعددة بحسب الحكم التكليفي، فقد يكون مباحا أو مستحبا أو واجبا أو محرما أو مكروها. يُشترط لصحة الطلاق أن يكون من مكلف مختار.

شروط صحة الطلاق في حالات خاصة

يتناول شروط صحة الطلاق من غير البالغ والمكره، حيث يرى بعض العلماء أنه يصح إذا كان مميزًا وصحيح التصرف. الطلاق لا يقع إذا كان المكره عليه يترتب عليه ضرر.

حكم الطلاق للرجل المختار وتوضيح

إذا وقع الطلاق من رجل يعلم أنه لا ضرر عليه، فإنه يقع ويصح؛ لأنه فعله كفعل المختار. هذا هو الرأي الصحيح في مسألة الاختيار عند وقوع الطلاق.

  • 22 جمادى الآخرة 1429هـ - 26/06/2008مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: كتاب الطلاق، قال: هو جائز من مكلف مختار ولو هازلا لمن كانت في طهر لم يمسها فيه ولا طلقها في الحيضة التي قبله أو في حمل قد استبان، ويحرمه قاعده على غير هذه الصفة، وفي وقوعه ووقوع ما فوق الواحدة من دون تخلل رجعة خلاف، والراجح عدم الوقوع. هذا الكتاب جعله رحمه الله تعالى فيما يتعلق بأحكامه الطلاق بعد أن انتهى من الكلام عن مسائل النكاح، ناسب أن يذكر ما يلحق به من أحكام ومسائل، ومن ذلك كتاب الطلاق. وذكر فيه مجموعة من المسائل، وقال في أوله: كتاب الطلاق، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الطلاق. ومر معنا أن الكتاب فعال يأتي بمعنى مفعول، وكثير ما يأتي فعال بمعنى مفعول، ومنه فراش بمعنى مفروش، وكساء بمعنى مكسو، ونحوه. وأما الطلاق فلغة مأخوذ من الإطلاق وهو التخلية، ومعناه القريب فيما يتعلق بالنكاح هو تخلية ذاك النكاح. ولهذا عرفه العلماء بأن الطلاق شرعا حل قيد النكاح أو بعضه. ومعنى حل قيد النكاح أي إطلاق؛ لأنه مأخوذ من معناه اللغوي، والإطلاق والتخلية. وأما قولهم قيد النكاح، المراد بقيده العدد؛ فالطلاق الشرعي الذي يبث وينتهي هو ما بلغ ثلاث طلقات. ولهذا قال: أو بعضه؛ لأن الطلاق قد يقع كاملا باستيفاء عدده، وقد يقع مجزأ بأخر شيء من حصصه. فإن كان الطلاق واحدة فهو ثلث واحد من ثلاث، أو الثانية كذلك جزء، أو الثالثة عند ذلك يستوفي هذا المطلق حصص الطلاق وعدده، فلا يكون له رجعة حتى تنكح زوجا غيره بشروطه وقيوده ووصفه الخاص. أي ما هو الطلاق أو طلاق الثلاث الذي يكون فيه هذا الحكم؟ فيأتي الكلام عليه إن شاء الله. ثم قال رحمه الله تعالى: هو جائز من مكلف مختار. قوله: وجائز، أي حكمه في الشرع الجواز، والمراد بالجواز هنا المشروعية، المراد به المشروعية؛ أي أن الطلاق مشروع. ودين الإسلام دين الحكمة والرحمة، فمن حكمة الله عز وجل ورحمته أن أنزل للناس من شريعته ودينه ما يصلح الله عز وجل به أحوال العباد. فلما كان النكاح مما تستقيم به فطرة الإنسان ويستوفي بها حاجته الدينية والدنيوية أحله الله عز وجل ورغب فيه، وكان من سنة الأنبياء كما تقدم. ولما كان هذا النكاح قد تعترضه عوارض تمنع من استدامته واستمراره، أو كذلك يكون الأكمل بتغييره وإبداله، شرع ربنا جل وعلا الحكيم الخبير الذي خلق الخلق سبحانه ويعلم ما يصلح أحوالهم به، شرع لهم الطلاق. فكان الطلاق في دين الإسلام وسط بين طوائف الأمم في الأرض قديما وحديثا، بين من منعه مطلقا أو كذلك من تلاعب فيه. فكان دين الإسلام في هذا وسط، جعله مشروعا على الوجه الذي يحصل به النفع ويدفع به الضر. وما لم يكن فيه نفع ولم يدفع به ضر فإنه يكره، بل قد يحرم. ولهذا فقوله رحمه الله: جائز، أي مشروع. ثم بعد ذلك نعرف أن تحت هذه الكلمة أقسام؛ فقد يكون الطلاق مباحا، مثاله كطلاق رجل من امرأة لم تستقم العشرة بينهما ولم تتوافق الطباع فيما بينهما، هذا طلاق مباح، لكنه ليس بمستحب ولا مكروه ولا غير ذلك. مباح يجوز له أن يطلقه، ويجوز للمرأة أن تطلب الطلاق إذا كرهت وخشيت على دينها، كما سيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله في الكلام على الخلع وما يلحق به. وقد يكون الطلاق مستحبا إذا كان في ذلك ضرر على أحد الزوجين، فإنه عند ذلك يستحب الطلاق دفعا للضرر، وهكذا كذلك وصولا للمنفعة لأهل الزوجين. كما قال الله عز وجل: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾، فإمساك بمعروف فإن تم الإمساك بالمعروف فذاك المطلوب وهو الذي يحبه الله، ولهذا قدمه. فإن لم يتم فتسريح بإحسان، تسريح يعني مفارقة بين الزوجين بإحسان. وتسريح يشمل ما إذا كانت الفرقة من الزوج بالطلاق، أو كان مثلاً، أو كانت الفرقة من الزوجة كالخلع مثلاً، أو كانت الفرقة من الحاكم كالفسخ مثلاً. وهذه ثلاثة أحوال للفرقة بين الزوجين؛ قد يكون من الزوج كالطلاق، وقد يكون من الزوجة كالخلع، وقد يكون من الحاكم كالفسخ، وكله يدخل في معنى أو تسريح بإحسان. فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، فإن لم يكن بين الزوجين معروف ووقع شيء من الضرر، فعند ذلك التسريح بإحسان. وقد يكون هذا الطلاق واجبا، وذلك إذا استوجب ضررا يستوجب الوجوب كالرضا بالعرض ونحوه، فهذا لا يجوز الرضا به. فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن مثل ذلك، بل ربنا جل وعلا: ﴿ولا ينكح الزاني إلا زانية أو مشركة﴾، فإن هذا مما لا يجوز الرضا به، إذا لم يجوز إقرارا لم يجوز كذلك استمرارا، فيجب الفرقة بين الزوجين إذا كان وجد ما يستوجب الفرقة. وهكذا كذلك قد يكون محرما، قلنا: إنه قد يكون مباحا، وقد يكون مستحبا، وقد يكون واجبا، وقد يكون محرما. وقد يكون محرما كذلك وهو ما يستوجب الضرر بالزوجة، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار»، لا يجوز له أن يضر بالزوجة بغير حق. ولهذا ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الطلاق على غير وجه المشروع محرم مطلقا، الطلاق على غير وجه المشروع محرم مطلقا، كما ذهب إلى ذلك أبو حنيفة وجماعة من أهل العلم. فإذا كان كذلك فينبغي للمسلم أن ينتبه من مسألة الطلاق من دون سبب؛ ليست المسألة سهلة لأن المسألة دين ستسأل عنه وأمانة ستسأل عنها يوم القيامة. كثير من النساء يظلمن ويضر بهن بسبب هذا الطلاق، خصوصا أن المرأة ليست كالرجل، فينبغي للزوج أن يتأمل هل هذا الطلاق على وجه يرضى الله عز وجل به ويأذن أم لا، حتى لا يعبث بأمر النساء. ولهذا كان من حكمة الله عز وجل أن جعل عصمة النكاح عند الرجل؛ لأن الرجل عنده من الصفات التي تستوجب المحاسبة ما ليس عند المرأة. المرأة تغلب عليها العاطفة ويغلب عليها كذلك جوانب أخرى ربما تتصرف تصرفا غير صحيح وتقدر به، بخلاف الرجل. ولهذا كانت عصمة النكاح بيده. وهكذا قد يكون مكروها إذا وقع على وجه يستوجب الكراهة على ما يفهم من عموم ما سبق تفصيله وذكره. ثم قال رحمه الله تعالى: وهو جائز من مكلف مختار. المكلف مر معنا في اصطلاح الفقهاء من هو المكلف؟ هو البالغ العاقل، هذا هو المكلف في اصطلاح الفقهاء. وجمهور أهل العلم على أن الطلاق لا يصح إلا من مكلف، ويريدون به البالغ العاقل. وروي ذلك كذلك عن الإمام أحمد، هو قول الثلاثة: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وجماعة من أهل العلم. ورواية عن إمام أحمد، ورواية أخرى للإمام أحمد أنه لا يشترط فيه البلوغ، وهو الصحيح الذي ذهب إليه جماعة من المحققين من أهل العلم؛ لأنه حكم جعل بحسب حاجة عقد النكاح، فإذا صح عقد النكاح من غير البالغ صح عقد الطلاق كذلك على الصحيح من غير البالغ، ولو كان دون العشر، كما ذكر ذلك غير واحد من المحققين، ما دام مميزا وصحيح التصرف، وكان تصرفه فيه صلاح لحال الزوجين. فإذا وجدت هذه الشروط الثلاثة صح طلاق غير البالغ. الشرط الأول أن يكون مميزا، والشرط الثاني أن يكون هذا المميز صحيح التصرف، والشرط الثالث أن يكون كذلك في هذا الطلاق الإصلاح. وهذا الثالث قد لا يشترط، المهم أنه إذا حصل المقصود الشرعي من الطلاق فإنه يصح الطلاق ولو كان من غير البالغ. وهذا هو الصحيح؛ فإن عموم الأدلة تدل عليه، وليس هناك دليل صحيح صريح يمنع منه، خصوصا وأنه ثبت أصل عقد النكاح لغير البالغ، فكذلك يثبت هنا فسخه. على أنه ثبت عقده لغير البالغ. وقوله: عاقل؛ لأن غير العاقل رفع عنه القلم، والمراد بغير العاقل المجنون والمعتوه ومن كان بمعناه ممن لا يحسن التصرف أو لا يملك التصرف أصلا. ولهذا جاءت الأدلة الكثيرة في رفع القلم عن المجنون ومن كان بمعناه. وأما قوله: مختار، أراد به إخراج ما إذا وقع ذلك عن كره. فإذا وقع عن شيء من معنى الإكراه فإنه عند ذلك لا يمهد الطلاق. هكذا ذهب جماعة من أهل العلم، وفصل بعضهم. والصحيح التفصيل؛ فإن الإكراه ينقسم إلى قسمين: إكراه ملجئ، وإكراه غير ملجئ. ما هو الإكراه الملجئ؟ هو الذي ليس لصاحبه فيه اختيار، يعني ألجئ صاحبه إلى الفعل فلا اختيار له، هذا هو الإكراه الملجئ الذي لا اختيار لصاحبه. هذا النوع من الإكراه يعذر بإجماع أهل العلم صاحبه، مثل إنسان أخذ بختمه مثلا فكتب به وختم به على عقد الطلاق، أو كذلك أخذ بيده بالقوة قهرا وأبصم في عقد الطلاق، ليس معه أي اختيار في ذلك، فهذا معذور. والنوع الثاني من الإكراه إكراه غير ملجئ، وهو ما كان لصاحبه معه الاختيار، وهذا فيه التفصيل. فإن كان ليس عليه فيه ضرر فإنه عند ذلك ينفذ الطلاق ويقع ويصح. فإن كان عليه ضرر فإنه لا يقع الطلاق درءا للمفسدة. وقد أباح ربنا جل وعلا قول كلمة الكفر دفعا للضرر على الجسد أو على الدين مع طمأنينة القلب، وعذر بذلك إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. فكذلك هاهنا من باب أولى، فمن هدد بقتل أن يطلق زوجته فقال: زوجتي طالق، فعند ذلك هل تطلق الزوجة أم لا؟ الجواب: لا؛ لماذا؟ لأن قلبه لا يريد الطلاق، ولسانه نطق بالطلاق خوفا من القتل. وهكذا خوفا من الضرب إذا تأتيقن الضرب أو غلب على الظن، أو خوفا من نهب المال ونحو ذلك مما يتيقن فيه الضرر أو يغلب على الظن. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، ولعموم الأدلة في ذلك. أما من قال: إنه مكره وليس بمكره، مثل إنسان مثلا قيل له: طلق، وإلا سيكون لك كذا وكذا، وهو لم يعتد من هؤلاء تحقيق شيء من ذلك، وليس عنده معنى من معاني الضرر لا من قريب ولا من بعيد، إنما هو تهديد بالكلام أو نحو ذلك، فمثل هذا لا ينبغي أن لا يطلق. وإن وقع وهو يعلم أنه لا ضرر عليه فإن الطلاق يصح ويقع؛ لأنه لا ضرر عليه، فهو فعله كفعل المختار. وهذا هو الصحيح بالتفصيل في مسألة الاختيار. فإذا قوله رحمه الله تعالى: من مكلف مختار، يفصل بأن معنى المختار على هذا التفصيل الذي سبقت الإشارة إليه.