كتاب الطلاق 4

كتاب الطلاق 4

الدرس في كتاب الطلاق 4، فصل بما يقع به الطلاق ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم الطلاق بلفظ التحريم والرجعة في العدة

يناقش حكم الطلاق بلفظ التحريم ويستدل على عدم وقوع الطلاق به، كما يشرح حق الرجل في مراجعة زوجته في العدة إذا كان الطلاق رجعيًا.

أحكام الطلاق الرجعي وعدة المرأة المطلقة

يتناول أحكام الطلاق الرجعي وعدة المرأة، موضحًا أن المرأة المطلقة طلاقًا رجعيًا تعتد في بيت زوجها ويمكن للزوج مراجعتها بدون عقد جديد.

حكم الرجعة والتحليل بعد الطلاق

يشرح حكم الرجعة بعد الطلاق وحرمة التحليل، موضحًا أن الرجل له الرجعة في الطلاق الرجعي ولا تحل له الزوجة بعد الطلقة الثالثة حتى تنكح زوجًا غيره.

شروط الرجوع للزوجة بعد الطلاق بعقد جديد

يشرح شروط الرجوع للزوجة بعد الطلاق، مشيرًا إلى أن الرجوع إليها بعد الطلاق يلزم بعقد ومهر ونكاح جديدين إذا طلقها بغير حيلة أو تواطؤ.

  • 22 جمادى الآخرة 1429هـ - 26/06/2008مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: «ولا يقع بالتحريم، والرجل أحق بامرأته في عدة طلاقه يراجعها متى شاء إذا كان الطلاق رجعيًا، ولا تحل له بعد الثالث حتى تنكح زوجًا غيره». هذه ثلاثة مسائل، كذلك من مسائل هذا الفصل. قوله: «ولا يقع بالتحريم»، أي لا يقع الطلاق بلفظ التحريم. ولفظ التحريم الذي أشار إليه رحمه الله ليس هو الظهار، فالظهار له حكمه الخاص ولفظه الخاص، كما سيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله. ولكن المراد بالتحريم هو لفظ التحريم بعينه، كأن يقول: «أنت علي حرام»، أو «حرمتك»، أو «تحرمي علي»، أو «لا أحلك لنفسي»، ونحو ذلك من ألفاظ التحريم. وهذا كما أشار رحمه الله تعالى بالشرح، أنه وقع الخلاف فيه: هل يقع طلاقًا أو لا يقع طلاقًا، أو يقع شيئًا آخر على أقوال كثيرة. والصحيح الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة تدل على أن لفظ التحريم لا يقع به الطلاق، لكن يوجب كفارة اليمين. وأشار رحمه الله إلى حديث أنس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطأها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾» الآية. وأشار رحمه الله إلى الخلاف الوارد في معنى ذلك، والصحيح ما أشار إليه رحمه الله: أنه لا يقع الطلاق بلفظ التحريم. وأشار إلى حديث ابن عباس في الصحيحين قال: «إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها». وذكر قول الله عز وجل: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، وهذا مع قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾. ثم ذكر بعده آية كفارة اليمين. استدل به العلماء أن من حرم على نفسه شيئًا أحله الله، فإنه يجب عليه كفارة اليمين. واستدلوا كذلك بهذه الأحاديث التي سمعناها، وهكذا كذلك بقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، فسمى ذلكم التحريم يمينًا، فأوجب لذلك كفارة. وهذا هو الصحيح: أن من حرم على نفسه شيئًا مما أحله الله، فإنه يكفر عن ذلك كفارة يمين؛ لأن نص القرآن والسنة يدل على معنى ذلك، ولا يقع به الطلاق. ولا يعارض ما ذكر في قصة هذه الآية وتفسيرها ما جاء في الصحيح وغيره في حديث عائشة: «أن ذلك في نوع من الطعام»، فإنه يحمل أنها أكثر من قصة، يحمل أنها أكثر من قصة، أنها وقعت في ذات الطعام، ووقعت كذلك في قصة الأمة. ولا مانع من ذلك أن يكون النازل واحد، والذي نزل لأجله -أي السبب- أكثر من واحد، كما نص على ذلك العلماء في كتب أسباب النزول. وقوله رحمه الله تعالى: «والرجل أحق بامرأته في عدة طلاقه يراجعها متى شاء إذا كان الطلاق رجعيًا»، يعني أن عصمة النكاح بيد الرجل، فإذا كانت المرأة ما زالت في عدتها، فيجوز للرجل أن يرجعها شاءت أم أبت؛ لأنها لم تزل زوجة. فيراجعها متى شاء، وهذا حكم من الله سبحانه وتعالى في التأليف بين الزوجين وإبقاء العشرة بينهما. فيجوز للرجل أن يرجع امرأته ولو لم تأذن؛ فإنها زوجة. ومعنى ذلك أن المرأة إذا طلقت وكان الطلاق رجعيًا -والرجع يكون في الطلقة الأولى والثانية- فإذا طلقها وكان الطلاق رجعيًا، يعني يجوز الرجوع فيه، فالرجل يملك أن يراجعها ما دامت في عدتها. وسيأتي الكلام على العدة في موضعه: أن المرأة تعتد إذا لم تكن حاملًا ثلاث حيض، لقوله سبحانه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، والقرء المراد به الحيض بنص القرآن والسنة وتفسير سلف الأمة من الصحابة ومن بعدهم، وهو الصحيح. وهكذا إذا لم تكن كذلك تحيض وليست بحامل، فثلاثة أشهر كما أخبر الله عز وجل في حق التي لا تحيض أو يئست من المحيض. فإن كانت حاملًا فأجل المطلقات أن يضعن حملهن. فهذه عدة المرأة. فإن كانت في عدتها وأراد الرجل أن يراجعها، فيراجعها بدون عقد جديد وبدون شرط إذن المرأة. فإن قيل: إن كانت المرأة لا تريد الرجوع، فكيف الحل؟ الحل أنها تختلع منه؛ لأنها لا تملك ذلك، ولو كان قد طلق؛ لأن العدة لم تنته. فإذا انتهت العدة، لا يجوز له أن يراجع إلا بعقد جديد، وكذلك ما لا بد منه من نكاح هذه المرأة من وليها بشروط النكاح المعلومة المعروفة. وهكذا كذلك كونه يردها ليس في هذا خصاص لحقها، بل في الحقيقة في هذا إصلاح لأمرهما. وإن كانت لا تريده، فتختلع، وهي مثلها كمثل امرأة مزوجة لا تريد زوجها، فهي تختلع منه. وإن كان قد وفق الله عز وجل بينهما، فيرجعها على ما كان منه من طلاق، فتحسب عليه طلقة واحدة. ومما ينبه عليه: أن المرأة إذا طلقت طلاقًا رجعيًا، فإنها تعتد في بيت زوجها حتى تنتهي العدة، فهي أجنبية عن زوجها. انظر: المرأة إذا طلقت، وهذا ما لا يفهمه ويجهله الكثير من الناس. المرأة إذا طلقت طلاقًا رجعيًا -يعني الطلقة الأولى أو الطلقة الثانية- تبقى في بيت زوجها ولو طلقها؛ لأنها ما زالت زوجة، لكنه لا يقربها، تبقى معه في البيت ولا يقربها. فإذا قربها، فإن ذلك يعد مراجعة، فمراجعة الرجعية يكون بالقول والفعل: بالقول بأن يقول: «راجعتك»، وبالفعل أن يستحل منها ما يستحل من الزوجة. فإذا استحل منها ما يستحل من الزوجة، فهي مراجعة فعلية منه شاء أم أبى. لأن المرأة قد تقول: كيف أعرف أن زوجي هذا راجعني أو لم يراجعني؟ الجواب: إذا طلق، بمجرد أن يباشر، فإن هذه المباشرة تعتبر مراجعة ولو لم يراجع. فإذا لم يراجع، بقيت على ما هي عليه، لم يقربها وهي في البيت. وهل تحتجب منه؟ الجواب: لا؛ لأنها ما زالت زوجة، غير أنه لا يقربها؛ لأنه يخل بها أصلا، فهي زوجة، ولكن بتطليقه لها منع نفسه من المباشرة. فإذا انتهت العدة، فعند ذلك تكون أجنبية، تحتجب منه وتخرج من البيت -يعني ممكن تخرج قبل انتهاء العدة بيوم أو يومين تخرج من البيت- فيكون في ذلك إمهال له ولها في إصلاح ذات بينهما. فإن أصلح الله عز وجل بينهما فاجتمع، فذاك المطلوب، وإن لم يكن، فكما قال الله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. وفي هذا حكم وفوائد كثيرة في جمع الأسر ولم الشمل، ما لا يخفى على كل لبيب. ولله عز وجل الحكمة البالغة في شرعه ودينه. فإن انتهت العدة، فعند ذلك ما سبق، تكون أجنبية، ولا يراجعها إلا بعقد جديد ومهر جديد، إلى آخر ما يلحق بذلك من أمر نكاح المرأة الأجنبية. ثم ينبغي أن نعلم أن هذا الطلاق الرجعي الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى يكون طلاقًا رجعيًا في طلاق السنة وطلاق البدعة على ما سبق؛ لأن طلاق البدعة الذي هو طلاق في حال الحيض الذي جامع فيه، أو حال كونها حائضًا، اختلف أهل العلم: هل يقع طلاقه أو لا يقع؟ وكما مر معنا: أن الأحاديث دلت على أنه يقع، أو صحة الرواية أنه يقع. على أن بعض أهل العلم ذكروا كما سبق: أن عمومات الأدلة تدل على أنه لا ينبغي لمثله أن يقع. وقلنا: أن هذا من جهة التعليل، ومن جهة عمومات الأدلة له معنى معقول صحيح، لكنه لا ينبغي أن يكون مثله يرد النص الصحيح الوارد في الرواية الصحيحة، إلا إن علمنا ووقفنا على أن تلك الرواية شاذة أو ضعيفة، فعند ذلك نرجع إلى ما ذهب إليه من ذهب. وقد علمنا أن شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم انتصر كل منهما لهذا القول، وهو عدم وقوع الطلاق البدعي. فالحاصل على ما سبق وتقرر: يكون هذا الحكم يعم الطلاق البدعي والطلاق السني، الرجعة تكون في الطلاق البدعي والطلاق السني. وقوله رحمه الله تعالى: «ولا تحل له بعد الثالثة حتى تنكح زوجًا غيره»، ذلك كما قال الله عز وجل في كتابه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، أي في المرة الثالثة؛ لأنه قال في أول الآية: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ثم قال بعده: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾، فدل أن الطلاق الرجعي يكون في الأول والثانية، وبعد الثانية -وهي الثالثة- لا يكون رجعيًا، بل تكون بينونة كبرى كما ذكر العلماء. وعند ذلك لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وبه يُعلم أنها تكون أجنبية عنه بطلاقه لها. وفي الصحيحين كما مر معنا في الحديث المتقدم: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتك»، يدل على أن المرأة لا يجوز لها أن ترجع لزوجها الأول ولو رغبت في ذلك، حتى تنكح زوجًا آخر، ليس بعقد نكاح فحسب، ولكن بعقد نكاح يحصل فيه جماع، عقد نكاح يحصل فيه جماع، وهو الصحيح. لا يكفي أن تحصل الخلوة حتى يحصل الجماع، حتى يحصل الجماع؛ وذلك لما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الحديث الذي سبق معنا الكلام عليه. وهكذا كذلك ننبه إلى ما سبق التنبيه عليه: أنه لا يجوز في مثل هذا المقام التحليل. فإن التحليل في الحقيقة من الحيل المحرمة التي تساهل فيها بعض الفقهاء، ومنهم من ينتسب إلى المذهب الشافعي، والشافعي رحمه الله بريء من ذلك، ومن هذه الحيل المحرمة. فإن الحيل على ما حرم الله من صنيع اليهود، ليس من صنيع أهل الإسلام. وقد غضب الله عز وجل ولعن هؤلاء لأجل حيلهم وتلاعبهم وتغييرهم وتبديلهم لأحكام شريعة الله. فلا يجوز لمسلم بعد إذ علم ما أمر الله عز وجل به في هذه المسألة أن يتحايل عليها، لا لأنها ذات عيال، ولا لأنها كذلك امرأة ضعيفة، أو أن الرجل راغب في امرأته أو غير ذلك. الله عز وجل أحكم وأعدل وأرحم منك يا أخي، فلا يجوز لأحد أن يتساهل في عدد الطلاق مثل ما يفعل بعض هؤلاء الذين يعقدون للناس، ربما يأتي فيقول: «أنا طلقت الثالثة، ولكني صاحب عيال»، مثل ما جاءني بعض الناس قال: فقال لي القاضي: «موجود صاحب عيال، لا بأس، نسامحك في هذه المرة». سبحان الله! هل التشريع من عندك حتى تسامح ولا تسامح؟ لا يجوز هذا. هذا الفعل يعد من الكبائر العظيمة، بل قد يوقع والعياذ بالله في الكفر؛ لأن هذا من التشريع، والله يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. الله عز وجل شرع أن يكون الطلاق ثلاث مرات، وأنت تأتي فتجعل أربع وخمس وست وعشر، بحجة أنها صاحبة أولاد وعيال، وأنها ضعيفة. الله عز وجل أعدل وأرحم وأرفق وأحكم بعباده منك، فلا يجوز لك أن تفعل ذلك. وهكذا ما يصنعه بعض الناس من استخدام التيس المستعار، يقولون: «نحلله لزوجها»، يأتون بأحد يتزوجها ثم يطلقها، وترجع للزوج الأول، وهذا لا يجوز كذلك؛ فهو لا يزيد الحرام إلا حرمة. وسماه العلماء -كشيخ الإسلام وتلميذ ابن القيم- بأنه سفاح وليس بنكاح. ففعل هذا التيس المستعار زنا بنص الشرع؛ لأنه ليس بنكاح صحيح، بل سماه النبي صلى الله عليه وسلم تيسًا كناية عن الزنا والفاحشة، تيسًا مستعارًا. ولهذا نص المحققون من أهل العلم: أن هذا الفعل ليس بنكاح، بل هو سفاح وزنا، ولا يحل للزوج الأول. فكان الحرام مرتين: المرة الأولى في فعل الفاحشة، والمرة الثانية: أنها رُدت إلى زوج لا يجوز لها الرجوع إليه. وزد على ذلك ما فيه من التحايل والحيلة، لا تزيد الحرام إلا حرمة، ولا تزيد العاصي إلا غضبًا من الله سبحانه وتعالى. بل الواجب الرضا بقضاء الله وقدره، وأن يصبر ويحتسب إذا كان الرجل يصبر ويحتسب إذا ماتت الزوجة، والمرأة تصبر وتحتسب إذا مات الزوج، فهذا هو دون ذلك. وإذا تصبر على ما يقدره الله عز وجل لها، وما يقدر الله له. فإن كان هناك نصيب، فتزوجت وتطلقت بغير حيلة ولا تواطؤ، فيجوز له بعد ذلك أن يرجع إلى امرأته، وأن ترجع إلى زوجها بعقد جديد ومهر جديد ونكاح جديد. طيب، نكتفي بهذا وإلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه وسلم.