كتاب الطهارة 37

كتاب الطهارة 37

الدرس في كتاب الطهارة 37، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم الوضوء لكل صلاة أثناء الحيض

درس يشرح حكم الوضوء لكل صلاة أثناء الحيض، ويبين ضعف الأحاديث التي أمرت به. الأحاديث لم تصح، وفعل أم حبيبة كان من ذات نفسها.

أحكام الوضوء لصاحب سلس البول والمستحاضة

لا يجب الوضوء لكل صلاة لصاحب سلس البول والمستحاضة إلا عند وجود ناقض للوضوء غير السلس أو الدم المستمر. هذا لتسهيل أداء الصلاة.

أحكام الحائض في العبادات والجماع

الحائض لا تصلي ولا تصوم ولا تواقع زوجها حتى تغتسل. تقضي الصيام فقط. يجوز لها فعل كل شيء إلا الجماع، وتتوضأ لكل صلاة إذا كانت مستحاضة.

خاتمة الدرس والثناء على الله

المقطع الأخير يشير إلى نهاية الدرس مع توجيه الشكر لله رب العالمين. يعبر عن الامتنان والثناء لله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ذكر بعض أحكام باب الحيض، قال رحمه الله تعالى -أي الشوكاني- في متنه «الدرر»: "وتتوضأ لكل صلاة، وتغسل أثر الدم". وأما غسل أثر الدم، فلما جاء في حديث أم حبيبة، وفي حديث عائشة قصة أم حبيبة، وهكذا كذلك في قصة أسماء بنت أبي حبيش، وغيرها من الأحاديث التي جاءت في هذا الباب، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن تغسل عنه أثر الدم. وتغسل لأجل ما سبق -يعني- من حَيْض، إذا كان هناك حَيْض. وأما الغسل لكل صلاة، فقد مر معنا أن الصحيح أن الأحاديث التي وردت أحاديث معلّة. قال رحمه الله: "وتتوضأوا لكل صلاة". كذلك الوضوء لكل صلاة، الصحيح أن الأحاديث الواردة كذلك ضعيفة لم تصح. إنما صح من فعل السائلة لا من قول النبي عليه الصلاة والسلام، فإن أم حبيبة كانت تتوضأ لكل صلاة، النبي عليه الصلاة والسلام لم يأمرها، هي فعلت ذلك من ذات نفسها. وأما من كلام النبي عليه الصلاة والسلام لم يصح. وقد بيّن الحفاظ أن هذه اللفظة وإن كانت قد رويت من قول النبي عليه الصلاة والسلام، لكنها لم تصح، وأن هذا الحديث بهذه اللفظة معلّ. وقد أشار إلى ذلك البيهقي والإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، فقال البيهقي رحمه الله تعالى: "أن الصحيح في قولها: وتوضأت لكل صلاة، من قول عروة، وليس هو من قول النبي عليه الصلاة والسلام". وهذا كذلك أشار الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه إلى أن حماد بن زيد تفرد بلفظة "وتوضئي"، ولفظة "وتوضئي" زاد حماد بن زيد، وكل الرواة الآخرون لم يذكروا هذه اللفظة. فقال الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، بعد أن ذكر الحديث، قال: "وفي حديث حماد بن زيد حرفًا تركنا ذكره". وهذا إشارة منه إلى إعلال هذه اللفظة التي ذكرت في حديث حماد بن زيد. وقال النسائي رحمه الله تعالى، بعد أن ذكر هذا الحديث، قال بعده: "قال وروى هذا الحديث غير واحد عن هشام بن عروة، ولم يذكر فيه وتوضئي غير حماد، ولم يذكر وتوضئي غير حماد -يعني حماد بن زيد- خالف جماعة من الحفاظ، فيكون قولهم أرجح من قوله". رحمه الله وهكذا كما سبق كلام البيهقي، ونحوه كلام عدد من الأئمة. وعليه يدل صنيع الإمام البخاري رحمه الله، فإنه تحاشى وتجنب هذه اللفظة، فدل ذلك على أن الصحيح كذلك أنها لا تؤمر بالوضوء لكل صلاة. هذا من جهة الرواية، وهو كذلك من جهة عموم الأدلة صحيح. لماذا؟ لأن الوضوء إنما جاء لأجل موجب، ولا موجب للوضوء لها في هذا الموضع. وقد مر معنا أن للوضوء موجبات، فلا يمكن أن نثبت هذا الحكم الشرعي إلا بدليل، ولا وجود لهذا الدليل. وعلى هذا فقول الجمهور: بأن صاحب سلس البول يقاس على المستحاضة -يقاس على المستحاضة بأن يتوضأ لكل صلاة- ليس بصحيح. فصاحب سلس البول -أي سلس المستمر- إنما يتوضأ إذا وجد عنده ناقض من نواقض الوضوء من غير السلس، لأن ما عفي عنه في قليله يرفع عنه بكثيره، لا فرق. لا فرق في ذلك. هو إذا توضأ سيدخل إلى الصلاة سينزل أو لا ينزل؟ الجواب: سينزل. إذن لو قلنا أنه ينتقض الوضوء ويحتاج إلى الوضوء يرجع ويخرج مرة ثانية ويتوضأ، فإذا صار هذا لا ينقض وضوءه فصارت له رخصة ورفعًا للمشقة، فهي تستمر كذلك رخصة ورفعًا للمشقة. فإذا جاء وقت الصلاة الأخرى فإنه لا يؤمر بالوضوء حتى يفعل منه ناقض للوضوء الآخر. فمثلًا إن دخل الحمام وتبول هنا، تبول بإرادته، فهنا يحتاج إلى استنجاء ووضوء. وأما ما كان ينزل منه بغير إرادته فهو على الرخصة التي سبقت: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ وهذا مما لا طاقة لهذا الإنسان به. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ وهذا هو حال المستحاضة كذلك، المستحاضة على هذا الوصف كذلك. فكيف ينبغي أن يخفف عنها ذلك؟ أن المستحاضة في الغالب تكون ضعيفة بكثرة نزول الدم منها، فكيف تؤمر بالاغتسال لكل صلاة أو بالوضوء لكل صلاة؟ ولو كانت في بلاد باردة كان هذا أشد عليها، فيكون بذلك الفتنة لها، وكذلك الإضرار، لأن بعض الضعيفات في الدين ربما لا تفعل، تترك الصلاة إذا صارت تؤمر بمثل هذا الغسل في كل صلاة أو الوضوء في كل صلاة، مع شدة البرد ربما تترك الصلاة. وهذا هو الواقع أن الكثير من النساء الضعيفات حين يسمعن مثل هذه الأحكام يصل بهن الأمر إلى ترك الصلاة، لأنها ترى مشقة، ترى مشقة. فقد تركت بعض النساء الصلاة من أجل بول الأطفال، ما لقى فلانة لا تصلي، قالت: الأطفال يقولون: "فوقي" ويحتاج دائمًا نغتسل. والتي هي أحسن حالًا من تلك تجمع الصلاتين مع بعض، تصلي مغرب وعشاء مع بعض، وظهر وعصر بغير عذر، وهذا لا يجوز لا شك. فلأجل هذا ما دام أنه لم يثبت حديث صحيح صريح في هذا الباب، فلا نأمر الناس بما يشق عليهم ولم يأمرهم الله به ولا رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذا كان كذلك، فما رويت من آثار وكذلك من أقوال عن بعض الأئمة، فهي محمولة على صحة هذا الذي روي، والصحيح أنه لم يصح، الصحيح أنه لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. فلا نلزم أحدًا إلا بما دل عليه الدليل. قال رحمه الله تعالى: "وتتوضأ لكل صلاة". والحائض الآن انتهى من حكم المستحاضة، أنها كالطاهر تفعل كل شيء كالطاهر من جماع، وصلاة، وكل شيء، وصيام. وأما الغسل، تغتسل بعد إذا اتضح لها قلنا: إذا اختلط عليها الحيض بالاستحاضة، فإنها تقعد الأيام التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل غسلًا لأجل الحيض، وما بعد ذلك فتتحفظ منه ولا تبالي بما خرج، لا تبالي بما خرج، لا يضرها لا في وضوء ولا في غسل ولا في شيء. وأما الحائض، قال: "والحائض لا تصلي ولا تصوم ولا تواقع حتى تغتسل من طهرها وتقضي الصيام". فلا تصلي ولا تصوم للأدلة الكثيرة في هذا الباب، ومنه حديث عائشة الذي سبق: "ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟" فقالت: "حرورية أنت؟ كنا نؤمر بذلك على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم" -يعني- في قضاء الصوم دون قضاء الصلاة. وفيه أن الحائض تترك الصلاة وتترك الصوم. وحديث أبي سعيد: "أليس إذا رأت الدم لم تصلي؟" فدل كذلك على هذا المعنى. والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وأما ولا تواقع، كذلك لقول الله عز وجل في هذا المعنى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ فأمر بالاعتزال. وقال النبي عليه الصلاة والسلام كذلك في هذا المعنى: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح". فأجاز كل شيء عليه الصلاة والسلام إلا النكاح. وكانت عائشة تقول: "كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمرني فأعتزل، فيباشرني وأنا حائض" -يعني- لا يفعل الجماع. قال كذلك: "وتقضي الصيام" -وتقضي الصيام- يعني أنها تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة، للحديث المتقدم حديث عائشة، فإن ذلك مما كان يؤمر به النساء في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. هذه هي خلاصة أحكام الحائض وأحكام النفساء، وسيأتي إن شاء الله في الدرس اللاحق التنبيه على تتمات، وندخل إن شاء الله في الكلام على أحكام النفساء. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.