الدرس في شرح مختصر السيرة 5، الدرس الخامس : وفيه :( أما البيت المحرم فإن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لما بنياه ... كل حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
بدأت ولاية البيت الحرام بمكة بإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ثم انتقلت عبر عدة قبائل حتى آلت إلى قصي بن كلاب. كانت هناك عادات وتقاليد جاهلية متبعة في الحج.
قصي بن كلاب تصدى لخزاعة وبني بكر وأسس نظامًا جديدًا في مكة يشمل عدة مناصب، وقسم مكة بين قومه. هذا النظام شمل الحجابة والسقاية وغيرها من المناصب الهامة.
حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول أحلاف الجاهلية يبين أن الإسلام يقر الصلح القائم بين القبائل بالتراضي، ولا يلغي الأحلاف السابقة إلا إذا تعارضت مع نصوص الكتاب والسنة.
تم اختتام الدرس بسبب انتهاء الوقت المحدد، وتقرر تأجيل الفصل الحالي إلى الدرس التالي. تم الحمد والشكر لله على إتمام الدرس.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، رحمه الله تعالى، في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم». قال: أما البيت المحرم، فإن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لما بنياه صارت ولايته في إسماعيل وذريته، ثم غلبهم عليه غيرهم. وكما مر معنا أن إسماعيل عليه الصلاة والسلام لما نزل بوادي مكة وكبر، تزوج من القبيلة التي نزلت عند الماء، وهم جرهم. وهذا شيء مستفاد عند العرب، نقله أهل التاريخ والسير، وأقر معناه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أحاديث. قال: ولم ينازعهم بنو إسماعيل لقرابتهم وإعظامهم للحرمة، يعني في أمر ولاية البيت. قال: ألا يكون بها قتال، يعني ألا يكون في مكة قتال من أجل الولاية، فتركوا ذلك لجرهم، وهم أخوالهم. قال: ثم إن جرهم بغوا في مكة وظلموا من دخلها. قال: فتفرق أمرهم. فلما رأى بنو بكر بن عبد مناف بن كنانة وغبشان بن خزاعة ذلك، أجمعوا على جرهم فاقتلوهم، فغلبهم بنو بكر وغبشان ونفوهما من مكة. وكانت مكة في الجاهلية لا يغر فيها ظالم، ولا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا هلك. وهذا مذكور في كتب السير والتاريخ، والله أعلم بصحته. ما وقفت على إسناد صريح عليه. وقفت على شيء هذا راجع في شيء من كتب السير، أما من سحاق وغيره. قال: ثم إن غبشان من خزاعة وليت البيت دون بني بكر وقريش، إذ ذاك حلول وصرم وبيوتات متفرقة. ومعنى ذلك أنهم عبارة عن بيوت قليلة متفرقة. والصروم هو منازل الرعاة، وهو مشهور إلى يومنا هذا. قال: وبيوتات متفرقون في قومه من بني كنانة. فوليت خزاعة البيت يتوارثون ذلك حتى كان آخرهم حليلا بن حبيشة، فتزوج قصي بن كلاب ابنته. فلما عظم شرف قصي وكثر بنوه وماله، هلك حليلا. فرأى قصي أنه أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة وبني بكر، وأن قريشا رؤوس آل إسماعيل. فكلم رجال من قريش وكنانة في إخراج خزاعة وبني بكر من مكة، فأجابوه. وكان الغوث بن مرة بن إل بن طابخ بن إلياس بن مضر يلي الإجازة للناس بالحج من عرفة، وولده من بعده، لأن أمه كانت جرهمية لا تلد، فنذرت لله إن ولدت رجلا أن تتصدق به على الكعبة يخدمها، فولدت الغوث. وكان يقوم على الكعبة مع إخوانه من جرهم، فولي الإجازة بالناس لمكانه من الكعبة. وكان إذا رفع يقول: «اللهم إني ثابع تباعة، إن كان إذما فعلا قباعة». قال: وكانت صوفة تزبع بالناس من عرفة وتجيزهم إذا نفروا من منى. فإذا كان يوم النفر، أتوا رمي الجمار، ورجل من صوفة يرمي لهم، لا يرمون حتى يرمي لهم. وكان المتعجلون يأتونه يقولون: ارم حتى نرمي، فيقولون: لا والله حتى تميل الشمس. فإذا مالت الشمس رمى ورمى الناس معه. فإذا فرغوا من الرمي وأرادوا النفر من منى، أخذت صوفة في الجانبين، فلم يجز أحد حتى يمروا، ثم يفتحوا سبيل الناس. فلما انقرضوا، ورثهم بنو سعد بن زيد مناة من بني تميم. وكانت الإفاضة من مزدلفة في عدوان يتوارثونها حتى كان آخرهم كرب بن صفوان بن جناب الذي قام عليه الإسلام. فلما كان ذلك العام، فعلت صوفة ما كانت تفعل، قد عرفت العرب ذلك لهم، هو دين لهم من عهد جرهم وولاية خزاعة. فأتاهم قصي بمن معه من قريش وكنانة عند العقبة، فقال: نحن أولى بهذا منكم. فقاتلوه، فاقتتل الناس قتالا شديدا، ثم انهزمت صوفة وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم. وهؤلاء كلهم قبائل. قالوا: انحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصي، وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة، ويحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة. فلما انحازوا، بادأهم قصي أجمع لحربهم، فالتقوا وقاتلوا قتالا شديدا، ثم تداعوا إلى الصلح، فحكموا يعمر بن عوف أحد بني بكر. فقضى بينهم بأن قصيا أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة، وكل دم أصابه قصي منهم موضوع، شدقه تحت قدميه. وما أصابت خزاعة وبنو بكر ففيه الدية، وأن يخلي بين قصي وبين الكعبة. فسمي يومئذ يعمر الشداخ. ووجه هذه التسمية كما هو ظاهر، أي موضوع شدقه تحت قدميه، أي قوله: موضوع شدقه تحت قدميه، أي أهدر هذا الدم. قال: فوليها قصي، وجمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملك عليهم وملكوه، لأنه أقر للعرق ما كانوا عليه، لأنه يراه دينا لا يغير. فأقر النسأة وآل صفوان وعدوان ومرة بن عوف على ما كانوا عليه حتى جاء الإسلام، فهدم ذلك كله. فكان قصي أول بن كعب بن لؤي أصاب ملكا أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء. وقطع مكة رباعا بين قومه، يعني أربعة أجزاء، فأنزل كل قوم منهم منازلهم. وقيل: إنهم هابوا قطع الشجر عن منازلهم، فقطعها بيده وأعوانه، فسمته قريش مجمعا، يعني جمع الله عز وجل به قبائلها. قال: لما جمع من أمرهم وتيمنت بأمره، فلا تنكح مرات منهم، ولا يتزوج رجل، ولا يتشاورون فيما نزل بهم، ولا يعقدون لواء إلا في داره، يعقدون له بعض ولده. فكان أمره بحياته وبعد موته عندهم كالدين المتبع. واتخذ لنفسه دار ندوة، وهي الدار التي وقع فيها ما وقع. قال: فلما كبر قصي ورق عظمه، وكان عبد الدار، وكان عبد الدار بكرة، وكان عبد مناف شرف في زمان أبيه. وعبد العزى وعبد الدار. وقال قصي لعبد الدار: لألزم أنك بالقوم، وإن شرفوا عليه، لا يقول أحد منهم: الكعبة، حتى تكون أنت تفتحها، ولا يعقدوا لقريش اللواء لحرب إلا أنت، ولا يتولى رجل بمثلها إلا من سقايته، ولا يكون أحد من أهل الموسم طعاما إلا من طعامه، ولا تتوط قريش أمرا من أمورها إلا في داره. قال: فأعطاه دار الندوة والحجابة واللواء. كانت الحجابة على البيت، واللواء الحرب، والسقاية من زمزم، والرفادة كذلك للحجيج. قال: وهي خرج تخرجه قريش في الموسم من أموالها إلى قصي، يعني هذه الرفادة في موسم الحج. قال: فيصنع به طعاما للحاج، يأكله من لم يكن له سعة ولا زاد، لأن قصيا فرضه على قريش. فقال لهم: إنكم جيران الله أهل بيته، وإن الحاج ضيف الله، وهم أحقوا الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم. ففعلوا، يعني للمحتاج. قال: وكان قصي لا يخالف ولا يرد عليه شيء يسمعه. فلما هلك أقام بنوه أمره، لا نزاع بينهم. ثم إن بني عبد مناف أرادوا أخذ ما بيد عبد الدار، ورأوا أنهم أولى بذلك. فتفرقت قريش، بعضهم معهم وبعضهم مع عبد الدار. فكان صاحب أمر عبد شمس بن عبد مناف لأنه أسنهم، وصاحب أمر بني عبد الدار عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. فعقد كل قوم حلفا مؤكدا. فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا، فغمسوا أيديهم فيه ومسحوا بها الكعبة، فسموا بالمطيبين. وتعاقدوا. وبنو عبد الدار وحلفاؤهم فسموا بالأحلاف. ثم تداعوا إلى الصلح على أن لبني عبد مناف السقاية والرفادة، وأن الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار. فرضوا وثبت كل قوم مع من حالف حتى جاء الله بالإسلام. فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كل حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة». وهذا الحديث أعلم أن الشيخ الألباني يحسنه. أحد راجعه راجعته، طيب بهذا المعنى، وهو كذلك خارج الصحيح بهذا المعنى. يقول أخونا سالم: أصبحوا في صحيح مسلم بمعنى هذا. الله يقول: حلف الفضول. وأما حلف الفضول، فاجتمعوا له بدار عبد الله بن جدعان، شرفه وسنه، وهم بنو هاشم وبنو المطلب وأسد بن العزى وزهرة بن كلاب وتيم بن مرة. وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام مثل هذا، ليس معناه إقرار بما هم عليه، ليس إقرار بما هم عليه من هذا التفرق والتباغي، ولكن إقرار بأن يبقى الأمر على ما هو عليه من الصلح، ولا يكون به خصومة، أي لا يظن ظان أن الإسلام إذا جاء جاء ليعيد أشياء ماضية. يعني لم يأت الإسلام ليعيد أشياء ماضية، فيكون بذلك تفرق الناس وتخاصمهم وتقاتلهم في إعادة أشياء ماضية. لكن إذا شيء قد تم على صلح معين، فإن الإسلام يأتي ويقر ذلكم الصلح، لأن الصلح في الحقيقة هو تنازل عن بعض الحقوق. فما دام قد حصل التنازل، فإذا لا حاجة بعد ذلك أن يعاد أمر النعرات الجاهلية، ويكون بذلك تعالي البعض على البعض الآخر. وهكذا ليس في هذه جملة دليل على إقرار الحزبيات. وقد استدل به بعض المتحزبين استدل بهذا الحديث على أنه يجوز أن يكون في الإسلام أحزاب وأحلاف، وهذا ليس بصحيح. وكما مر معنا من كلام الإمام أحمد رحمه الله، وبمعناه عن عدد من أهل العلم: أن أكثر من يضل يضل بالاستدلال بالمجمل والقياس. وهؤلاء استدلوا بالمجمل، هذا نص مجمل استدلوا به على قضية ورد بها نص صريح، بل نصوص صريحة بتحريمها، وهي الحزبية. فالحزبية بالإسلام محرمة، دلت أدلة الكتاب والسنة على تحريمها. فكيف نعارض هذه الأدلة الخاصة الكثيرة بمثل هذا الدليل المجمل العام؟ وهذا الدليل المجمل العام له تفسير، وتفسيره أن الشيء إذا وجد على هذا الوضع من صلح بين قبائل، ولو كان في هذا الصلح تنازل بعض هذه القبائل أو هذه الجهات عن بعض حقوقها، فإنهم يقررون على ذلك. لأن هذا ما حصل إلا بماذا؟ إلا برضا وإقرارهم على ذلك، طمعا في استمرار الخير ودرء المفاسد. درء المفاسد أولى من جلب المصالح. ومثله نقول: اليوم ظالم ومظلوم، وكانوا جماعات أحدهم ظالم وآخر مظلوم، حصل بينهما صلح حتى تنازل المظلوم عن بعض حقه، وترك الظالم بعض مغتصبه. لا شك أن هذا الصلح فيه إجحاف، وفيه كذلك أخذ لبعض حق المظلوم. لكن ما دام قد تم الصلح وانتهت الأمور والفتن والقتال والخصومة، فلا يأتي إنسان ويعيب ويقول: لا، أنا أرى أنكم مظلومون، لابد أن تأخذوا حقكم. إذن كيف نأخذ حقنا؟ ما في إلا هذا تريدون الحق؟ أنتم مظلومون، وحقكم لابد أن تأخذوه. إذن معناه هذا الرجل أصلح فسد، أفسد، لأنهم قد اصطلحوا وانتهت الخصومة، وأراد هذا الرجل بزعمه أن يشق الحق. وكان في ذلك إعادة القتال وإعادة الخصومة والتفرق. وهذا لا يرضى به الإسلام، ولا يقره الإسلام. بل الإسلام يقر السلامة والعافية، ولو كان في السلامة والعافية التنازل عن بعض الحق، ولو كان في السلامة والعافية التنازل عن بعض الحق، ولكن بماذا؟ بالرضا. قال رحمه الله: طيب، هذا الفصل نتركه إن شاء الله بالدرس اللاحق لأنه طويل، والوقت قارب على الانتهاء، فننتهي إلى هنا والحمد لله رب العالمين. شكرا للمشاهدة.