كتاب الجهاد 19

كتاب الجهاد 19

الدرس في كتاب الجهاد 19، الدرس التاسع عشر:(الحديث السادس عشر بعد الأربعمائة:عن أبي موسى عبدالله بن قيس رضي عنه ... 3-تحريم إخافة المسلمين بالسلاح وغيره ولو على وجه المزاح). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث 'من حمل علينا السلاح'

يشرح الحديث النبوي ويبين أن حمل السلاح على المسلمين خروج عن سبيلهم ويستوجب القتال والتأديب. يُفصّل حكم قتال الباغي استنادًا إلى الكتاب والسنة.

تحريم الخروج وإخافة المسلمين

يُحرم الخروج على الحكام المسلمين ولو وقع منهم منكر، كما يُحرم إخافة المسلمين بالسلاح أو غيره. يجب طاعة أولي الأمر والصبر عليهم.

حكم إدخال السلاح للمسجد

لا يجوز إدخال السلاح للمسجد على وجه يسبب ضررًا. يجب تأمين السلاح ووضعه في غمده. يجوز حمله إذا لم يضر أحدًا وكان فيه عزة لقوة المسلمين.

خاتمة الدرس

يشير إلى أن الله تعالى أعلم بكل شيء، مما يوحي بأن الحكم النهائي يعود إليه تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: الحديث السادس عشر بعد الأربعمائة. قال عن أبي موسى عبد الله بن قيس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حمل علينا السلاح فليس منا». أورد رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لأحاديث مسائل الجهاد. وأقرب الألفاظ لي لفظ الإمام البخاري رحمه الله، فقال: حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، فذكر الحديث بلفظه في نفس الباب: «باب من حمل علينا السلاح فليس منا». وأخرجه مسلم مثله. وجاء في الصحيحين كذلك مثله من حديث عبد الله بن عمر: «من حمل علينا السلاح فليس منا». وفي صحيح مسلم من أفراده، عن أبي هريرة رضي الله عنه: «من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا» مرفوعًا عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي: يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين إخوة، يتألم بعضهم لألم بعضهم الآخر، ويفرح لفرحه، وأن كلمتهم واحدة، فهم يد على من عاداهم، فيلزمهم الاجتماع والطاعة لإمامهم، ويعانته على من بغى وخرج عليه؛ لأن هذا الخارج شق عصا المسلمين، وحمل عليهم السلاح، وأخافهم، فيجب قتاله حتى يرجع ويفيء إلى أمر الله تعالى. لأن الخارج عليهم والباغي عليهم ليس في قلبه لهم الرحمة الإنسانية ولا المحبة الإسلامية، فهو خارج عن سبيلهم، فليس منهم، فيجب قتاله وتأديبه. فمعنى «ليس منا» أي ليس منا معشر أهل الإيمان الذين استلزم الإيمان تحاب بعضهم مع بعض، وتناصر بعضهم مع بعض، ودفع الأذى من بعضهم عن بعض. فكونه رفع السلاح، فهو ليس من أهل الإيمان الذين مثلهم كمثل الجسد الواحد. فبحمله السلاح على المسلمين صار باغيًا عليهم. والكتاب والسنة تدل على أن الباغي إذا لم يندفع بغيه إلا بالقتال فإنه يقاتل، كما قال الله عز وجل في اقتتال الطائفتين من المسلمين: ﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾، مع أنه قال في أول الآية: ﴿فأصلحوا بينهما﴾. فالمطلوب هو الإصلاح بدون قتال إن أمكن، فإن لم يمكن دفع هذا البغي إلا بالقتال فإنه يقاتل. فحامل السلاح على المسلمين بهذا المعنى ليس من المسلمين. وليس معناه أنه كافر أو أنه مرتد، فهذا المفهوم مفهوم خاطئ، إلا إن استحل. وقال العلماء: من استحل كفر، ولو لم يرفع السلاح. من استحل وقع في الكفر والردة، ولو لم يرفع السلاح. فدل على أن المعنى ليس على معنى الاستحلال، بل المعنى أنه ليس منا فيما تقتضيه علاقة أهل الإيمان والإسلام بعضهم مع بعض. قال الشارح رحمه الله: ما يستفاد من الحديث: أولًا: تحريم الخروج على الأئمة وهم الحكام، ولو حصل منهم بعض المنكر ما لم يصل إلى الكفر؛ فإنما يترتب على الخروج عليهم من إزهاق الأرواح، وقتل الأبرياء، وإخافة المسلمين، وذهاب الأمن، واختلال النظام أعظم من مفسدة بقائهم، وهذا ظاهر، وأدلة الكتاب والسنة تدل على هذا المعنى. فيجب طاعة أولي الأمر والصبر عليهم ما داموا مؤمنين مسلمين، ما لم يروا كفرًا بواحًا عندهم فيه من الله برهان. فإذا كان الأمر كذلك، فإن وقع منهم ظلم أو فسق، فالواجب الصبر، ولا يعالج بمنكر يؤدي إلى منكر أعظم منه. لا يعالج المنكر بمنكر هو يؤدي إلى ما هو أنكر من هذا المنكر الذي يراد إزالته. وهذا هو الواقع، وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ما خرجت الطائفة على الأئمة إلا وكان الشر المترتب على خروجها أعظم من الشر المراد إزالته» أو كما قال رحمه الله. قال: ثانيًا: إذا كان محرمًا في حق من يحدث منهم بعض المنكرات، فكيف بحال المستقيمين العادلين؟ وهذا من جهة الاستدلال بعموم النص والقياس الأولوي. فإذا كان لا يجوز الخروج على الحاكم ولو ظهر منه فسق ما دام مسلمًا، فكيف بالبريء والاعتداء عليه؟ فإنه أشد. قال: ثالثًا: تحريم إخافة المسلمين بالسلاح وغيره، ولو على وجه المزح؛ لأن النهي عن حمل السلاح، فكيف بالمقاتلة به؟ وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل إذا رفع السلاح على أخيه لم تزل الملائكة تلعنه حتى يضعه. فلا يجوز ترويع المسلم. ولأن الشيطان قد يكون سببًا لغضب أو لغيره أو لفَلتة أو خطأ يحصل به شر، فلهذا لا يجوز الإشارة بالسلاح، بل لا يجوز حمل السلاح على وجه خاطئ. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إدخال السلاح إلى المسجد يجرح به أحدًا من المصلين. و «صح عنه عليه الصلاة والسلام أن من دخل بسهامه فليمسك بنصولها» يعني: لا يجرح بها أحدًا من المصلين. فلا يجوز إدخال السلاح على وجه يكون به مظنة الخطأ وجرح المسلمين بين المسلمين، وفي المسجد خاصة. ففي المسجد ومصل العيد وأماكن اجتماع الناس إذا احتاج الإنسان لإدخال السلاح يدخله على وجه يكون فيه معنى الأمان وعدم الإضرار بالآخرين. فإن كان مثلًا شيئًا حادًا جعله في غمد السيف - في غمده - يعني: في الكيس الذي يحفظه، والسهام في موضعها الذي تحفظ به، وهكذا كذلك كل شيء بما يحفظه. ونص العلماء على أنه يلحق به كل ما كان بمعناه، ولو هذه الأسلحة الحديثة. فإذا احتاج المسلم أن يدخلها إلى المسجد فيدخلها مع تأمينها وعدم مظنة إضرارها. وهكذا كذلك من باب أولى كل ما كان أشد منه ضررًا، فإنه لا يجوز أذية المسلمين فيه. وأعظم من هذا أن يرفع السلاح على وجه المقاتلة، لا في غضب ولا على فرد ولا على جماعة. ولهذا ذكر المؤلف رحمه الله هذا الحديث في هذا الباب لتناوله المسائل التي أشار إليها؛ لأنه يلحق بالجهاد القتال الواجب الذي يجب القتال فيه، ومنه مناصرة ولي الأمر في قتال الفئة الباغية، سواء الفئة الباغية على ولي الأمر أو الفئة الباغية على طائفة من المسلمين لم يندفع شرها إلا بالقتال، كما في الآية: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾. وهكذا كذلك من مسائل هذا الحديث: فيه مشروعية حمل السلاح إذا كان ليس فيه إضرار بأحد من المسلمين. فيه: يشرع حمل السلاح خصوصًا إذا كان في موضع وموطن يكون في حمله عزة لأهل الإسلام، وكذلك إظهار لقوة أهل الإسلام، فإن هذا محمود مدر. ولا يكون ذلك على حساب مفسدة، وهذا يفهم من الأحاديث التي سبقت الإشارة إليها. فإن كان يترتب عليها مفسدة فيمنع. ويجوز للإمام أن يمنع جهة من الجهات وطائفة من الناس ذلك إذا ترتب عليه مفسدة. فهذا تبع لدرء المفسدة. فإن كان هناك مفسدة فتدرأ ولو بمنع السلاح. كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في الأحاديث المتقدمة: فقد يكون الأمر والشر الذي يراد دفعه لا يندفع إلا بمنعه بالكلية، فيجوز أن يمنع بالكلية. وإن كان يمكن الجمع بين المصلحة ودرء المفسدة بضوابط وأنظمة يكون فيها وضع هذه الأمور المأذون فيها في موضعها من دون مفاسد، فهذا هو الأحسن والأكمل جمعًا بين الأدلة الواردة في هذا الباب. والله تعالى أعلم.