شرح أصول في التفسير للعثيمين 12

شرح أصول في التفسير للعثيمين 12

الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 12، الدرس الثاني عشر : من : ( فوائد معرفة المدني والمكي ... فإن المدنية ناسخة للمكية لتأخر المدنية عنها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فوائد معرفة المكي والمدني في القرآن والسيرة

معرفة المكي والمدني من سور القرآن لها فوائد عديدة في فهم القرآن وتفسيره، وتساعد في اكتساب قوة وبلاغة اللغة العربية. كما أنها تعين على فهم تدرج الشريعة وتمييز الناسخ من المنسوخ.

أهمية التمييز في فهم القرآن والدعوة

التمييز بين المكي والمدني يساعد الداعي إلى الله في مخاطبة الناس بحسب احتياجاتهم، ويفيد في فهم القرآن وتفسيره بشكل أفضل. كما أنه يقوي الفهم والفقه في الدعوة ويساعد على التيسير بالدليل.

دور التمييز في فهم السيرة النبوية وتطبيق الدعوة

التمييز بين الأحداث والمواقف في السيرة النبوية يتيح معرفة دقيقة وفهمًا عميقًا لها، ويساعد في تطبيق الدعوة بشكل مناسب ومؤثر. كما أنه يعين على فهم حكمة التشريع وتدرج الأحكام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا -رحمه الله تعالى-: فوائد معرفة المدني والمكي. قال: معرفة المكي والمدني نوع من أنواع علوم القرآن المهمة، وذلك لأن فيها فوائد، منها: ظهور بلاغة القرآن في أعلى مراتبه، حيث يخاطب كل قوم بما تقتضيه حالهم من قوة وشدة، أو سهولة. قد مر معنى ذلك، فإنك تستفيد بهذا بلاغة القرآن، وهذه البلاغة تكسبك فقهًا في الدعوة إلى الله، وتكسبك قوة كذلك في اللغة العربية. واللغة العربية -كما قلنا في دروس سابقة- تكتسب بثلاثة أشياء: أولًا بمعرفة قواعدها، وثانيًا بكثرة القراءة والاستماع في مادتها، لأن اللغة ليست فقط معرفة القواعد، ولكن معرفة القواعد مع قوة الأسلوب والتطبيق لهذه القواعد. وهذا أين تجده؟ تجده في مضانها، وأعظم مضانها أين؟ القرآن، والصحيح من السنة، وكذلك فصيح شعر العرب، فهذه ثلاثة مواضع هي مضان اللغة العربية. فإذا أكثر الإنسان من القراءة والاستماع في ذلك حصل واكتسب قوة في اللغة العربية. وهكذا أيضًا مجالسة أهل الفصاحة، مجالسة أهل الفصاحة. وقد كان العلماء الأولون يعتنون بهذه الثلاثة، وربما أرسلوا أبنائهم إلى البوادي والأرياف، وكذلك عند بعض الأعراب ليكتسبوا اللغة العربية. نحن اليوم في ضعف في اللغة العربية، ربما -وأنا واحد من هؤلاء الضعفاء- إذا رأيت حشرة من الحشرات ما أعرف ما اسمها، بينما أجد بعض أبناء أهلي الذين يعيشون في بعض البوادي يعرف ما اسمها. فأسأله: يا عبد الرحمن، ما اسم هذا؟ فيقول: هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا. من أين أتى بهذه الأسماء؟ أتى بها من أهله الذين حافظوا على هذه الأسماء. نحن نقول للنمل كله نمل، لكنهم يفرقون بين الأحمر وبين الأسود، وبين الصغير وبين الكبير. وهكذا ربما إذا رأينا حية نقول: كلها حية، لكنهم يفرقون، يسمون هذه كذا، وهذه كذا، وهذه كذا. فهذا يستفاد من مخالطة الناس، فليس كل شيء ستجده في القواميس أو في الكتب. فالشاهد أن من فوائده أن يكتسب الإنسان -كما قلنا- هذا المعنى، وهو قوة وبلاغة القرآن الذي به تصل إلى قوة وبلاغة اللغة. وانظر إلى بعض ذلك كما مر، ومثل به الشيخ -رحمه الله- كما قال في سورة المدثر: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾، تجد شدة وقوة الأسلوب والخطاب. قال: ثانيًا: ظهور حكمة التشريع في أسمى غاياته، حيث يتدرج شيئًا فشيئًا بحسب الأهم عند المخاطبين، واستعدادهم للقبول والتنفيذ. نعم، كذلك من حكم وفوائد معرفة المدني والمكي أن تعرف حكمة التشريع، وذلك في التدريج في الأحكام. وهذا يقويك كذلك فقهًا في الدعوة إلى الله، وكذلك إدراكًا لسماحة الشريعة الذي به تكون فقيهًا بمعنى الكلمة. ولهذا يروى عن الثوري -رحمه الله تعالى- أنه يقول: «ليس الفقيه الذي يشدد على الناس، فإن التشديد الكل يحسنه، ولكن الفقيه الذي يسر على الناس»، أو الذي يستطيع أن يسر على الناس. ومعنى التيسير بالدليل، ليس التيسير بالهوى والتساهل. قال: ثالثًا: تربية الدعاة إلى الله تعالى وتوجيههم على أن يتبعوا ما سلكه القرآن في الأسلوب والموضوع، من حيث المخاطبين، بحيث يبدأ بالأهم فالأهم، وتستعمل الشدة في موضعها، والسهولة في موضعها. وهذا كذلك مما يستفاد من معرفة القرآن المدني والمكي. فإن الداعي إلى الله يستفيد من هذه الأساليب ما يحتاجه في دعوته إلى الله، فيبدأ بالأهم فالأهم، ويتدرج كذلك في عرض الشريعة، وكذلك يخاطب كل قوم بحسب ما يحتاجون، ويفرق بين أوصاف وأصناف الناس، فالكافر غير المنافق، والكتابي غير المشرك، والمؤمن غير المسلم، وغير ذلك مما يعلم. هو يستفيد من هذه الأحكام. قال: رابعًا: تمييز الناسخ من المنسوخ، فيما لو وردت آيتان: مكية ومدنية -يعني- ولم يمكن الجمع. ومبحث هذا في كتب أصول الفقه. قال: يتحقق فيهما شروط النسخ، فإن المدني ناسخ للمكي لتأخر المدني عنها. وهذا ليس دائمًا، لكن -كما قلنا- هذا يرجع إليه في كتب أصول الفقه، فإنه هناك تذكر الضوابط والشروط الذي بها يكون النسخ، فليس كل مدني ظاهره التعارض مع المكي فهو ناسخ له لا. خامسًا -وهو ذكر أربعة، ولكن نزيد نحن خامسًا-: يعين على فهم التفسير. فمعرفة المدني والمكي من أعظم ما يعين على معرفة التفسير. فأنت تستفيد وتفهم تفسير القرآن بتفريقك للآية المكية من الآية المدنية، أولًا من جهة المخاطبين، ثانيًا من جهة أسلوب الخطاب، ثالثًا من جهة معرفة الناسخ والمنسوخ، وغير ذلك من المسائل الأخرى التي تستفيدها بمعرفة الآية المكية من الآية المدنية، والسورة المكية من السورة المدنية. وهكذا كذلك يمكن يضاف سادسًا: أنك بمعرفتك للمكي من المدني يكون عندك معرفة وإدراك للسيرة النبوية، سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام-. فإنك تعرف ما نزل عليه في مكة، وما نزل عليه في المدينة، وما نزل عليه في غزوة كذا، وغزوة كذا، وما نزل في سفر كذا، وصلح كذا. وبه يكون عندك اطلاع على السيرة بأدلة القرآن، فتجمع بين ما ورد في صحيح السنة، وما ذكره أهل السيرة بإسناد صحيح، مع ما ورد في القرآن. فيكون عندك ماذا؟ فيكون عندك معرفة وإدراك عظيم ودقيق في تفاصيل السيرة. بينما لو لم تميز وكان القرآن عندك شيئًا واحدًا، ما حصل لك هذا التمييز ولا هذه المعرفة. والله تعالى أعلم.