الدرس في شرح مختصر السيرة 93، الدرس الثالث والتسعون:من( وقام علبة بن زيد فصلى من الليل وبكى ... فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
خرج النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك في ثلاثين ألف مقاتل لقتال الروم، وتخلف بعض المسلمين عن الغزوة بينما تصدق بعضهم وتقبل الله صدقته. استخلف النبي محمد بن مسلم الأنصاري على المدينة أثناء غيابه.
تحدث المقطع عن تفاصيل رحلة غزوة تبوك وتخلف بعض الصحابة، وقصة أبي خيثمة الذي تخلف في البداية ثم لحق بالنبي، ويبرز دلائل نبوة النبي في معرفته بمقدم أبي خيثمة.
يستنبط المقطع حسن ظن النبي بصحابته وتأثير سوابق الأعمال على المواقف، ويشرح تحذير النبي من دخول مواضع العذاب والتعامل مع ماء ثمود أثناء مرورهم في غزوة تبوك.
يشرح المقطع حكم القرض الذي جر نفعا، مشيراً إلى عدم وجود بأس به إذا لم تكن هناك زيادة على المبلغ المدفوع أو نوع من الميسر، مبيناً الشروط اللازمة لذلك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال شيخ الإسلام محمد عبد الرحيم، رحمه الله تعالى: قال وقام علبة بن زيد فصلى من الليل وبكى، ثم قال: «اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، ولم تجعل في يدي رسولك ما يحملني عليه» -يعني أن يخرج معه إلى الجهاد والقتال في غزوة تبوك- قال: «وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها». انظر سبحان الله، حبهم للخير والصدقة، فقراء ما عندهم ما يتصدقون به، وما يجدون أن يتصدقوا إلا المسامحة، يقول: تصدقت، يا ربي، لله بأن كل من ظلمني أو اعتدى علي سامحته، وجعلت ذلك صدقة أتقرب بها إليك. قال: «وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها من مال أو جسد أو عرض». ثم أصبح مع الناس -يعني قام الصباح وهو مع الناس- وهذا بينه وبين الله، ما أحد يدري بما جرى. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أين المتصدق هذه الليلة؟» فلم يقم إليه أحد، ثم قال: «أين المتصدق؟ فليقم». فقام إليه -يعني علبة بن زيد- فأخبره، فقال صلى الله عليه وسلم: «أبشر، فوالذي نفس محمد بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة» -يعني صدقتك الذي تصدقت بها-. والحديث كما أشار رواه الحاكم وصححه العلامة الألباني، رحمه الله، في «فقه السيرة»، ذكره بكنز العمال -أي الهندي-. قال: وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم، فلم يعذرهم، واستخلف على المدينة كما جاء في آيات سورة التوبة ما يدل على ذلك. قال: واستخلف على المدينة محمد بن مسلم الأنصاري، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحمد بن مسلم هو الذي قتل كعب بن الأشرف، كما في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله في القصة الطويلة كيف احتال على كعب بن الأشرف حين آذى الله ورسوله. فقال: «يا رسول الله، أتأذن لي؟» -القصة- وأما ذكر استخلافه على المدينة، فقد ذكره بعض أهل السير، ولا أعرفه في شيء صحيح مرفوع. قال: فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم، تخلف عبد الله بن أبي ومن كان معه -يعني من المنافقين- وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب منهم: الثلاثة كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع، وأبو خيثمة السالمي وأبو ذر، ثم لحقاه -يعني أبو خيثمة السالمي وأبو ذر- لحوقا بالنبي عليه الصلاة والسلام. وأما الثلاثة فقد انشغلوا وتخلفوا. وحديث الثلاثة في الصحيحين من حديث كعب بن مالك، في حديثه الطويل الذي يحكي فيه ما وقع لهم، رضي الله عنهم، فأنزل الله قرآنا في التوبة وقبول توبتهم. قال: وشهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثين ألفا من الناس -يعني من المقاتلين- لأنهم خرجوا ليقاتلوا الروم، والروم في ذاك الزمان بمثابة أقوى قوى الغرب اليوم، كما أن الفرس بمثابة أقوى قوى الشرق اليوم. قال: في ثلاثين ألفا من الناس، والخيل عشرة آلاف فرس. وسبحان الله كيف قوى الله عز وجل الإسلام وأهله. أول غزوة غزاها النبي عليه الصلاة والسلام، غزوة بدر، كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، ولم يكن معهم إلا فرسان فقط. وما مرت الأيام إلا وكان مع النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثون ألفا والخيل عشرة آلاف. قالوا: أقام بها عشرين ليلة يقصر الصلاة، وهي «رقل» يومئذ بحمص -يعني انتظر لقاء الروم عشرين ليلة وهو يقصر الصلاة-. وهذه المعاني جاءت في حديث متفرقة، بعضها كما سمعنا في حديث كعب بن مالك، وبعضها جاء كذلك في حديث ابن عباس، وجاء عن غيره، ومجموعا رويا عن ابن إسحاق وغيره من أهل السير. قال: ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف عليا على أهله، فقال المنافقون: «ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه». فأخذ سلاحه ولحق به بالجرف، فقال: «يا نبي الله، زعم المنافقون أنك ما خلفتني إلا استثقالا». فقال: «كذبوا، ولكني خلفتك لما تركت ورائي» -يعني من نساء وأهل- وكان النبي عليه الصلاة والسلام كما نعلم له مصاهرة مع علي، فعلي رضي الله عنه متزوج بابنته، فهو أحسن من يقوم على أهله من بعده. قال: «فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك». أولا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟ فرجع. والحديث كما أشار أصله في الصحيحين. وليس معنى هذا أنه نبي كما زعمت الرافضة؛ لأنه قال: «إلا أنه لا نبي بعدي». ولكن معناه أنه أقرب من يخلف النبي عليه الصلاة والسلام من أهله. قال: ودخل أبو خيثمة إلى أهله في يوم حار بعدما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائط، قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له ماء، وهيأت له طعام. وانظر على فقر وفاقه وصبر، ليس لهم حجر إلا من عريش -يعني من النخل وسعفه-. قال: قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له ماء، وهيأت له طعام. فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتي وما صنعتا، فقال: «رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر». ومعنى الضح: يعني مكان الشمس الحار. قال: «والريح والحر» -يعني الريح تضرب عليه الرمال والحر يأتيه من كل مكان-. قال: «وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء. ما هذا بالنصف» -يعني بالانصاف-. ثم قال: «والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم». فهيئ لي زادا. ففعلتا، ثم قدم ناضحه فارتحل له، ثم خرج حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل تبوك. والحديث كما أشار في صحيح مسلم. قال: وقد كان عمير بن وهب الجمحي أدرك أبا خيثمة في الطريق فترافق -يعني مشيا مع بعض- حتى إذا دنوا من تبوك، قال أبو خيثمة له: «إن لي ذنبا، فلا عليك أن تتخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم». ففعل. حتى إذا دنى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الناس: «هذا راكب على الطريق مقبل». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خيثمة». قالوا: «يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة». وهذا فيه دليل من دلائل نبوة عليه الصلاة والسلام؛ إذ أن هذا أمر غيبي. وهكذا كذلك فيه حسن ظنه بصحابته، رضي الله عنهم. وفيه كذلك أن الناس مواقفهم بحسب سوابق أعمالهم. مواقفهم بحسب سوابق أعمالهم. أبو خيثمة ليس مثله يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني منعته موانع واعترضته أعذار- ومع ذلك أبى إلا أن يدرك النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: «أولى لك يا أبا خيثمة». فأخبره الخبر، فقال له خيرا ودعا له -يعني أنه إن شاء الله ما يصيبك شيء بتخلفك ما دمت قد أدركت الجيش-. قال: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر من ديار ثمود -والحديث كما قلنا في صحيح مسلم- قال: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ لا يصيبكم مثل ما أصابهم». والحديث في الصحيحين. وفيه التحذير من دخول مواضع العذاب؛ لأنها مواضع موبوءة -يعني محل وباء-. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهاهم أن يشربوا من مائها أو يعجنوا به. قال: «ولا تشربوا من مائها شيئا، ولا تتوضوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا». قال بعض أهل العلم: إعلافه للإبل؛ لأنه إن كانت له مضرة فمضرته ليست عاجلة بخلاف الإنسان، وهو يضر في دين ودنيا. والغالب على الإبل أنها تذبح. قال: وأمرهم أن يهريقوا الماء وأن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة. وقد غضب النبي عليه الصلاة والسلام على رجلين عجن بمائها. والحديث كما قلنا أصله كذلك في الصحيحين. ومن ذلك أنه غضب على رجلين عجن من مائها بعد أن قال ما قال عليه الصلاة والسلام. قال: وفي صحيح مسلم عن أبي حميد الساعدي قال: «انطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عقاله». قال: «فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبل طيء» -لكونه خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم-. يقول: ما معنى قوله «ينبع الماء من بين أصابعه»؟ معنى ينبع الماء بين أصابعه: يعني أن الماء يتزايد من بين أصابعه، وهذا معنى مقرب. والنبع قد يكون قويا وقد يكون ضعيفا. ومن رأى بعض العيون الضعيفة في الآبار يعرف أن النبع قد يكون شيء يسير جدا، فهو مثل هذا شيء يسير يكفي القدح أن يتزايد الماء ولا ينقص، هذا المقصود. يقول: هل يجوز السكن أو يسكن الإنسان في الأماكن التي أهلك فيها الأمم الماضية؟ الجواب: لا، كما سمعتم في هذا الحديث، لا يجوز السكن في الأماكن التي وقع فيها الهلاك والعذاب، بل أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالإسراع ومر وهو متلثم عليه الصلاة والسلام -يعني غطى وجهه وأسرع في مروره في ذاك المكان-. يقول: ما حكم هذه الصورة، وهي أن يشترك جماعة من الناس بأن يضع كل منهم في الشهر مبلغ معين من المال في صندوق واحد، ثم يدفع هذا المبلغ بكل شهر لواحد منهم -يعني هذا مثل ما نسميه نحن «الجمعية» أو «الهبة»-. إذا كان ليس فيه معنى القرض الذي جر نفعا فلا بأس، ولم يكن فيه نوع من الميسر، ولا زيادة كل واحد يأخذ مثل ما دفع، فلا بأس في ذلك إن شاء الله.