حقيقة الانتماء للإسلام

المحاضرة بعنوان حقيقة الانتماء للإسلام، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم السبت 11 ذو القعدة 1443هـ الموافق 11 يونيو 2022م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل العلم وأهمية تعلم دين الإسلام

يُبرز أهمية العلم في إصلاح أحوال الناس ودعواتهم، ويشدد على ضرورة تعلم دين الإسلام وتصحيح العقيدة. يُستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية على أهمية العلم في تغيير حال الأمة.

معنى الإسلام والتمسك به وأثره على العزة

يُعرّف الإسلام على أنه الاستسلام لله والانقياد له بالطاعة، ويُبين أن العزة الحقيقية تأتي من التمسك بدين الله. يُوضح أن طلب العزة بغير الإسلام يؤدي إلى الذل.

تاريخ المسلمين الحضاري وعزتهم بدينهم

يُبين كيف أعز الله المسلمين بدينهم ومكّنهم من أكبر الدول، وأصبحوا أعظم حضارة في التاريخ. يشير إلى تأثير علوم المسلمين على الحضارة الغربية واعتراف الكفار بفضلهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، فإننا في هذه الليلة بإذن الله مع محاضرة ولقاء مفتوح مع شيخنا المفضال القائم على هذه الدار أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر مرعي حفظه الله تعالى ورعاه وسدد ربي على الخير خطاه وسلمه الله وعافاه ودفع عنه كل سوء ومكروه. فكم وكم يتعفنا حفظه الله تعالى بمثل هذه الزيارات المباركة، وبمثل هذه المجالس الفاضلة التي تعقد بين الفينة والأخرى، ففيها يتعلم الجاهل ويتنبه الغافل، بل ويزداد المتعلم علما وفهما، فجزاه الله خيرا. إخواني في الله، إنما يقوم به شيخنا حفظه الله من تأثيره بكلماته ومقاله ما كان هذا بشخصه ولا بنفسه، وما كان بمنصبه ولا جاهه، إنما هو بسلطان العلم الذي حباه الله جل وعلا به، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. إخواني في الله، العلم هو الأساس في إصلاح أحوال الناس، إن نبينا صلى الله عليه وسلم مكث في غار حراء في أول أمره قبل بعثته وقبل نزول الوحي عليه، لبث وجلس في الغار بعدما ضاق صدره بما عليه قومه من الحالات الردية والأوضاع الرزية من عبادة للأوثان والأصنام، من أكلهم للسحت والحرام، من هدكهم للأعراض، من سفكهم للدماء. فلا يزال يجول بفكره وهو في الغار في كيفية إصلاح قومه، فبينما هو كذلك إذ نزل عليه وحي السماء وهو في غار حراء، مؤذنا بنزول النور الذي به سيبدد الله جل وعلا هذا الظلام، وسيغير أحوال الأمم إلى أحسن حال، بدأ هذا الوحي بقوله عز وجل: ﴿اقرأ﴾. نعم، عباد الله، إشارة إلى عظيم العامل الذي سينزله ربنا على نبيه، ألا وهو العلم، ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم﴾. فانطلق نبينا عليه الصلاة والسلام من الغار وهو يحمل رسالة العلم، فأخذ يعلم الناس دين الله ويعرفهم حدود ما أنزل الله، لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. فلا يزال الناس يأخذون يزدادون علما وفهما ومعرفة وفقها حتى استقام حالهم وصح إيمانهم وعظم توحيدهم، فحينها بدل الله حالهم إلى أحسن حال، فجعلهم قادة أمم بعدما كانوا رعاة غنم، إنه العلم، عباد الله، هو الأساس في إصلاح أحوال الناس. لا صلاح لعقائدنا إلا بالعلم، قال سبحانه: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾، فلا قوام للعقيدة إلا بالعلم، دعواتنا ومنهاجنا لا يصلح إلا بالعلم، قال سبحانه: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾، أي على علم. فلا صلاح للدعوات إلا بالعلم، وأي دعوة لا ترفع بالعلم رأسا فهي دعوة فساد، ما كانت ولن تكون أبدا دعوة صلاح ولا إصلاح. بالعلم يا عبد الله يكون صلاح لقلوبنا، إن الله عز وجل زكى أهل العلم بقوله: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾، إنما كان أهل العلم هم أهل الخشية والخوف لما وقر في قلوبهم من العلم. وكما قيل: من كان لله أعرف كان منه أخوف، بالعلم يا عبد الله صلاح لطاعاتنا، صلاح لعباداتنا، صعد نبينا عليه الصلاة والسلام فصل بأصحابه وهو على منبره، فلما انتهى من صلاته قال: «يا أيها الناس، إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي». الصلاة لا تقام إلا بالعلم، وقس على ذلك سائر الطاعات والعبادات، صلاتنا، صيامنا، قيامنا، حجنا، عمرتنا، وسائر طاعاتنا لا تقام إلا بالعلم. قال عمر بن عبد العزيز: من عبد الله بغير علم أفسد أكثر مما يصلح. قال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا قووا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة﴾، قال علي رضي الله تعالى عنه: علموهم، أدبوهم، العلم، وأعظم وقاية يكون لبيوتنا، بها تصلح البيوت والديار، ويصلح الأهل والأزواج، وتصلح عرائسنا وأزواجنا وزواجاتنا وجنائزنا، وكل أمور حياتنا تصلح بالعلم. وهكذا يا عبد الله، أسواقنا ما يكون من بيعنا وشرائنا ما يكون إلا بالعلم، كان عمر رضي الله تعالى عنه يطوف في الأسواق ويقول: لا يبع في أسواقنا إلا من يفقه. صلاح الأسواق يكون بصلاح العلم، أولادنا، ذرارينا، وأزواجنا، وأولادنا، وشباب الأمة، صلاحهم يكمن بمقدار علمهم، عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، فقال: «تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا». صلح الشباب يكمن في دفعهم إلى حلقات العلم، قال الشافعي رحمه الله: إذا أردت إصلاح قلبك أو إصلاح ابنك أو من شئت إصلاحه فأودعه في حلقات القرآن، فإن الله سيصلحه شاء أم أبا. إخواني في الله، إنما هذه مشاركة بين يدي شيخنا حفظه الله تعالى في بيان فضيلة وعظيم أثر مثل هذه المجالس العلمية، فكيف إذا تلألأت وترأسها من هو لها أهل كشيخنا حفظه الله تعالى ممن أعطاه الله علما وأعطاه الله فضلا وفهما. فإن شاء الله إخواني في الله تكون كلمة الشيخ ومشارته وأسئلته التي سيجيب على من؟ على الأسئلة التي ستلقى عليه بعد ركعتي السنة، فنسأل المولى جل وعلا أن يوفقنا وإياه لما يحبه ويرضاه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، نحمد سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخص سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، كما نحمد سبحانه أن من علينا بمثل هذه المجالس الطيبة المباركة، نجتمع فنتذاكر ما ينفعنا من العلم النافع، ما يعيننا إن شاء الله تعالى على العمل الصالح. وهذه من نعم الله عز وجل كذلك الكثيرة، فالله عز وجل يعطي هذه الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولكنه لا يعطي دينه وشرعه وخيره وفضله إلا من يحب. فإذا وفقك الله لطريق الطاعات ومجالس القربات، وكذلك أبواب الرحمات، فاعلم أن الله عز وجل قد خصك واحتباك ووفقك في خصيصة لم يوفق ولم يحرم ولم يدركها وحرمها الكثير من الناس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يحرمنا فضله وأن يزيدنا من واسع عطائه وأن لا يعاملنا بسوء أعمالنا وأن يرحمنا برحمته، اللهم آمين. معاشر المسلمين والمسلمات، العلم وفضله أمر عظيم، وقد سمعنا من كلمة أخينا الشيخ أبي هاشم حفظه الله تعالى خيرا كثيرا في أهمية العلم وعظيم فضله وكبير أثره على الفرد وعلى المجتمع. والعلم بحره كبير لا يستطيع الإنسان أن يدركه كله، ولا يعني ذلك أن ينتهل مما يهمه منه، بل الواجب على المسلم أن يأخذ من العلم ما يرفع عن نفسه الجهل فيعبد الله سبحانه وتعالى به على بصيرة. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، أي طلب العلم واجب وأمر حتم لا يجوز ولا يسع أحد أن يتركه. لماذا عباد الله؟ لأن طلب العلم سبب لتصحيح عقيدتك وعبادتك ومعاملتك وأخلاقك وسلوكك وسيرك إلى الله سبحانه وتعالى، بغير العلم تتخطفك الشبهات، شبهات الشهوات وشبهات تتخطفك الشبهات والشهوات، الفتن الكثيرة التي تصرفك عن الصراط المستقيم والدين القويم الذي أحبه الله سبحانه وتعالى لخلقه. ولذلك من فضل الله عز وجل علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، أنه سبحانه لم يدعنا هملا ولم يتركنا سبهللا، بل أرسل رسلا سبحانه وتعالى وأنزل كتبا وجعل شريعة ودينا وختم هذه الرسالات وهذه الكتب وهذه الديانات بدين الإسلام وكتاب الله القرآن ونبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام الذي ختم برسالته الديانات كلها. ولا يقبل من أحد دين سوى هذا الدين دين الإسلام، كما قال الله عز وجل: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، وكما قال سبحانه: ﴿ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. فإذا سألت نفسك يا أيها المسلم ويا أيها المسلمة ما هو دين الإسلام الذي بعث به نبينا صلى الله عليه وسلم وحصل ما حصل من القتل والقتال وحصل ما حصل من الفرقان بين أهل الحق وأهل الباطل بين أهل التوحيد وأهل الشرك بين أهل الإيمان وأهل النفاق بين أهل التقوى والطاعة وأهل الفجور والعصيان. ما هو هذا دين الإسلام الذي بذل النبي صلى الله عليه وسلم له نفسه وروحه ومات شهيدا عليه الصلاة والسلام لأجله بسم اليهود عليه أفضل الصلاة والتسليم. ما هو هذا دين الإسلام الذي لأجله قاتل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم وتحملوا لأجله الأذى، أخرجوا من مكة وهاجروا الهجرتين هجرة الحبشة وهجرة المدينة بعدها، وحصل ما حصل مما لا يخفى عليكم في التاريخ والسير. ما هو دين الإسلام الذي لأجله تركوا الأهل والأولاد وحاربوا وذهبوا إلى الأمصار لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى. بدأ الإسلام بدأ الإسلام بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن معه في أول الأمر إلا رجل وامرأة وحر وعبد أربعة ونبينا صلى الله عليه وسلم خامسهم، ثم انتشر الإسلام كما نرى حتى بلغ مشارق الأرض ومغاربها. ما هو هذا دين الإسلام الذي ننتسب إليه؟ أنت يا أيها المسلم تنتسب إلى دين الإسلام، هل سألت نفسك ما هو هذا الإسلام وأين أنا وأنت من هذا الإسلام الذي بعث الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وسلم. عباد الله، إن هذا الدين أمره عظيم، هذا الدين كلمة عظيمة، كلمة تتضمن عقيدة عظيمة وعبادة جليلة ومعاملة كذلك مستقيمة وأخلاق وسلوكيات كريمة وآداب فضيلة ومنهجية سوية صحيحة مستقيمة تتمثل في أحكام كثيرة وتشريعات متقنة دقيقة. من سار بسيرها أصلح الله عز وجل له ظاهره وباطنه، وأصلح الله عز وجل له دينه ودنياه، أصلحه الله عز وجل في نفسه وفي أهله وماله، أصلح الله عز وجل له دنياه وأخرى. فإذا كان كذلك فهذا شيء عظيم يستحق لأجله أن يكون ما قد كان، بل هو قليل مما يستحقه هذا الدين العظيم، ولكن ماذا بدلت يا أيها المسلم ويا أيتها المسلمة في تعلم هذا الدين. هل يمكنك أن تنتسب إلى هذا الدين وأنت لا تكترث في تعلم أحكامه والتفقه في تفاصيل شرعه بما تصحح به عقيدتك وعبادتك ومعاملتك وأخلاقك وسلوكياتك. كيف يمكنك أن تكون قويا في إيمانك، ثابتا في عبادتك لربك، مستقيما في معاملاتك، فضيلا في أخلاقك وسلوكياتك. هل يمكنك أن تحصل ذلك بالعواطف، بالانتساب، بالإسم، وهذا هو الذي تشك منه المجتمعات، وللأسف أن الكثير من الناس ينتسب إلى الإسلام بأسماء خالية من الحقائق، مسلم لكنه لا يعرف حقيقة الإسلام إلا القليل ممن رحم الله. فهذا ينتسب إلى الإسلام ومع ذلك يدعو غير الله ويرجو غير الله، يأتي إلى قبر من القبور فيطوف به ويتمسح به ويبكي عنده وربما يسجد له ويدعوه ويرجوه أعظم مما يدعو ربه سبحانه وتعالى العظيم. وآخر يقرب القرابين والذبائح والهدايا والعطايا لغير الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل يقول: ﴿فصل لربك وانحر﴾، والله جل وعلا يقول وهو يحذر نبيه صلى الله عليه وسلم وهو أبعد الناس عن الشرك والتحذير لأمته والتحذير لمن ينتسب إلى هذا الدين. أنه من وقع منه شيء من الشرك فإنه والعياذ بالله يخرج من هذا الدين، كما قال الله عز وجل: ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت لا يحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾، بل الله فاعبد وكن من الشاكرين. أي أعبد الله عز وجل وحده لا تشرك معه أحدا لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا وليا ولا صالحا، وإنما تعبد الله جل وعلا وحده، هذا هو معنى لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى. جوارحك لا توجهها إلا لله عز وجل، وأن المساجد لله فهي لله وحده لا يشرك معه غيره، لا توجه أعضاء السجود ولا بيوت الله في عبادة غير الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك لا يلتفت قلبك إلى غير الله، لأن الذي يملك النفع والضر هو الله جل وعلا وحده لا يشاركه في هذا أحد، كما قال الله عز وجل: ﴿هل تعلم له سميا * لم يكن له كفوا أحد﴾، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. والأمر عظيم، عباد الله، ومع ذلك نجد الكثير من من ينتسب إلى الإسلام إلا من رحم الله بسبب جهله وعدم تعلمه للعقيدة الصحيحة وثوابت هذا الدين يقع في مثل هذه الشركيات ويقع في مثل هذه الوثنيات التي لأجلها بعث الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم. بل بعث الأنبياء والرسل من قبله عليه الصلاة والسلام، لا فرق بين من عبد الأصنام والأحجار والأشجار وبين من عبد القبور والصالحين، لا فرق بين من طاف بتلك الأصنام والأوثان ومن طاف بقبور الصالحين كما زعم وبكى عند تلك القباب. فكل ذلك من الشرك بالله سبحانه وتعالى، وأنت مسلم أمرك الله عز وجل أن تحقق الإسلام بالاستسلام له وحده لا شريك له، قل إن صلاتي ونسكي أي ذبيحتي وذبائحي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، بذلك ومرت وأنا أول المسلمين. وهكذا كذلك عباد الله، قد تجد من ينتسب إلى الإسلام وهو لا يصلي وهو لا يصوم وهو لا يعرف الحج وهو لا يعرف الصدقة ولا يعرف طريقا من طرق الخير والبر، ومع ذلك فيقول لك: أنا مسلم. بماذا كنت مسلما؟ أركان الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام، أين هذه الخمسة؟ ما أديت شيئا من هذه الخمسة حتى كلمة التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لم تؤدها ذاك الذي ينتسب للإسلام على وجه الصحيح. لأن معنى لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله، فأين عبادتك؟ أين عبادتك لله؟ أنت تقول لا إله إلا الله بلسانك، ولكن أين هذه العبادة بجوارحك؟ أنت تشهد أن محمدا رسول الله ومعناها أي لا متبوع بحق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. أين متابعتك لنبيك محمد صلى الله عليه وسلم؟ لا في عقيدة، لا في عبادة، لا في معاملة، لا في أخلاق، لا في سلوك، حتى في الأشكال والهيئات يقلد الكافرين في قصة شعره، في لبسة ثوبه، في حذائه وسرواله، حتى في الأوشام يشم في صدره ويشم في يده ويعلق الخال في رجله وفي يده وفي سلسل في عنقه، ومع ذلك يقول لك: أنا مسلم. لماذا صرت مسلما؟ أنت لم تفقه الإسلام، ما عرفت أن الإسلام هو الاستسلام لله عز وجل والانقياد له بالطاعة، أن تحقق العبادة لله عز وجل والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أن تبرهن أنك مسلم باستسلامك لأوامر الله وطاعته، بابتعادك عن أبواب سخط الله ومعصيته، أنت بهذا مسلم، أمك أنك تقول: أنا مسلم بلسانك، وأعمالك وجوارحك تكذب ذلك، فأنت كاذب في ادعائك الإسلام. وهكذا كذلك عباد الله، إن من الناس من يقول: أنا مسلم، ودين الإسلام، وكتاب القرآن، ومع ذلك إذا سألته: ماذا تعرف عن دين الإسلام؟ لا يعرف شيئا، وإذا كذلك سألته: ماذا تعرف عن القرآن؟ لا يعرف شيئا. ربما بعضهم تمر عليه السنين وهو لم يفتح القرآن، ومع ذلك يقول: أنا مسلم، والقرآن كتابي، كيف كتابك وأنت لا تقرأه؟ أنت لا تفتحه وأنت لا تعرفه. وهكذا كذلك لو سألته عن تفاصيل أحكام هذا الدين ما علم منه شيئا، وصح قول من قال: لم يعرف من الإسلام إلا اسمه، ولم من القرآن إلا رسمه، بل بعضهم حتى ربما لا يعرف رسم القرآن، عمره ما فتح القرآن إلا حين كان صبيا يدخل في الكتاتيب مع الصغار، وتأذاك آخر عهد منه بالقرآن. فعباد الله، دين الإسلام يحتاج منك عناية ورعاية، أن تتعلم من أحكامه، وأن تتأدب من آدابه، وأن تمتثل من أوامره، ما يكون من شخصيتك حقيقة المسلم في عقيدته وفي عبادته وفي معاملته وفي أخلاقه وسلوكه ومواقفه. وبذلك يصح أن يكون المسلم مسلما، فالمسلم هو المستسلم لله عز وجل في عقيدته وعبادته وفي معاملته وأخلاقه وسلوكه ومنهاجه. وبهذا يصح أن يكون مسلما، قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، بذلك ومرت وأنا أول المسلمين، المسلم من استسلم لله فيظهر هذا الإسلام في أقوالك وفي أفعالك وفي مواقفك وفي أخلاقك وفي كل حركاتك وسكناتك. تفتخر بالإسلام أنك مسلم، تعبد الله بعبادة الإسلام التي أمرك الله عز وجل بها، تقتدي بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم في أحكام شرعه ودينه، فأنت تعتز بهذا الدين العظيم، ولا عزة لنا إلا بهذا الدين العظيم. كما قال عمر رضي الله عنه: إن الله عزنا بهذا الدين، فمتى ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله، هذه هي الحقيقة، العزة إذا طلبت من غير مكانها الصحيح أذل الله عز وجل أصحابها، وهذا هو الواقع. انظروا إلى الكثير من المسلمين، وللأسف، لما طلبوا العزة بغير الإسلام أذلهم الله، طلبوها بمتابعة الشرق والغرب فأهانهم وأذلهم، أذلهم الله عز وجل، كما قال الله سبحانه: ﴿من يهن الله فما له من مكرم﴾. هذا لأنهم أعرضوا عن دين الله فكان الجزاء من جنس العمل، وأما من أقبل على دين الله عز وجل كانت له الكرامة وكانت له العزة الحقيقية، ليست العزة بالشهرة، بعض الناس وللأسف يظن أن العزة والكرامة بالشهرة. وهذه والله من اختلاف الموازين والأنظمة والقوانين، ولذلك تجد بعض الناس يرمي نفسه في القاذورات لأجل أن تكون له الشهرة، الشهرة بماذا؟ الشهرة أن تكون ساقطا من الساقطين، وكذلك أحد رؤوس القذرين حتى تكون من المشتهرين. وأضرب لذلك مثلا، اليوم توجد صرخة قوية من أعداء هذا الدين فيما يسمونه بالمثليين، ومصطلحه الشرعي المخنثين، صارت صرخة، فمن تابعهم على ذلك أشهروه بماذا؟ بقذاره ونذالته ودناءته، ثم بعد ذلك يصير الإنسان مشهورا وهو تافه من التافهين. رجل يحول نفسه إلى امرأة ويبدأ بإظهار تلك المقاطع في وسائل التواصل ويزيد معه كلمات لاذعة في الطعن بالإسلام وآدابه وثوابته، فيجد بعد ذلك المتابعين الكثر ويظن أنه بهذا قد وصل إلى المقصود. وما علم أنه أحد القذرين الذي ما زاد في التاريخ إلا أن قذرا، كان هنا وسيزول في مزبلة التاريخ كما زال غيره الكثير من هؤلاء الحثالة، لكن أي عزة وكرامة؟ والله ما زاد نفسه إلا مذلة ومهانة، مذلة ومهانة. وأعظم من ذلك أن يذل أن يذل أن يذل بما يظن أنه إكرام وهو في الحقيقة يذل، وهذا مثال من انتكاس الفطر وتقلب القوانين عند بعض الناس، والدنيا مليئة بأنواع الفتن والمحن التي ابتلي بها الناس والمسلم من سلمه الله سبحانه وتعالى. والمعصوم من عصمه الله، فتن في عقائد الناس، فتن في عباداتهم وأخلاقهم وسلوكياتهم، في أشياء كثيرة في المجتمع، ولكن الذي يسلم الجميع الفرد والمجتمع والراعي والرعية أن يثبت على ثوابت الدين الصحيح عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاق وسلوك. يثبت على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم فهو إمامنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم، وبذلك تكون في أمان وفي ثبات وفي طمأنينة وراحة، وتعلم أن الأمة كلها لو اجتمعت على أن تكون ضدك فأنت قوي بالله وبدين الله وبمتابعتك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. معتزا ثابتا أعظم من ثبوت الجبال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس وهو يعظ ويوصيه: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء فلن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك». فأنت بهذه العقيدة ثابت قوي ومطمئن وشجاع، وعند ذلك لا تؤثر فيك هذه الأسباب أقبلت أو أدبرت، لأنك تعلم أن الأسباب كلها بيد الله سبحانه وتعالى، فأنت بهذا ثابت، وكذلك غير متزحزح عن ثوابت دينك التي علمتها والتي تعلمتها. وكذلك ليس المعيار عندك القلة والكثرة، لأن الكثرة لم تكن يوما من الدهر علامة على الصواب، بل على العكس، قال الله عز وجل: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾. وأنت تعلم أن من الناجين من النار كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم واحد من ألف، كما في حديث أبي هريرة في الصحيح أن الله عز وجل يقول لآدم يوم القيامة: أخرج بعث النار. قال: فيقول: وما بعث النار يا رب؟ فيقول الله عز وجل: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، يعني لا ينجو من كل ألف إلا واحد، حتى عظم ذلك على الصحابة، فقالوا: أينا ذلك الواحد يا رسول الله؟ يعني واحد من كل ألف، من من هذا الواحد؟ فذكر النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة اليهود والنصارى ويأجوج ومأجوج والأمم، ومعناه أن الناجون من الأمم ومن هذه الأمة قليل بالنسبة للهالكين من الأمم كلها ومن هذه الأمة. وفي حديث عبد الله بن عمر وغيره قال النبي صلى الله عليه وسلم: «افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». يعني معناه كل اليهود في النار، وكل النصارى في النار، وهكذا كذلك اثنين وسبعين، نسبة يخرج منها واحد من ثلاثة وسبعين، كذلك كلها في النار، فهذه كلها في النار، ولا ينجو إلا واحد من هذه النسب كلها. فمن هذه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة؟ فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث، في رواية معناها صحيح، وفي إسنادها ضعف، ويحسنها بعض أهل العلم، قال عليه الصلاة والسلام: «هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي». ويؤكد هذا ويثبته قول الله عز وجل: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في الشقاء﴾، وقول الله عز وجل: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾. وتأملوا عباد الله في تاريخ البشرية، هل تعرفون عزة أعز الله عز وجل بها أمة بمثل ما أعز الله عز وجل به أمة الإسلام؟ والله لا نجد في تاريخ البشرية عزة مثل هذه العزة. كان العرب رعاة الشاة والبعير، وبينهم من القتل والقتال والجهل والجهال والأمور العظيمة، ولكن لما عزهم الله بهذا الدين مكنهم الله عز وجل في فترة يسيرة من أعظم الدول والأمم في الشرق والغرب. كانت أكبر الأمم في ذاك الزمان هم فارس والروم، أكبر دولتين في الأرض جميعا، ما كان الناس في تاريخ البشرية في ذاك الزمن يعرفون أعظم من هاتين الدولتين، فارس والروم، أكبر دولتين. بعث الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم وهو شخص واحد، ولم يؤمن معه إلا كما جاء بالحديث: رجل وامرأة وحر وعبد، يعني كان في أول الأمر خامس خمسة عليه الصلاة والسلام. حتى مرت الأيام والليالي والشهور والأعوام، وأعز الله عز وجل هذا الدين، أهل هذا الدين بهذا الدين، فمكنهم من ملك فارس والروم، فبلغ في فترة يسيرة مبلغ ملك أهل الإسلام ما لم يبلغه ملك أي دولة في تاريخ البشرية. بلغ أقصى المشرق شرقا، وأقصى المغرب غربا، وأقصى الشمال شمالا، هذه دولة الإسلام، بماذا أعز الله عز وجل هؤلاء؟ أعزهم بالإسلام، لأنهم كانوا على تمسك صحيح بدين الإسلام، فأعزهم الله عز وجل. وحتى ما نراه من الحضارة المعاصرة اليوم إنما هو من آثار فضل أهل الإسلام، فهم الذين استفادوا من علوم الشرق والغرب وأخرجوا ونقحوا هذه العلوم، فخرجت زبدتها في علوم أهل الإسلام. فكانت أول جامعة تقام في تاريخ البشرية هي جامعة بلاد الأندلس التي تعتبر أول منارات العلم الجامعية التي انتفعت منها البشرية، أذكر في أحد الزيارات ذهبت دعوة مع بعض الإخوة في ألمانيا ومررت بأحد المساجد في مدينة فرانكفورت. وهي من أشهر المدن في ألمانيا، فبعد المحاضرة أراني الإخوة أرضا، قالوا: هذه الأرض تبرع بها دكتور من دكاترة الجامعة وهو كافر، وقال: أهبها لهذا المسجد للمسلمين، فقلت: لماذا؟ قالوا: سألنا هذا السؤال، لماذا تبرعت بهذه الأرض للمسجد وللمسلمين؟ لماذا ما جعلتها لغيرهم؟ قال: لأن الرفاهية التي نعيشها اليوم هي بسببكم أنتم أيها المسلمون، هذه الرفاهية التي نعيشها اليوم وهذه العلوم التي ندرسها في جامعاتنا هي بسبب أجدادكم الذين أخذنا العلم منهم من الأندلس وقرطبة وغيرها. وأشار إلى أشياء كثيرة، فردا لهذا الجميل يقول: تبرعت بهذه الأرض للمسلمين وللإسلام، فانظروا هذا الكافر، هذا الكافر يعترف بفضل أهل الإسلام عليه وعلى جامعته وعلى العلم الذي يدرس فيه، والرفاهية التي يعيش فيها. ولو قرأت في كلام المنصفين، لو قرأت في كلام المنصفين، لو وجدت كتابات كثيرة من كتابات الكافرين التي تشهد عن أثر الإسلام على هذه البشرية، حتى في جانب حتى في جانب العلوم التطبيقية. ومن ذلك كتاب مشهور لأحد المستشرقات الغربيات، وهي كافرة، ولكنها لأنها قرأت كثيرا عن الإسلام والمسلمين وتاريخهم، فكتبت كتابا سمته: نور العرب تصطع في الغرب، كتبته باللغة الألمانية وترجم إلى عدة لغات، ومن هذه اللغات التي ترجم إليها اللغة العربية. ماذا كتبت هذه المرأة الألمانية الكافرة؟ كتبت في هذا الكتاب عدة معلومات، ومن هذه المعلومات التي كتبتها: كتبت أثر علوم أهل الإسلام على الحضارة الغربية، فبدأت تذكر العلوم علما علما، تقول: ما كنا نعرف علم الرياضيات حتى جاءت كتب أهل الإسلام. وذكرت كتب المسلمين التي استفاد منها استفاد منها أهل الغرب، فكانت أساس انطلاق جامعاتهم وعلومهم، وهكذا تأتي إلى علم الطب وإلى علم اللغات وإلى سائر العلوم الأخرى علما علما وتضرب الأمثلة على ذلك. وكتب آخرون حتى تصحيحا للمعلومات، تصحيحا للمعلومات في بعض ما ينتشر، وحقيقته أن الأمر ليس كذلك، اشتهر عند الناس في بعض القواعد والقوانين أن قاعدة الجاذبية أول من اكتشفها هو نيوتن، ولكن الحقيقة ليس كذلك. أول من اكتشف قاعدة الجاذبية هم أهل الإسلام، وانتشر كذلك عند الغرب أن الكواكب السيارة إنما اكتشفها الغرب، ولكن صحح هذه المعلومات من الكفار من أهل الغرب أن الذي اكتشفها هم المسلمون، وذكروا تلك المراجع. كيف أن بعض أهل الغرب كان يسرق هذه المعلومات وينسبها إلى نفسه ويشهرها، وحقيقتها أنها من العلوم التي أول من أظهرها وأشهرها هم أهل الإسلام، وغير ذلك كثير مما يدلك أن عزة أهل هذا الدين هو بتمسكهم بدين الله عز وجل. ومتى ما تمسكوا بدين الله عز وجل بجد وصدق فإن الله عز وجل يعزهم، أما من الناحية الشرعية فهذا لا يخفى، لأن الله ينصر من ينصره، إن تنصروا الله ينصركم، والله عز وجل وعد وعده الحق، ولا نشك في هذا. وأما من الناحية العملية فإن أهل الإسلام معروفون إذا هم صدقوا، فحياتهم جادة، جديتهم وأمانتهم وثباتهم في أعمالهم وان