الدرس في جواهر البلاغة 118، الدرس الثامن عشر بعد المائة:من( 6-ومنها:الاعتراض لغرض يقصده المتكلم ... وللذوق السليم القول الفصل في موطن كل منهما ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الاعتراض هو الإتيان بجملة معترضة في أثناء الكلام، ويعتبر من مواضع الإطناب. الإطناب هو زيادة في الكلام لتوضيح المعنى أو تأكيده.
الإطناب له أنواع متعددة منها الإيغال والتذييل والاحتراس، وكل نوع له تعريف وأمثلة من القرآن والشعر العربي.
الإطناب والإيجاز لهما مواضع استخدام مختلفة حسب السياق والموقف، والبلاغة تتطلب اختيار الأسلوب المناسب.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الملف رحمه الله تعالى: قال: ومنها سادسا الاعتراض لغرض يقصده المتكلم، وهو أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين في المعنى بجملة معترضة أو أكثر، لا محل لها من الإعراب. فعلق عندكم كما ترون. قال: لم يشترط بعضهم وقوعه بين جزئي جملة ولا بين كلامين، بل جوز وقوعه آخر الكلام مطلقا، سواء وليه ارتباطا بما قبله أو لا، كقوله تعالى: ﴿وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾، فجملة "ونعم الوكيل" معترضة، وليست معطوفة على ما قبلها حتى يلزم عطف الإنشاء على الخبر. فجعل رحمه الله تعالى كذلك من مواضع الإطناب وأنواعه أن يؤتى به لأجل الاعتراض، وهذا الاعتراض يقصد به المتكلم غرضا معينا يوضح به ما أراد من كلامه. فمثلا قد يأتي ذلك للدعاء، وقد يأتي لغيره كما سيأتي. قال: وذلك لأغراض يرمي إليها البليغ غير دفع الإيهام. كالدعاء نحو: "إني حفظك الله مريض"، فجملة "حفظك الله" المقصود منه الدعاء للمخاطب، وإكرامه بهذا الدعاء، وإظهار حسن السريرة به، وغير ذلك مما يكون من أغراض الدعاء. كقول "عوفي بن محلم الشيباني": "إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي لا ترجماني"، والشاهد في قوله "وبلغتها"، ففيه معنى الدعاء. قال: والتنبيه على فضيلة العلم، كقول الآخر: "واعلم أن علم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قد قدر"، "أن سوف يأتي كل ما قدر"، فـ"علم المرء ينفعه" جملة معترضة، أتي بها للتنبيه على فضل العلم. وليس هذا خاصا بالعلم، قد يكون في العلم، قد يكون في العمل ونحو ذلك، فيكون من أغراض الجمل الاعتراضية التنبيه على فضل ما أمر به. قال: والتنزيه كقوله: ﴿ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون﴾، والشاهد في قوله "سبحانه". ﴿ويجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون﴾، فجملة "سبحانه" جملة معترضة، أتي بها للتنزيه. قال: وزيادة التأكيد، كقوله تعالى: ﴿وصينا الإنسان بوالديه حملت أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير﴾، فجملة "حملت أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين" جملة اعتراضية، أتي بها لزيادة تأكيد الوصية بالوالدين. قال: والاستعطاف كقول الشاعر: "وخفوق قلب لو رأيت لهيبه يا جنتي لرأيت فيه جهنم"، وهذه جملة اعتراضية، القصد منها الاستعطاف. فهو يخاطب من يحب، يصف فيه عظيما ما في قلبه من حب، فيقول: "وخفوق قلب"، والخفوق معروف، خفقان القلب، ضربه أصله. "وخفوق قلب يا جنتي فيه جهنم"، فجملة "لو رأيت لهيبه" جملة اعتراضية قصد بها الاستعطاف. قال: والتهويل نحو: ﴿وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾، الأصل: "وإنه لقسم عظيم"، فجملة "لو تعلمون" للتهويل اعتراضية للتهويل. قال: ومنها الإيغال. الآن انتقل إلى هذه الستة التي ذكرها إلى قوله "والتهويل"، كلها متعلقة بالجمل الاعتراضية التي هي من الإطناب الممدوح، لأن فيه زيادة بيان. وهكذا كذلك من مواضع وأنواع الإطناب سابعا الإيغال. قال: ومنها الإيغال، وهو ختم الكلام بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها، كالمبالغة في قول الخنساء: "وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار"، فقولها "كأنه علم" واف بالمقصود، لكن أعقبته بقولها "في رأسه نار" لزيادة المبالغة. فتفسير الإيغال الإبعاد، يعني المبالغة في الوصف. قال: ونحو قوله تعالى: ﴿والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾، الأصل: "والله يرزق من يشاء"، فجملة "بغير حساب" زيادة أوتي بها لمبالغة المعنى، وهو الإيغال أو الإبعاد. قال: ثامنا ومنها التذييل، وهو تعقيب جملة بجملة أخرى مستقلة تشتمل على معناها، تأكيدا لمنطوق الأولى أو لمفهومها، نحو قوله تعالى: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾. قوله: "ومنها التذييل"، المراد بالتذييل كما قال: تعقيب جملة بجملة أخرى مستقلة تشتمل على معناها. وغالبا ما يكون هذا التذييل بتأكيد ما سبق. ونحو قوله تعالى: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾، هذا أصل الكلام، "إن الباطل كان زهوقا" هذا هو التذييل، تأكيدا لما سبق من زهوق الباطل. قال: ونحو قوله تعالى: ﴿ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور﴾، كذلك جملة "وهل نجازي إلا الكفور" هذه جملة ذيلت بها الجملة السابقة لأجل إضافة هذا المعنى تأكيدا. قال: والتذييل قسمان: قسم يستقل بمعناه لجريانه مجرى المثل، وقسم لا يستقل بمعناه لعدم جريانه مجرى المثل. فالأول الجاري مجرى الأمثال لاستقلال معناه واستغنائه عما قبله، كقول طرفة: "كل خليل قد كنت خاللته لا ترك الله له واضحة"، "كلكم أروغوا من ثعلب"، "ما أشبه الليل بالبارحة". والشاهد في قوله "ما أشبه الليل بالبارحة"، فهو جرى مجرى المثل، واستقل معناه بنفسه، فهي جملة ذيلت بها ما قبلها، فأكدت المعنى، وهي مستقلة. قال: والثاني غير الجاري مجرى الأمثال لعدم استغنائه عما قبله، ولعدم استقلاله بإفادة المعنى، كقول النابغة: "لم يبق جودك لي شيئا أمله تركتني أصحب الدنيا بلا أملي"، فالشطر الثاني مؤكد للأول، وليس مستقلا عنه، فلم يجري مجرى المثل. "لم يبق جودك لي شيئا أمله" انتهى الكلام، "تركتني أصحب الدنيا بلا أملي" هذه جملة تذييلية، ذيلت بها ما قبلها تأكيدا لمعناها، وهي لم تجر مجرى المثل، بل متعلقة بها. قال: تاسعا ومنها الاحتراس، ويقال له التكميل، أي من أنواع الإطناب الاحتراس. قال: وهو أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفع ذلك الوهم. فالاحتراس حيث يوجد، حيث ما يأتي المتكلم بمعنى يمكن أن يدخل عليه فيه لوم فيفطن لذلك، ويأتي بما يخلصه. سواء أوقع الاحتراس في وسط الكلام، كقول طرف بن العبد: "فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمي". قال: لما كان المطر مما يسبب الخراب، دفع هذا الوهم بقوله "غير مفسدها"، يعني يرجو مطرا غير مفسد، "وصوب الربيع" يعني ما يكون به أثرا نافعا كالربيع. قال: فقوله "غير مفسدها" للاحتراس، فهي مثل الجملة المعترضة. قال: أو وقع الاحتراس في آخره، نحو: ﴿ويطعمون الطعام على حبه﴾، أي مع حب الطعام واشتهائهم له، وذلك أبلغ في الكرم. وليس الحب محصورا بما في القلب، ولكن المقصود به عم من ذلك، فيكون "يطعمون الطعام مع حاجتهم له". قال: فلفظ "على حبه" فضلة، يعني جملة زائدة للاحتراس، ولزيادة التحسين في المعنى، فصار نوعا من أنواع الإطناب الذي زاد في بلاغة الكلام. قال: وكقول عرابية لرجل: "أذل الله كل عدو لك إلا نفسك"، فقولها "إلا نفسك" احتراس، لأن النفس أمارة بالسوء، حتى لا يدخل في العموم فيذل الله نفسه. فكأنها تقول: كل عدو أسأل الله أن يذله إلا نفسك الأمارة بالسوء، فأنت عالجها بما ترى بغير ما يكون عليها إذلال. قال: العاشر ومنها التتميم، وهو زيادة فضلة كمفعول أو حال أو تمييز أو جار مجرور، توجد في المعنى حسنا، بحيث لو حذفت صار الكلام مبتدلا. كقول ابن المعتز يصف فرسا: "صببنا عليها ظالمين صياطنا فطارت بها أيدي سراع وأرجل"، إذ لو حذف "ظالمين" لكان الكلام مبتدلا، لا رقة فيه ولا طلاوة، وتوهم أنها بريدة تستحق الضرب. فقوله "ظالمين" بيان لشرف هذه الخيل، وأن الخيل لا تستحق الضرب، ولكن أراد منها الإسراع. قال: ويستحسن الإطناب في الصلح بين العشائر، والمدح والثناء، والذم والهجاء، والوعظ والإرشاد، والخطابة في أمر من الأمور العامة، والتهنئة، ومنشورات الحكومة إلى الأمة، وكتب الولاة للملوك لإخبارهم بما يحدث لديهم من مهام الأمور. قال: وهناك أنواع أخرى من الإطناب، كما تقول في الشيء المستبعد: "رأيته بعيني وسمعته بأذني وذقته بفمي"، تقول ذلك لتأكيد المعنى وتقريره. وكقوله تعالى: ﴿فخر عليهم السقف من فوقهم﴾، السقف لا يخر طبعا إلا من فوق، ولكنه دل بقوله "من فوقهم" على الإحاطة والشمول. قال: وهو يشير بهذا إلى أن ما ذكر ليس حصرا، ولهذا بعضهم زاد أنواع الإطناب في أنواع الإطناب ما بلغ العشرين وأكثر، لأن أغراض الإطناب تتعلق بحسب الكلام ومواضعه وحاجته. ولذلك أشار إلى المواضع التي يستحسن فيها الإطناب، ومثل كذلك بأنواع أخرى غير الذي سبق، تأكيدا أن الذي سبق ليس للحصر. قال: وأعلم أن الإطناب أرجح عند بعضهم من الإيجاز، وحجته بذلك أن المنطق إنما هو البيان، والبيان لا يكون إلا بالإشباع، والإشباع لا يقع إلا بالإقناع. وأفضل الكلام أبينه وأشده إحاطة بالمعاني، ولا يحاط بالمعاني حاطة تامة إلا بالاستقصاء والإطناب. قال: وبعضهم قال هذا، وبعضهم زاد فقال: الأفضل المساواة. قال: والمختار أن الحاجة إلى كل من الإطناب والإيجاز ماسة، وكل موضع لا يسد أحدهم مكان الآخر فيه. وللذوق السليم القول الفصل في موطن كل منهما. وهذا هو الصواب، أن هناك مواضع يستحسن فيها الإيجاز، ومقامات ومواضع يستحسن فيها الإطناب. فالبلاغة والفصاحة والبيان تقتضي استعمال كل أسلوب فيما يناسبه في مكانه.