الدرس في المنهج لمريد العمرة والحج للعلامة العثيمين 11، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن أحكام الاستنابة في الحج وتبديل ثياب الإحرام، حيث يجب على العاجز أن يوكل من يحج عنه ويجوز للمحرم تبديل ثيابه. يجب أن يكون الوكيل قد حج عن نفسه أولًا.
يناقش أحكام الطواف والسعي للمحرم، مثل تغيير ملابس الإحرام وجواز تأخير السعي عن الطواف في حالة الزحام أو التعب واستخدام وسائل النقل في السعي.
يتناول أحكام الشك في عدد الطواف والسعي والوقوف بعرفة، وأحكام الدفع من مزدلفة للمحرم، حيث يبين كيفية التعامل مع الشك في العدد وأوقات الدفع.
يدل على أن القوي يرمي الجمرات في وقتها، بينما يرخص للضعيف رميها متى استطاع، وتخفف عن الجميع بسبب الزحام وتيسر على الناس في الحج.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرف كتاب "المنهج لمريد العمرة والحج" للعلامة العثيمين رحمه الله تعالى. شرف فضيلة الشيخ عبد الله ابن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الحادي عشر. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنه محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا فيما وضع من مسائل ذكرها شيخنا رحمه الله في كتابه "المنهج لمريد العمرة والحج". ومن هذه المسائل ما ذكره رحمه الله في الفدية لمن اصطاد صيدًا، وأنه يقدر بماذا؟ نعم، أجزاء مثل ما قتل من النعم. وتقدير هذه النعم كيف؟ نعم، فتاوى الصحابة والأقرب والأمثل. طيب، ومر معنا كذلك في إحرام الصغير، وأنه يحرص فيه على ما ينبغي أن يكون الذكر مثل الذكر، والأنثى مثل الأنثى، إلا أنه يخفف في بعض المواضع. فما هو ضابط التخفيف؟ ضابط التخفيف عندك، ما هو؟ لا، ضابط التخفيف هل في ضابط؟ نعم، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. فمعناه: إن استطاع أن يفعل كل ما يفعله للكبير فعل مثل أن يكون فوق سبع سنوات مثلًا، وإن كان أقل فتخف، وإن كان أقل زيادة فيخف، وهكذا. اليوم الاستنابة. طيب، قال شيخنا رحمه الله تعالى: الفائدة الرابعة في الاستنابة في الحج. قال: إذا وجب الحج على شخص، فإن كان قادرًا على الحج بنفسه وجب عليه أن يحج. وإن كان عاجزًا عن الحج بنفسه، فإن كان يرجو زوال عجزه كمريض يرجو الشفاء، فإنه يؤخر الحج حتى يستطيع. فإن مات قبل ذلك حج عنه من تركته، ولا إثم عليه؛ لأنه كان ينتظر الاستطاعة. والله عز وجل يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وهو في الوقت الحاضر لا يستطيع، فينتظر الاستطاعة. قال: وإن كان الذي وجب عليه الحج عاجزًا عجزًا لا يرجو زواله كالكبير والمريض الميؤوس منه، ومن لا يستطيع الركوب، فإنه يوكل من يحج عنه. الكبير ضابطه ليس السن، ولكن القدرة. ضابطه القدرة. فإن قال قائل: كيف يمكن أن يقدر ذلك بالنسبة لحال الناس اليوم؟ وكيف يمكن لولاة العمر أن يقدروا بين الكبير الذي يستطيع والذي لا يستطيع؟ فهنا قال بعض أهل العلم: إنه ينبغي أن يكون هناك جهة معينة توكل بهذا الأمر، وهذا أولى من التحديد بالسن؛ لأنه قد يكون إنسان أقل سنًا، لكنه ضعيف لا يستطيع، وآخر أكبر سنًا، لكنه قوي، فينظر في ذلك بحسب حال كل إنسان. وأما بالنسبة للشخص، فأهله وهو نفسه أعرف بنفسه. والمريض الميؤوس منه يعني أصحاب الأمراض المزمنة المقعدة التي يصعب معها السفر. وهذا هو الضابط، كما قالت المرأة: «لا يثبت على الراحلة». يعني لا يستطيع تحمل الجلوس على الراحلة والسفر، فهذا هو الضابط. قال: ويجوز أن يكون الرجل وكيلًا عن المرأة، والمرأة عن الرجل. ودليله حديث الخفعمي المتقدم. قال: وإذا كان الوكيل قد وجب عليه الحج ولم يحج عن نفسه، فإنه لا يحج عن غيره، بل يبدأ بنفسه أولًا؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يقول: «لبيك عن شبرمة». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من شبرمة؟». قال: «أخ لي أو قريب لي». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أحججت عن نفسك؟». قال: «لا». قال: «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة». رواه أبو داود، وابن ماجة، وهو حديث جاء من طرق كثيرة يرتقي بها إلى الحسن، وصححه جماعة من أهل العلم قديمًا وحديثًا. وبعض أهل العلم علله، والراجح -الله أعلم- حسن الحديث. حتى لو قيل: إنه معلل، فإن ذلك لا يعني نفي الحكم؛ لأن الحكم يثبت بمعاني أخرى. وقد جاءت كذلك آثار كثيرة عن الصحابة تؤكد ما في هذا الحديث. وهذا هو الأصل أن الإنسان يؤدي عن نفسه أولًا، ثم يؤدي عن غيره. فإن قيل: الإنسان ربما لا يستطيع في نفسه. فالمنع المانع أن يؤدي لمن استطاع؟ يقال: الجواب أولًا لوجود النص، ولأجل لا يحصل التساهل في أداء هذا الواجب. وثالثًا كذلك؛ لأنه يغلب أن الذي لم يحج عن نفسه لا يحصلح ولا يحسن أن يؤدي الحج عن غيره. ولهذا يفضل فيمن أراد أن يحج عن غيره أن يكون من ذوي الخبرة والمعرفة والعلم، وهذا أفضل وأكمل وأنفع للمحجوج عنه. قال رحمه الله: والأولى أن يصرح الوكيل بذكر موكله، فيقول: «لبيك عن فلان». وإن كانت أنت، قال: «لبيك عن أمي فلان أو عن بنتي فلان» أو حتى قال باسمها: «لبيك عن فاطمة بن فلان»، «لبيك عن فلان بن فلان»، فلا حرج في ذلك. قال: وإن نووا بقلبه ولم يذكر الاسم، فلا بأس؛ لأن الأعمال بالنيات. قال: وإن استحضر الموكل نواه بقلبه عن من وكله، وإن لم يستحضر اسمه، والله تعالى يعلمه، ولا يقف عليه؛ لأنه إنما أخذ النفقة عن فلان. حتى قال بعض أهل العلم: لو أخذ المال وفعلها لنفسه لم تصح إلا عن من وكله، «فلان» الذي أعطاه إياه، لا تقبل إلا لفلان الذي وكل به. قال رحمه الله: ويجب على الوكيل أن يتق الله تعالى، ويحرص على تكميل النسك؛ لأنه مؤتمن على ذلك. والله عز وجل أمر بأداء الأمانات إلى أهلها، يعني على أكمل وجوهها وأفضلها. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. قال: لأنه مؤتمن على ذلك، فيحرص على فعل ما يجب، وترك ما يحرم، ويكمل ما استطاع من المكملات للنسك ومسنونه. يعني لا يبخل في شيء من المسنونات والمستحبات؛ لأنه ليس له. فينبغي أن يحرص على كل خير، وليعلم أنه له مثل ذلك الأجر. فكلما استكفى واستكمل الأجر، كتب له مثله، لا ينقص من أجر صاحبه شيء. قال رحمه الله تعالى: الفائدة الخامسة في تبديل ثياب الإحرام. يجوز للمحرم بحج أو عمرة، رجلًا كان أو أنثى، تبديل ثياب الإحرام التي أحرم بها، ولبس ثياب غيرها؛ إذا كانت الثياب الثانية مما يجوز للمحرم لباسه. كما يجوز للمحرم أيضًا أن يلبس النعلين بعد الإحرام، وإن كان حين عقد إحرامه حافيًا. فكل ما يجوز لبسه يجوز تغييره، ويجوز الاستبدال به؛ حتى ولو كان ليس لابسًا له من قبل. ومثل الشيخ بمثالين: مثال أول: بالمثل، مثل إحرام بدل إحرام. فإذا أراد الإنسان أن يستبدل الإحرام لاتساخه أو لوجود رائحة فيه أو نحو ذلك، فلا بأس أن يغيره، بل هذا هو الأفضل والأكمل. وتقدم معنا في اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم في بئر طوى قبل أن يدخل بالعمرة حين دخل مكة ما يدل على ذلك؛ لأنه اغتسل قبل أن يدخل إلى العمرة والمسجد الحرام؛ لأجل أن يزيل ما علق به من آثار السفر. وهكذا كذلك ينبغي أن يكون الحاج والمعتمر إذا وصل إلى مكة، وأراد الدخول في العمرة، فإنه يستحب في حقه أن يتطهر ويتنظف، ويدخل إلى العمرة بهيئة وكيفية تليق بالتزين لهذه العبادة، وعدم إيذاء من في المسجد الحرام والطواف. والله عز وجل يقول: ﴿وَخُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، وهذا عام. ومن باب أولى المسجد الحرام، ومن باب أولى الطواف للعمرة أو الحج. وإذا كانت الثياب قد تقدرت بالسفر أو اتسخت أو حملت روائح تؤذي الطائفين، فمن باب أولى أن يغيرها؛ لأن هذا من المقصود بهذا الاغتسال. والشرع لا يفرق بين المجتمع. لا يجمع بين مفترق، والأمر الثاني: إذا احتاج أن يلبس شيئًا لم يكن قد لبسه من قبل، كان حافيًا فاحتاج أن ينتعل، كان ليس عنده مظلة فاحتاج أن يتخذ مظلة، ونحو ذلك مما يجوز أن يتخذه المحرم، لا حرج أن يتخذه، ولو كان غير متخذ له من قبل. بخلاف اعتقاد بعض الناس: أنه لا يجوز للمحرم أن يغير ما أخذه عند الإحرام، هذا خطأ. بل يجوز لباس الإحرام يغير، النعال تغير، كل شيء يحتاج أن يغيره يغيره. قال: الفائدة السادسة في محرم عتي الطواف. السنة لمن فرغ من الطواف أن يصلي ركعتي الطواف خلف المقام. فإن كان المحل القريب من المقام واسعًا فذاك، وإلا فصلهما ولو بعيدًا. وهذا علم من فعله عليه الصلاة والسلام، كما وصفه جابر بن عبد الله وغيره من الصحابة في صفة عمرته وحجه عليه الصلاة والسلام. فإن لم يتيسر خلف المقام، صلى في أي مكان في المسجد الحرام. ولكن ينبغي أن لا يصلي في طريق الناس، بل يصلي في مكان لا يؤذي أحدًا ولا يؤذيه أحد، كابن من هذين الأمرين: لا يؤذي أحدًا، أي يكون في طريقهم، ولا يؤذيه أحد، حتى لا أحد يقبع صلاته. قال رحمه الله: ويجعل المقام بينه وبين الكعبة إن استطاع. فإن لم يستطع، ففي أي مكان، ولو حتى في الجهة المعاكسة، المهم يصلي إلى الكعبة. قال: فيصدق عليه أنه صلى خلف المقام، هذا هو الأفضل والأكمل الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم. لكن إلا من يتيسر للزحام أو عمل في المسجد الحرام أو أي سبب آخر، فيصلي في أي مكان تيسر له. «فاتقوا الله ما استطعتم». قال: واتبع في ذلك هدي النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث جابر رضي الله عنه، بصفة حج النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «جعل المقام بينه وبين البيت». كما تقدم، معنى هذا هو الأفضل. ولكن إن تيسر بغير ضرر على نفسه ولا على غيره. قال: الفائدة السابعة في الموالاة في السعي، وبينه وبين الطواف. الأفضل أن يكون السعي مواليًا للطواف؛ لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قال: «خذوا عني مناسككم». قال: فإن أخره عنه كثيرًا، فلا بأس. مثل أن يطوف أول النهار، ويسعى آخره. وهذا قد يحصل في أيام الزحام، أو إذا كان صاحب العمرة أو الحج أصيب بإعياء أو مرض أو تعب أو إرهاق أو نحو ذلك، فلا بأس أن يجعل فاصلًا، ولو طويلًا، بل حتى ولو كان يوم أو أكثر من يوم. مثلًا: جاء فطاف في يوم العيد طواف الحج، وحصل له التحلل الأكبر، ثم أراد أن يسعى، ووجد زحامًا شديدًا، وقد دخل قبل ذلك في زحام شديد في الطواف، فشق عليه أن يسعى في نفس اليوم. فهل يجوز أن يؤخر إلى اليوم التالي؟ الصحيح أنه يجوز. وهذا من التيسير. وإذا سأله اليوم التالي، فقيل له: لا يزال الزحام موجودًا، فأخر، فأخر إلى يوم الثالث، وهكذا. أخر إلى أن يتيسر له السعي بغير زحام شديد، فلا حرج في ذلك. وهكذا كذلك لو حصل تقديم أو تأخير. الأصل والأفضل والأكمل -بل بعضهم يقول: واجب- أن يجعل السعي بعد الطواف. لكن إن حصل بلا شك هذا عن وجه خطأ، أنه لا حرج. يقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن سئل: «أنه سعى قبل أن يطوف». قال: «افعل ولا حرج». والرواية الصحيحة أنها صحيحة. وانتقد بعضهم هذه الرواية: تقديم السعي على الطواف. والراجح صحتها. وعلى تقدير عدم صحة هذه الرواية، فعندنا عموم الدليل: «ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء ذلك اليوم قدم أو أخر، إلا قال: افعل ولا حرج». وهذا عام. وعمومات الأدلة تدل عليه. والمشقة تجلب التيسير. هذا بالنسبة للخطأ، وبالنسبة للعمد فيه خلاف. والصحيح أنه يجوز إذا كانت تندفع به مشقة. وفي هذا الزمان مع كثرة الزحام، صار التقديم والتأخير في الأعمال التي رخص فيها التقديم والتأخير على الوجه الذي تقدم، فيه مصلحة للناس، فلا حرج أن ينظر الإنسان الأصلح. مثلًا: جاء فوجد صحن القوافل فيه زحام شديد، فقال: بدلًا من أن أرجع، أرى أمامي المسعى فيه سعة وفراغ. هل أقدم السعي على الطواف؟ الجواب: لا، بل يقدم السعي على الطواف. وهذا من التيسير الجائز. وليس من التيسير الجائز أن يطوف قبل وقت الطواف، ولا كذلك يسعى قبل وقت السعي، ولا يرمي قبل وقت الرمي؛ لأن هذا له وقت محدد. وأما ما كان في وقته، فحصل فيه تقديم وتأخير، وإخلال في الترتيب، فما جاءت به الرخصة في الخطأ، فإنه يرخص فيه عند المشقة؛ وذلك لأن الرخصة أصلها موجود. بخلاف التقديم قبل الوقت، ليس هناك أصل يدل على جواز ذلك. قال رحمه الله تعالى: أو يطوف في الليل، ويسعى بعد ذلك في النهار. ويجوز لمن تعب في السعي أن يجلس ويستريح، ثم يكمل سعيه ماشيًا أو على عربة، ونحوها. يعني أن الأمر فيه سعى تعبت في الشوط الأول، الثاني، الثالث، الرابع، لا، بل ارتاح وأكمل بعد ذلك. أو أحببت أن تغير، طفت الشوطين أو ثلاثة برجلك، ثم أحببت أن تنتقل إلى العربة. واليوم توجد العربات الكهربائية، فهل يجوز استخدامها؟ الجواب: نعم، يجوز استخدامها. ولا شك أن من يستطيع المشي، فالمشي في حقه أفضل، فعل النبي صلى الله عليه وسلم. لكن إذا كان فيه مشقة لكبر سن أو مرض أو زيادة وزن أو نحو ذلك، فالحمد لله، المشقة تجلب التيسير. قال رحمه الله: وإذا أقيمت الصلاة وهو يسعى، دخل في الصلاة. فإذا سلم، أتم سعيه من المكان الذي انتهى إليه قبل إقامة الصلاة. مثلًا: كان في السعي في وسط السعي، وقيمت الصلاة، فهنا يصلي، ثم يكمل من المكان الذي وقف فيه. وكذلك لو أقيمت الصلاة وهو يطوف، أو حضر الجنازة، فإنه يصلي. فإذا فرغ، أتم طوافه من مكانه الذي انتهى إليه قبل الصلاة. وهكذا لو نابه شيء احتاج إلى الحمام مثلًا، يتخلى، يذهب يقضي حاجته، ويرجع، ويكمل من حيث وقف. قال رحمه الله: ولا حاجة إلى إعادة الشوط الذي قطعه على القول الراجح عندي. يعني لو وقف في نصف طواف أو نصف سعي، ليس يجب عليه أن يبدأه من جديد. بل الصحيح يكمل من المكان الذي وقف، إن كان من النصف، من النصف، من الثلث، من الربع، من حيث وقف. قال رحمه الله تعالى: لأنه إذا كان القطع للصلاة معفو عنه، فلا دليل على بطلان أول الشوط. وهذا هو الصحيح عليه فتاوى الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. وقد جاء عن عدد منهم. قال: الفائدة الثامنة في الشك في عدد الطواف والسعي. قال: إذا شك الطائف في عدد الطواف، فإن كان كثير الشكوك مثل به وسواس، فإنه لا يلتفت إلى هذا الشك. وإن لم يكن كثير الشكوك، فإن كان شكه بعد أن تم الطواف، فإنه لا يلتفت إلى هذا الشك أيضًا؛ إلا أن يتيقن أنه ناقص، فيكمل ما نقص. وإن كان الشك في أثناء الطواف، مثل أن يشك: هذا الشوط الذي هو فيه الثالث أو الرابع مثلًا؟ فإن ترجح عنده أحد الأمرين، عمل بالراجح عنده. وإن لم يترجح عنده شيء، عمل باليقين، وهو الأقل. فهذه خمسة أحوال. الحالة الأولى: إنسان مبتلى بالوسواس والشكوك، فمثل هذا الإنسان لا يلتفت إلى ما يعرض عليه من شك. ودليل حديث عبد الله بن الزبير: «شك إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة». قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا ويجد ريحًا». يعني لا ينصرف بمجرد الشك، ولكن بشيء يقين ملموس. وهكذا يقال لمن ابتلي بالشك في الطواف. الحالة الثانية: أنه لا يكون عنده شك، ولكن حصل له شك في عدد معين، فإنه في هذه الحالة أتاه هذا الشك بعد الانتهاء من العمل، أو في آخر موضع في العمل. مثلًا: الآن هو واقف يريد أن يصلي أمام المقام، فجاءه شيء من الشك: هل هذا السابع فعلًا انتهيت؟ أم أنك في السادس ناقص عليك الشوط؟ ما دام هو الآن واقف للصلاة، فالأصل بقاء ما كان على ما كان، هو الآن في حال الختام والنهاية، فلا يلتفت للشك العارض. استدل العلماء على هذه القاعدة بعدة أدلة. ومنها حديث عبد الله بن زيد: «الأصل بقاء الطهارة، فلا ينصرف عنها إلا ببينة». ودليل: «الأصل بقاء كل فعل على ما هو عليه». فمن كان في التشهد الأخير، فلا يلتفت لأي شك يأتي إليه، ويقول له: «أنت ربما ما صليت أربع ركعات». لا يقول: ما دمت في التشهد الأخير، فالأصل صحة هذا العمل الذي أنا فيه. الحالة الثالثة: أن يتيقن أنه أنقص شيئًا. مثل أن يشك: هل هو في الثالث أو الرابع؟ فهنا يبني على الأقل. يبني على الأقل إن كان ليس هناك مرجح. فالأصل يبني على الأقل؛ لحديث المشهود وغيره: «في من شك في الصلاة». وحديث في السعيد كذلك، معناه: «هل صليت ثلاثًا أو أربعًا؟». قال: «فليجعلها ثلاثًا». يعني على الأقل. فإن كان هناك مرجح، فيعمل بالمرجح. فإن كان هناك مرجح يعمل بالمرجح. مثل: شك هل هي ثلاثًا أربعًا، لكن كونه قام من دون تشهد، هذا يرجح عنده أن تكون قام من الثالثة، قام من الثالثة، يعني ليس الرابع. وهكذا. قال رحمه الله: ففي المثال المذكور، إن ترجح عنده الثلاثة، جعلها ثلاثة وأتى بأربعة. وإن ترجح عنده الأربعة، جعلها أربعة وأتى بثلاثة. وهذا الترجيح بوجود قرينة تدل على الترجيح. وإن لم توجد قرينة، فإنه يأخذ بالأقل. قال: وإن لم يترجح عنده شيء، جعلها ثلاثًا -أو ثلاثة-؛ لأنها اليقين، وأتى بأربعة. يعني جعلها على الأقل، وأتى بما بعدها. قال: وحكم الشك في عدد السعي كحكم الشك في عدد الطواف في كل ما تقدم. والغالب أنه سيجد قرينة، خصوصًا في الطواف والسعي. فمثلًا: إذا كان يعقد بأنامله، ويفضل هذا كما كان يفعل بعض السلف، كان إذا طاف عقد بأنامل أصابعه، يعقد بأنامل أصبع الطواف، الطواف الأول عقد أصبع، الثاني عقد، ثالث عقد، رابع عقد. فإذا الشك ينظر في أصابعه، يرى أنها أربعة، خلص. قال: «أنا الآن ما زلت في الرابع». هذه قرينة تؤكد له أنه في الرابع أو في الخامس أو في السادس. وهكذا كذلك بالنسبة للسعي، بالذهاب والإياب، يستطيع أن يعرف، ويجعل هذا قرينة أنه ذاهب للثالث أو ذاهب للخامس، أنحو ذلك. قال رحمه الله: الفائدة التاسعة في الوقوف بعرفة. سبق أن الأفضل للحاج أن يحرم بالحج يوم الثامن من ذي الحجة، ثم يخرج إلى منى فيمكث فيها بقية يومه، ويبيت ليلة التاسع، ثم يذهب إلى عرفة. وهذا على سبيل الفضيلة. فلو خرج إلى عرفة من غير أن يذهب قبلها إلى منى، فقد ترك الأفضل، ولكن لا يثلم عليه. ولا يفعل هذا إلا لسبب. الأصل يحرص على السنة. ولكن إذا وجد سبب، مثل أن يكون هذا ترتيب الحملة، أو كذلك إن شغل في رفقته وترتيب أحوالهم وأمورهم وتفويجهم، مثل حال المشرفين ونحوهم، فلا حرج في ذلك. قال: ويجب على الواقف بعرفة أن يتأكد من حدودها. فإن بعض الحجاج يقفون خارج حدودها، إما جهلًا وإما تقليدًا لغيرهم. وهؤلاء الذين وقفوا خارج حدود عرفة لا حج لهم؛ لأنهم لم يقفوا بعرفة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة». وهذا مهم جدًا. فالحج عرفة، كاد أن يكون الحج عرفة؛ لعظم وأهمية الوقوف في عرفة. ولهذا هو ركن، فيخطئ بعض الناس في عدم التنبه لحدود عرفة، وخصوصًا حدود عرفة من جهة نمرة، يكثر الخطأ فيها؛ لأن الناس يجتمعون في المقدمة، فبعضهم يريد يدخل، فما يجد فسحة من شدة الزحام، فيقف حيث انتهى به المجلس. وهذا ليس بالصحيح. بل ينبغي أن ينظر: إذا كان هو خارج حدود الحرم عفوًا خارج حدود عرفة، وينظر في اللوحات. فإذا لابد ويجب عليه أن يدخل إلى حدود عرفة. قالوا: في أي مكان وقف من عرفة، فإنه يجزئه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وقفتها هنا، وعرفة كلها موقف». يعني ليس شرط داخل المسجد، ما يسمى مسجد عرفة أو مسجد مزدلفة. وليس شرط كذلك عند الجبل والحجارة، ولكن في أي مكان. قال: ولا يجوز لمن وقف بعرفة أن يدفع من حدودها حتى تغرب الشمس يوم عرفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف إلى الغروب. وقال: «خذوا عني مناسككم». وهذا من واجبات الوقوف في عرفة، كما تقدم معنا. ولهذا بفضل من الله اليوم يمنع المرور، يمنعون الناس ويمنع الناس من أن ينطلقوا من عرفة إلا بعد الغروب. قالوا: يمتد وقت الوقوف بعرفة إلى طلوع الفجر يوم العيد. فمن طلع عليه الفجر يوم العيد ولم يقف بعرفة، فقد فاته الحج. فإن كان قد اشترط في عقد إحرامه: «حبسني حابس، فمحلي حيث حبستني»، تحلل من إحرامه، ولا شيء عليه. وإن لم يكن اشترط، وفاته الوقوف، فإنه يتحلل بعمرة، فيذهب إلى البيت ويطوف، ويسعى، ويحلق. وإذا كان معه هدي، ذبحه. فإذا كانت السنة الثانية، قضى الحج الذي فات. وهذا هدي هديا. فإن لم يجد هديا، صام عشرة أيام: ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. هذا الحال من فاته الوقوف بعرفة. من فاته الوقوف بعرفة، فإنه فاته الحج. ولكن هو على أحد هذه الأمور الثلاثة: إن اشترط، تحلل من إحرامه؛ لأنه اشترط، ولا شيء عليه. وإن لم يشترط، أكمل بعمرة، وأتى بالحج أقرب سنة يتيسر له ذلك؛ لأجل أن يتم ما أمر الله بإتمامه. وتم الحج والعمرة لله. قال رحمه الله: الفائدة العاشرة في الدفع من مزدلفة. لا يجوز للقوي أن يدفع من مزدلفة حتى يصلي الفجر يوم العيد. وبالنسبة لقوله: «إلى طلوع الفجر»، تقدم معنا أنه أخذ من أين؟ من حديث من؟ حديث عروة بن مضرس. نعم، الطائي. فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن هذا حد المضطر. فإنه له إلى قبل صلاة الفجر، ويصلي الفجر في مزدلفة. قال رحمه الله تعالى: لا يجوز للقوي أن يدفع من مزدلفة حتى يصلي الفجر يوم العيد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها ليلة العيد، ولم يدفع منها حتى صلى الفجر. وقال: «خذوا عني مناسككم». وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «استأذن سودة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة مزدلفة تدفع قبله وقبل حطمة الناس». يعني حطمة الناس: انطلاق كل الناس، فيكون زحمة شديدة، يحطم كل شيء أمامه. قال: «وكانت امرأة ثبطة». أي ثقيلة. «فأذن لها، فخرجت قبل دفعه». وحبسنا حتى أصبحنا، فدفعنا بدفعه ومعنا حتى النساء النشيطة من النساء. يفضل بحقها أن تبيت. والضعيفة من النساء، ومن معها رفقاء يخاف عليها، فيؤذن لها. فمثلًا: فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين أسماء بنت أبي بكر وعائشة. كانت عائشة شابة صغيرة نشيطة في ذاك العام، كانت تقريبًا في سن السابعة عشر رضي الله عنها وأرضاها، فأبقاها معه، ودفعت مع النبي صلى الله عليه وسلم. وفي حديث ابن عباس: «أسماء أذن النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء وسودة وجماعة من النساء والأطفال أن يدفعوا بعد غروب القمر». يعني بعد منتصف الليل. وفي هذا دليل على التفريق بين القوي والضعيف من النساء. فمن كان من النساء يستطيع الصبر والتحمل للمشقة، فالأفضل في حقها أن تصلي الفجر في مزدلفة. ومن كانت ثقيلة أو كبيرة أو معها صحبة تحتاج عانتها، مثلًا: امرأة شابة قوية، لكنها برفقة أمها الضعيفة أو معها بعض الأطفال أو تعين أباها الضعيف، فمثل هؤلاء يرخص لهم أن ينطلقوا بعد منتصف الليل، بعد غروب القمر؛ كما أذن لِسودة وأسماء وابن عباس وجماعة؛ كما جاءت به الأحاديث. وهذا الدليل يدلنا على هذا التفصيل. والله تعالى أعلم. قال: وفي رواية: «وددت أني كنت استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة». فأصل «الصبح بمِنى»، فأرمي الجمرة قبل أن يأتي الناس؛ لأنها رأت مشقة. وهي شابة. ففي هذا دليل أنه يجوز إذا احتاجت المرأة، ولو كانت شابة، أن تترخص لأجل الزحام. ولكن إن استطاعت أن تصبر، وليس فيه مضرة عليها، فلا حرج. وهذا أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اختار لعائشة الأفضل. ولو كان الأفضل في حقها التقدم، لقال لها -ولكل من معه من النساء-: «تقدموا». وما جعل امرأة تبقى في مزدلفة. لكن كونه أبقى مجموعة من النساء، وأذن لمجموعة، دل على هذا التفصيل. والله تعالى أعلم. فهو أفضل. ولا يعني أنه لا يجوز. فيه فرق. فرق بين أفضل ويجوز. نقول: الأفضل. نقول: الأفضل في حقها. ولا نقول: أنه لا يجوز لها. إذا أحبت، فهي رخصة لها. لكن ليس رخصة للرجل القوي. لا يرخص للرجل القوي إلا في حالة واحدة: أن يكون هذا القوي في رفقة ضعفاء أو معين لضعفاء. ولهذا كان يفتي شيخنا رحمه الله تعالى: أن من كان في مركوب واحد، فيشملهم الحكم بالأغلبية. فإن كان أغلبية -مثلًا- من في الباص النساء والضعفة، فمن معهم من الأقوياء، حكمهم حكم من في الباص من الضعفة والنساء؛ لأن نزولهم وتفرقهم فيه مشقة عليهم. قال رحمه الله تعالى: وأما الضعيف الذي يشق عليه مزاحمة الناس عند الجمرة، فإن له أن يدفع قبل الفجر إذا غاب القمر. والدليل حديث أسماء، وابن عباس، وغيرهما. قال: ويرمي الجمرة قبل الناس. وفي صحيح مسلم عن أسماء: «وهل شرط أن يرمي الجمرة بعد صلاة الفجر؟». الصحيح -والمسألة فيها خلاف- أنه يجوز أن ترمى الجمرة قبل صلاة الفجر. وليس هناك شيء صحيح صريح يدل على المنع. صحيح أن الصحابة رموا بعضهم ثبت أنهم رموا بعد صلاة الفجر. ولكن لا يعني ذلك المنع من فعله قبل صلاة الفجر. بل حال الناس والمشقة الذي يراها الناس اليوم تؤكد أنها رخصة ينبغي أن يستفاد منها؛ وذلك بأن يطوف ويرمي قبل أن يأتي الزحام. وهل يجوز تقديم الطواف على الرمي؟ تقدم معنا أن الصحيح أنه يجوز، فيفعل الأصلح. قال رحمه الله تعالى: وفي صحيح مسلم عن أسماء: أنها كانت ترتقب غيوب القمر، وتسأل مولاها: «هل غاب القمر؟». فإذا قال: «نعم»، قالت: «ارحل بي». قال: «فارتحلنا حتى رمت الجمرة، ثم صليت الفجر في منزلها». فقلت لها: «أي همتاه، أي هذه، لقد غلسنا». قالت: «كلا، أي بني، إن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للضعن». يعني أنه أذن للنساء أن يفعلوا ذلك. وفي هذا دليل أنها رمت قبل أن تصلي صلاة الفجر. وما جاء في حديث عائشة وسودة: «أنهم فعلوا ذلك بعد صلاة الفجر»، يدل أن بعضهم فعل هذا، وبعضهم فعل هذا، وكله جائز. قال: ومن كان من أهل هؤلاء الضعفاء الذين يجوز لهم الدفع من مزدلفة قبل الفجر، فإنه يجوز أن يدفع معهم قبل الفجر. ويتأكد إذا كان معينًا ومساعدًا لهم؛ مثل الأمثلة التي تقدمت معنا: امرأة تعين أمها أو أباها، أو رجل يعين أمه أو أباه، فأمثال هؤلاء من باب أولى. أو كان مركوبهم واحد؛ كما تقدم. قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ابن عباس رضي الله عنه -ما في ضعف أهله- صلى الله عليه وسلم من مزدلفة بليل. وابن عباس كان في رفقة الضعفة، يعينهم. فقد رافق خالته من ميمونة رضي الله عنها وأرضاها. قال: فإن كان ضعيفًا، رمى الجمر معهم إذا وصل إلى منى؛ لأنه لا يستطيع المزاحمة. أما إن كان يستطيع زحام الناس، فإنه يأخر الرمي حتى تطلع الشمس؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غلمان بني عبد المطلب على حمورات لنا من جمع». فجعل يلطف أفخاذنا، ويقول: «أي بني، لا ترموا حتى تطلع الشمس». رواه الخمسة، والترمذي، وابن حبان. والحديث مختلف في صحته. بعضهم ضعفه، وضعف بعض ألفاظه. وعلى تقدير صحته، فيدل أن هذا في حق القوي، لا في حق الضعيف والمرافق للضعيف. فالقوي يأخر الرمي إن استطاع، ولا يشق عليه ذلك. أما مثل حال زماننا هذا: الحجاج بالملايين، فمن وصل إلى الجمرة، فليحمد الله، وليرم؛ مدام قد وصل. ويكون له في هذا تخفيف، تخفيف. سواء أكان مرافقًا للضعفة أو كان مع مركوب واحد مع الضعفة. وعلى هذا فتوى