كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 7

كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 7

الدرس في كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 7، الدرس السابع:من( ولو ترك قسمة الغنيمة وترك هذا القول وسكت سكوت الأذن في الانتهاب ... وتجوز النيابة في الجهاد بالجعل إذا كان النائب ممن لم يتعين عليه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الإذن العرفي والسكوتي

يتناول المقطع شرح مفهوم الإذن العرفي والسكوتي في الفقه الإسلامي، حيث يبين أن الإذن لا يكون بالقول فقط، بل يمكن أن يكون بالفعل أو بالإقرار. يشرح الشيخ ابن بريك آراء شيخ الإسلام ابن قيمية رحمه الله تعالى في هذا السياق.

تطبيقات الإذن العرفي في الشريعة

يشرح المقطع مفهوم الإذن العرفي في الشريعة الإسلامية، ويتناول مسألة أخذ المال المشترك بدون إذن صريح، مع التركيز على شرط انتفاء المفسدة. كما يوضح أن الإذن العرفي كالإذن اللفظي، ويجوز أخذ ما يحتاجه الشخص من المال المشترك إذا علم رضا الآخرين بذلك.

أحكام الغنيمة والنيابة في الجهاد

يتناول المقطع أحكام الغنيمة وتوزيعها، حيث يبين أن النساء والصبيان والعبيد لا يسهم لهم في الغنيمة ولكن يعطون الرضخ، كما يشرح جواز النيابة في الجهاد بالجعل لمن لم يتعين عليه الجهاد.

ختام الدرس وتوضيح النقاط الأخيرة

تم اختتام الدرس لانتهاء الوقت، وقد تم تجاوز الوقت المحدد قليلاً. وقد تم تغطية المواضيع الرئيسية المتعلقة بالإذن العرفي والسكوتي وأحكام الغنيمة والنيابة في الجهاد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن قيمية رحمه الله تعالى فيما نقل عنه في اختياراته: قال «ولو ترك قسمة الغنيمة وترك هذا القول وسكت سكوت الإذن في الانتهاب وأقر على ذلك فهو إذن، فإن الإذن تارة يكون بالقول وتارة يكون بالفعل وتارة يكون بالإقرار على ذلك، فالثلاث في هذا الباب سواء كما في إباحة المالك في أكل طعامه ونحو ذلك». يعني قد يكون بالقول، يقول: تفضل، كل. وقد يكون بالفعل، بأن يبدأ بالأكل، فيكون بدءه إذنًا لك بالبدء. وقد يكون بالإقرار، بما جرى في العرف، إذا قرب الطعام للضيف وكان وحده أن يأكل، أو إذا دخل الرجل في بيت قريبه ووجد طعامًا أكل بما جرى به العرف. فكذلك يقول بالنسبة للغنيمة، كذلك بالنسبة للغنيمة، يعني إذا حصلت القسمة من الأمير بقوله: اقسموا. أو بأن يبتدئ القسمة بفعله، فيعين من قبل من يعينه على ما جرى به عملهم، فإنه كذلك إذن. أو كذلك كان هناك عرف بينهم، فيكون ذلك بالإقرار، بأن يكون مثلًا في عرفهم إذا حصل النصر وجمعوا الغنائم، فإنه يحصل قسمها، ويتكفل بقسمها من هو موكل بذلك، فهذا إقرار. هذا من الإقرار، مع الانتباه أن الأصل في هذا الباب هو ماذا؟ هو المنع والحرمة حتى يأتي الإذن، حتى يأتي الإذن، هذا هو الأصل. فإذا التبس عليك فإنه عليه أن يتوقف حتى يستيقن الإذن، ولا بأس أن يكون الإذن غير لفظي، قولي أو فعلي أو كذلك تقريري، يعني ليس شرط أن يكون قوليا فقط. قال رحمه الله تعالى: «فالثلاث في هذا الباب سواء كما في إباحة المالك في أكل طعامه ونحو ذلك». بل لو عرف أنه راض بذلك بدون أن يصدر منه قول ظاهر أو فعل ظاهر أو إقرار، فرضًا، فرضًا، لعله فرضًا عندي، فرضًا، فرضًا من يعتبر إذنه، يعني رضي ذلك الفعل، فرضًا، فرضًا من يعتبر إذنه بمنزلة إذنه الدال على ذلك. نعم، فرضًا، قال: فرضًا من يعتبر إذنه بمنزلة إذنه الدال على ذلك، إذن الأصل رضا، حتى لو أقام الحد وعقد الأنكحة من يرضى الإمام بفعله ذلك، كان بمنزلة إذنه على أكثر أصولنا، مثل الحال مع من يؤذن لهم بالإذن السكوتي، فهو إقرار. كـ«العلماء والقضاة الذين يقضون بين الناس بغير وظيفة، فيوجد في مشايخ القبائل وفي أطراف البلاد، بلاد المسلمين، من العلماء ومن يقومون بأقضية الناس، من يقومون بذلك، وليس عندهم إذن مكتوب ولا إذن ملفوظ، ليس عندهم إذن مكتوب ولا إذن ملفوظ، ولكن الإذن حصل بماذا؟ بالإقرار والسكوت، بالإقرار والسكوت». فالإقرار والسكوت عن هؤلاء، ما علمي ولي الأمر بذلك، هذا إذن، هذا إذن، خصوصًا أنه جرى العرف أن أمثال هؤلاء يقومون بمثل هذه المهام، فالعالم مثلًا يقوم بالأنكحة ويصدر الفتاوى، وبعض مشايخ القبائل قد يقومون أو يوكلون من يقوم بأقضية الناس في المواضع النائية التي ليس فيها محاكم ولا شرط، وهم بهذا يحفظون أمن الناس. وفعلهم هذا بإقرار، ليس بشيء مكتوب ولا شيء ماذا؟ ملفوظ. وكما قيل: الإذن العرفي كالإذن اللفظي، وهذه قاعدة فقهية نص عليها العلماء، دلت عليها أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وجرى عليه عمل أهل العلم قديمًا وحديثًا. قال رحمه الله تعالى: «وفي قوله: لو أقام الحد، فيه دليل على أن يقام الحد إذا حصل به الإذن العرفي فهو كذلك يجوز، ولا ينافي هذا ما عليه اعتقاد أهل السنة من أن الحدود لا يقيمها إلا ولي الأمر، فإن المعنى: لا يقيمها إلا ولي الأمر أو من يأذن له ولي الأمر». وعلى هذا، وجه العلماء ما نقل عن بعض الصحابة من ضربي وقتل بعض السحرة، لأنهم من المأذون لهم، لأنهم من المأذون لهم. فمن كان مأذونًا له، مثل شيخ قبيلة، مكنه الله من قبيلته، وحصل له الإذن العرفي والسكوتي والإقراري من ولي الأمر بحفظ أمن قبيلته وأقضيتها. فهل يجوز له أن يأمر بقتل ساحر مفسد مثلًا؟ الجواب: يجوز. أفتى بعض أهل العلم بأنه يجوز لمثل هذا أن يفعل ذلك، يجوز له أن يفعل ذلك، خصوصًا وأنه قد وكل في الدماء. فبعض مشايخ القبائل أذن لهم أن يحفظوا أمن قبائلهم بإقامة القصاص، القاتل يقتل، لا يرجع إلى كما يقال المركزية، الدولة المسلمة أذنت له، هذه الدولة إذنًا عرفيًا وسكوتيا، ليس بشيء ملفوظ ولا مكتوب، أن يحفظ أمن بلاده وأرضه ورعيته بإقامة الحدود. ولكن عليها أن يتق الله بأن يقيمها على ما علم من شرع الله، ليس بالأعراف القبلية الجاهلية، ولا بالحكومات كذلك التي جرى عليها عرف بعض المشايخ، وهي تخالف الشرع، ولكن بما علم من شرع الله، وإن خفي عليه شيء استعان بأهل العلم، استعان بأهل العلم. فهذا الإذن ليس إذنًا لفظيًا ولا مكتوبًا، ولكنه إذن عرفي وسكوتي. ومثله كذلك في مسألة قسم الغنيمة، قال رحمه الله تعالى: «كان بمنزلة إذنه على أكثر أصولنا»، يعني هذا له نظائر في مسائل كثيرة في كتب الفقه وأبواب الفقه. قال: «فإن الإذن العرفي عندنا كاللفظي، وهذه قاعدة اتفق عليها جمهور أهل العلم». قال: «والرضى الخاص كالإذن العام، فيجوز للإنسان أن يأكل طعام من يعلم رضاه بذلك لما بينهما من المودة». وعلى هذا جاءت الآية في الأكل من طعام القريب والصديق. ومن ملك الإنسان مفاتح بيته، فكونك تعطى مفتاح البيت بجميع غرفه، هذا إذن لك فيه، لأن صاحب البيت في الغالب إذا لا يريدك تدخل مكان ماذا سيفعل؟ سيغلق ذلك المكان. استأذنت إنسان أن تسكن في بيته فأعطاك مفتاح البيت بكامل غرفه، نص العلماء أن من كان كذلك لا يجوز له أن يعاتب من أعطاه المفتاح كونه دخل مكانًا مفتوحًا أو معه مفتاحه، لأنه لو كان يمنعه من شيء كان عليه أن يستثني عليه، يستثني، يقول له مثلًا: أنا ما أذن لك تدخل غرفة النوم بالدور، أو لا يعطيه مفتاح غرفة النوم، يغلق غرفة النوم ويعطيه مفاتيح كل البيت إلا غرفة النوم مثلًا. وهكذا لو دخل بيتًا عنده مفتاحه، ومنه مفتاح المطبخ، فدخل المطبخ فوجد الثلاجة، يجوز يأكل من الثلاجة بدون إذن، الجواب: نعم، يجوز. فمن أعطاك مفتاح البيت وبما فيه المطبخ وبما فيه الثلاجة المفتوحة، فقد أذن لك بالأكل منها، أذن لك بالأكل منها. فالإذن اللفظي كالإذن العرفي، كالإذن اللفظي، الإذن العرفي كالإذن اللفظي. وهكذا كذلك في قسم الغنيمة، وهذا هو المقصود. قال رحمه الله تعالى: «فيجوز للإنسان أن يأكل طعام من يعلم رضاه بذلك لما بينهما من المودة». وهذا أصل في الإباحة والوكالة والولايات. وطبعًا قد تقيد هذه الإطلاقات بقيود، إما منصوصة وإما جرى بها العرف، وإما جرى بها العرف. فمثلًا إذا دخل ضيف، نزل ضيف عند إنسان، وقيل له: يا فلان، اليوم يأتينا ضيف، فنحتاج بيتك لمدة يوم، قال: تفضلوا، هذا المفتاح، أغلق غرفة النوم مثلًا، وأعطاهم باقي مفاتيح البيت، فجاء الضيف فوجد في الثلاجة طعام يكفي أسبوع، فأخذه كله، ووجد في الدواليب طعام يكفي شهر أو شهرين، فأخذه كله. هل يجوز له؟ ويقول: الإذن العرفي كالإذن اللفظي، الرجل أعطاني مفتاح البيت، إذن لا بأس، نأتي بالسيارة وأحمل ما فيها، هذا لا شك أنه عدوان واعتداء. فالعرف لا يأذن بمثل هذا. دخل يوم، لا بأس له أن يستمتع إكرامًا من صاحب البيت بما في البيت في حق يوم، حق يوم واحد. فأنت إذا أخذت من الثلاجة تأخذ طعام يوم، هذا مأذون لك. إذا احتجت أن تأخذ مما في الخزانات في المطبخ، تأخذ ما يكفيك اليوم. وداخل البيت ليس خارج البيت، لأن العرف لم يجري أن يأخذ الضيف معه ما في البيت، إنما العرف جرى إكرام الضيف في البيت ليس خارج البيت. فأخذه أكثر من ذلك، هذا من المما يستثنى، واستثنى بالعرف، كما أذن بالعرف، استثنى استثنى كذلك بماذا؟ استثنى كذلك بالعرف. قال رحمه الله: «لكن لو ترك القسمة ولم يرضى بالانتهاب، إما لعجزه أو لأخذ المال أو نحو ذلك، أو جار في القسمة»، يعني في القسمة، كما جاء في بعض النسخ: «أو بيع»، قال: «فهنا من قدر على أخذ مبلغ حقه من هذا المال المشترك فله ذلك، لأن مالكيه متعينون، وهو قريب من الورثة، لكن بشرط انتفاء المفسدة من فتنة أو نحوها». وهذه مسائل أخرى تلحق بمسألة الإذن. علمنا الآن فيما سبق أن الإذن لا يشترط أن يكون بلفظ، قد يكون بلفظ أو بفعل أو بإقرار، فيترتب على هذا: لو ترك الأمير قسمة، أو كذلك لم يرضى بالقسمة لأمر ما، إما لعجزه عن أن يقسم، حصل فوضى، أو خشية مفسدة، أو أشياء أخرى، أو لسبب ما، أو لأن المال بعضه أخذ، أو نحو ذلك، أو حتى حصل جور في القسمة. فهنا يقول: هل يجوز للمقاتل أن يأخذ حقه الذي علم أنه له من هذا المال المشترك من دون إذن؟ أجاب الشيخ بأنه يجوز له ذلك بشرط انتفاء المفسدة من فتنة ونحوها. إذا كان هناك مال مشترك، وحصل فيه التوقف لمعنى عام، وعلم بما سبق أن مثل هذا مأذون فيه، لكن هناك مانع منه، حصل التأخر لأجله. فهنا يقول: يجوز أن يأخذ، لكن بشرط انتفاء المفسدة من الفتنة ونحوها. وفي الغالب، هذه المفسدة لا تكاد تنتفي مع مثل هذه الأحوال، الغالب لا تكاد تنتفي، لأن الناس إلا من رحم الله جبلوا على المشاحة في هذا الباب. عندي بالانتهاب، لكن قد يكون الانتهاب يعني بمعنى حصل شيء يمنع، وهذا يدخل في قوله: «إما أو إلى آخر إلى قولي أو نحو ذلك»، يعني يدخل فيه أسباب كثيرة، إما انتهاء، وإما انتهاب. أنت عندك انتهاب ممكن، ممكن يكون انتهاب هو يحتمل، لكن نحن نأخذ على الظاهر، ظاهر اللفظ، لكن في قوله: عندكم انتهاب، ما شاء الله، طيب، إذن هذا هو الصواب، لأنه هو الذي يناسبه السياق. نقول: فيه نسخة: «الانتهاب»، وهو الذي يقتضيه السياق، جيد. فعلى هذا: لو ترك القسمة أي الأمير، ولم يرضى بالانتهاب، يعني أن يأخذ كل إنسان بنفسه، إما لعجزه عن القسم، أو لأخذ المال، أو نحو ذلك، أو حصل جور في القسمة. فالمهم إذا حصل مثل هذه الأحوال ونحوها، فهل يجوز؟ الجواب كما تقدم مما أجاب شيخ الإسلام: أن من قدر على أخذ مبلغ حقه من هذا المال المشترك فله ذلك، لأن مالك هذا المال المشترك هم هؤلاء الموجودون، هم هؤلاء الموجودون الذين حضروا الغزوة، ولهم نصيب في المغنم. لكن كما قال: قيده أن تنتفي المفسدة في تصرفه هذا. ويضاف إلى هذا شيء آخر: أن يكون أخذه بيقين في نصيبه، لأنه قد يقدر لنفسه شيئًا لا يحل له. لكن إذا علم ما هو نصيبه في ذلك، كان يكون الشيء معروف مقسوم، ولكن حصل الخلاف لشيء آخر لا يسبب إشكال في هذه القسمة، وإنما كان الانتظار لمعنى من المعاني الأخرى. فهنا يقال له: لك أن تأخذ، لأن الإذن العرفي كالإذن اللفظي، بشرط أن لا يؤدي إلى مفسدة، بشرط أن لا يؤدي إلى مفسدة. ولكن كما تقدم: الغالب أن مثل هذه المسائل لا تسلم من المفاسد، لا تسلم من المفاسد. فالمفاسد تلاحقها، خصوصًا في مثل زماننا هذا، مع قلة العلم وكثرة الجهل أهله وقلة الدين، فإنه تحصل المشاحة الشديدة. فينبغي في مثل هذا المقام أن لا يفتح باب فتنة، بل ينتظر ويرفق بالأمر حتى يتم تدبير الأمور بما يكون فيه سلامة، وكذلك رضاء الجميع، سلامة ورضاء الجميع. على أنه ينبغي أن يعتنى بتعليم وتربية المجاهدين أعظم من تدريبهم، إذا كان يعتنى بتدريبهم الحسي، فتعليمهم المعنوي وترويضهم وتدريبهم على توطين الصبر ونحو ذلك مما يكون به إصلاح أحوال الجيش، هذا أمر مهم. وذلك يكمن في حصول الطاعة الصحيحة. قال رحمه الله: «ويرضخ للبغال والحمير، وهو قياس المذهب والأصول، كما يرضخ لمن لا سهم له من النساء والعبيد والصبيان». ومعنى الرضخ هو العطاء القليل بغير تقدير، يعني لا يقال مثلًا كما سيأتي معنا إن شاء الله في قسمة الأربعة الأخماس التي هي للمقاتلين: يكون سهم للراجل، وسهمان للفرس، وثلاثة أسهم للراكب على فرس، سهم له وسهمان لفرسه. فيقول: إذا حضر الوقعة من عنده بغل أو حمار، ولا شك أن البغل والحمار يستعان به في حمل بعض أمتعة المقاتلين، فهل يعطى له شيء؟ قال هنا: نعم. وهذه مسألة فيها خلاف، والصحيح ما ذكر رحمه الله: «يرضخ للبغال والحمير». قال: «وهو قياس المذهب والأصول». قال: «كما يرضخ أين القياس؟ قياس على الإرضاخ لمن لا سهم له من النساء والعبيد والصبيان». إذا حضر الغزو النساء والعبيد والصبيان، فهم يساعدون المقاتلين في أعمال، ولكن لم يأتي في الشرع أن لهم سهم، فلا يسهم لهم. وقد رويت آثار كثيرة في هذا الباب، والصحيح في ذلك أن هؤلاء يعطون من الرضخ، أي العطاء غير المقدر، ولا يعطون سهما. وما روي عن الأوزاعي مرسلًا أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم للنساء في خيبر، فهو مرسل ليس بصحيح. فمن استدل به من أهل العلم أخطأ في هذا الاستدلال. وأكثر ما روي في هذا الباب من الإسهام للنساء، فهو إما خطأ وإما لم يصح. فالصحيح أنه لا يسهم إلا للمسلمين المقاتلين الذين فيهم وصف القتال. فإن حضر القتال امرأة أو عبد أو صبي، بل حتى كافر احتاج إليه المسلمون، فإنه لا يعطى سهما، وإنما يعطى أحد شيئين: إما أن يعطى ما يسميه العلماء رضخًا، وهو العطاء القليل غير المقدر. وإما أن يعطى أجرة، سواء كانت الأجرة مشروطة قبل أو كانت الأجرة بما جرى به العرف، أو كانت الأجرة بما جرى به العرف. وقد ذكر العلماء أن ما روي في هذا الباب من آثار ينبغي أن يحمل على الرضخ لا السهم، وهو العطاء القليل، إلا أن يكون هناك أجرة منصوص عليها، فبالأجرة، فبالأجرة. وهذا هو الأصل في هذا الباب. فإذا دل القياس الصحيح على أن الرضخ لا ينحصر في النساء، لأن الآثار رويت في حق النساء، ورويت كذلك في حق بعض الكفار الذين يحتاج إليهم، فيحمل على ذلك. فقد رويت آثار ومراسيل يشد بعضها بعضًا، تؤيد وجود هذا الأصل في الدين، وأن السلف قد فعلوه وعملوا به. وهو إعطاء الرضخ لمن شارك في الغزوة ولم يكن مستحقًا للسهم، فلا يسهم له، لكن لا يضيع جهده ومشاركته وإعانته. رحمك الله. واستثنى العلماء من ذلك من قتل قتيلا فله سلبه، فنص كثير من العلماء، وهذا هو الصحيح أنه على عمومه. فلو قتلت امرأة رجلا مشركًا فلها سلب هذا المشرك، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل قتيلا فله سلبه». وكذلك لو قتل الصبي الصغير المشرك فله سلبه، ويدل عليه ما جاء في الصحيح في قصة قتل أبي جهل من قبل الغلامين، فإنه يدل على هذا المعنى وعموم هذا الحديث، والله أعلم. قال رحمه الله: «وتجوز النيابة في الجهاد بالجعل إذا كان النائب ممن لم يتعين عليه». ويجوز النيابة في الجهاد بالجعل، الجعل هو الأجرة غير المقدرة، يعني يقال له: سنعطيك أجرة، لكن لا تحدد، لماذا؟ لأنه لا يعرف هل سيبذل جهدًا كبيرًا أو جهدًا قليلًا. وباب الجعالة في كتاب البيوع معروف، فهي الأجرة غير المحددة، لأن التحديد سيكون بعد رؤية العمل. فإن عمل عملًا كثيرًا أعطي بقدر عمله، وإن عمل عملًا قليلًا أعطي كذلك بقدر عمله، فيجوز. وقوله: «النيابة الآن الجعل قد يحتاج إليه مع من يحتاج إليه ممن ليس عليه الجهاد». فيجوز مثلًا أن يخرج المسلمون معهم بعض النساء مثلًا للتمريض وللطبيب إذا احتاجوا إلى ذلك، أو بعض الصبيان للخدمة، أو حتى بعض الكفار إذا احتيج إليهم في خبرتهم الخاصة التي يحتاجها المسلمون ليست عند المسلمين. وكما مر معنا أنه يجوز الاستعانة بالمشرك عند الضرورة وبضوابطها، فيجوز الاستعانة به في هذا الموضع. فماذا يعطى إذا استعين به؟ إما أجر محددة، وإما جعل، والجعل من معنى الأجرة، وإما الرضخ، الرضخ أن يعطى شيء ليس سهم، دون السهم، إذا كان السهم مئة ألف، فلا يعطى سهما، يعطى أقل من السهم، يعطى أقل من السهم، شيء يرضيه، شيء يرضيه، لأنه استعين به في غير قتال المجاهدين. فقتال المجاهدين أشد، وعليهم أعمال أعظم، وهو دون ذلك، وأحتجي إليه في شيء محدود محصور، فيعطى كذلك. طيب إذا كان هذا الجعل بالنسبة للنيابة، وهذا هو قوله: «تجوز النيابة في الجهاد بالجعل»، مثلًا إذا قال إنسان: أنا ما سأخرج، أنا أريد أخرج معكم، لكن عندي عمل وعندي أمور والتزامات، أو عندي مريض، أو نحو ذلك، ولكن سأرسل معكم من يذهب بدلا عني، سأعطيه أجرة وجعلا، ويكون لي معكم سهمي، هل يجوز هذا؟ نص العلماء أن هذا يجوز، ننتبه لهذا. رجل من المسلمين ممن توفرت فيه صفات المقاتلين الذين يسهم لهم، لكنه ما خرج بنفسه، أرسل من ينوبه في هذا الأمر بأجرة، هل يجوز؟ الجواب كما ذكر رحمه الله: يجوز، لكن يقيد يقيد بماذا؟ بأن هذا ممن يؤذن لمثله في الشرع، يؤذن لمثله في الشرع. فإن كان كافرًا فلا يرضى به إلا للضرورة، مثلًا احتاج المقاتلون إلى رجل عنده خبرة في البرمجة، أمور البرمجيات في الحاسوب ونحوه، وعندهم مسلم يعرف هذا، ولكن هذا المسلم اعتذر في هذه الغزوة، حصل له أمر طارئ يمنعه، فقال لهم: سأرسل لكم إنسان يقوم بعملي، وهو مأمون معروف، وأنتم تعرفونه، ولكنه كافر، وهو مأمون، وأنا سأعطيه أجرته من عندي، وأنتم تخرجون لي سهمي، هل يجوز هذا؟ الصحيح أنه يجوز، يجوز، لكن بما تقدم من شروط، ما تقدم من شروط، يعني للضرورة، ومع أمن مثل هذا الإنسان الذي يحتاج إليه. قال رحمه الله: «وتجوز النيابة في الجهاد بالجعل إذا كان النائب ممن لم يتعين عليه»، يعني ممن لم يتعين عليه الجهاد، مثل هذا المثال، الكافر لا يقبل أصلا في الجهاد، لكن إذا احتيج إليه للضرورة، فيعطى الجعل، ويكون من من أنابه. وهذا المنيب يكون له سهمه، لأن هذا ما له دخل، سيأخذ أجرته وجعله، سواء غنموا أو لم يغنموا، واضح. حصلت لهم الغنيمة أو لم تحصل، حصلت لهم الخسارة أو حصلت لهم، حصل لهم الفوز، حصلت لهم الهزيمة أو حصلت لهم كذلك الانتصار. طيب نقف إلى هنا لانتهاء الوقت، وقد أخذنا شيئًا زيادة في الوقت، فإلى هنا، والله تعالى أعلم.