الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 49، الدرس التاسع والأربعون:من( ومن الفروق قولهم:أن من أدى عن غيره ديناً واجباً ... وإن كان بغير ذلك وجب من الأجرة بقدر ما استوفى ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الفرق بين أداء الدين الواجب وغير الواجب من حيث النية والرجوع. يُفرق بين التصرف الفضولي وغير الفضولي.
يتم توضيح الفروق بين الإجارة والجعالة من حيث كونهما عقد لازم أو جائز ومعلوم أو مجهول. الجعالة تجوز في أعمال القرب.
يتم تفصيل أحكام الإجارة والجعالة في الشريعة، حيث تجوز الجعالة في القرب ولا تجوز الإجارة في المجهول. يستحق العامل الأجرة بناءً على العقد.
يتم تلخيص الفروق بين الإيجارة والجعالة بسبب الالتباس فيها، ويُعلن عن استكمال النقاش في درس لاحق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن الفروق قولهم: من أدى عن غيره دينا واجبا ناويا للرجوع رجع، وإلا لم يرجع. كذلك من الفروق الصحيحة التفريق في باب الديون بين ما نوى صاحبه، أي في من أدى عن غيره دينا الرجوع، فإنه يرجع، وما لم فلا يرجع. وفرق بين الدين الواجب وغيره. ومر معنا هذا في درس الأصول في منظومة الشيخ السعدي رحمه الله في بيت من يذكره: «ومن يؤدي عن أخيه واجبا إن نوى أن يطالبا نعم، ومن يؤدي عن أخيه واجبا له الرجوع إن نوى أن يطالبا». ومعناه: من أدى عن أخيه أمرا واجبا ونوى بذلك المطالبة به بعد ذلك، فله الرجوع في ذلك. وهذا يعبر عنه الفقهاء أحيانا بالتصرف الفضولي والتصرف غير الفضولي. فيقولون: أن من تصرف تصرفا غير فضولي -يعني في الأمور الضرورية- فله الرجوع إن نوى أن يطالب. مثاله: رأى رجلا مسافرا وأسرته في حاجة ماسة أصابها الضرر، فدفع لهم ما يدفع عنهم الضرر. فلما جاء من السفر، أي رب البيت، هل يجوز له أن يطالب؟ وهل يجوز لمن دفع لأسرته أن يمتنع؟ الجواب: يجوز للأول أن يطالب، ولا يجوز للثاني أن يمتنع؛ لأنه أدى عنه ما يدفع عنه الضرر. والله عز وجل يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، ويقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾. فإذا كان كذلك، فلا يجوز له أن يمتنع من سداد الدين الذي طالب به ولو فعل ذلك بغير إذنه؛ لأنه فعل ذلك خشية هلاك أو دفع مضرة، وهو من باب الإحسان. والمسلم للمسلم كالبنيان، فما دام كذلك فيدفع. فإن قال: أنا ما عندي، يقال: إذا كان ما عندك يبقى دين عليك، ولا يلزمك السداد إلا متى ما تيسر لك. لا يلزمك السداد إلا متى ما تيسر لك. لكن إذا كان هذا في أمر ليس بواجب، انظر قوله: من أدى عن غيره دينا واجبا. إذا كان في أمر ليس بواجب، مثل أن يأتي إلى بيت هذا الإنسان المسافر فيغرس له نخلة، ويفعل له أشجار زينة، ويعمل أمام بيته ضلة. ثم يأتي الرجل من السفر، يقول: يا فلان، انظر البيت كيف صار جميلا. يقول: ما شاء الله جميل. يقول: الآن عليك دين مئة ألف. كيف مئة ألف؟ أنا ما أذنت لك، ولا طلبت منك، ولا أرضى بمثل هذا. فيقول: خلاص، أنا فعلت لك هذا أجر وحسنة، فأنت ينبغي أن تدفع لي. هل يجوز مثل هذا؟ الجواب: لا. فليس يجب على الثاني أن يدفع للأول. ليس يجب، لكن إن دفع فلا بأس. قد يبتلى بقريب فيه حماقة وغفلة الصالحين، فلا بأس إذا دفع له، لكن لا يجب عليه. وهذا هو تفريق العلماء بين الواجب وغير الواجب، وهو بتعبير آخر لهم: يفرقون بين التصرف الفضولي والتصرف غير الفضولي. فغير الفضولي ما تدفع به مضرة، والفضولي ما ليس كذلك، ولو كان نفقا لقريب. ولو كان نفقا لقريب، مثلا جاء الولد وقال: أنا أريد شيئا للدراسة. أين أبوك؟ قال: أبي مسافر. دفع له ودفع له ودفع له. جاء الأب، قال: هذا ولدك أخذ مني كذا وكذا من المال. فيقول: من قال لك تدفع له؟ هذا الولد لعاب، وكل أقرباء يعرفون أنه لعاب. كيف تعطيه؟ أنا ما أذن لك أن تعطيه، ولماذا لم تتصل علي؟ وهكذا. فهل يجب على الأب أن يدفع؟ الصحيح أنه لا يجب أن يدفع؛ لأنه فعل هذا بغير إذن، وفي غير أمر ضروري. ومع ذلك لا ينبغي له أن يترك الدفع، بل يدفع ويتحمل، ما دام أن الأول أراد الإحسان. لكن العلماء يذكرون هذا إذا ما حصل شيء من الخصومات، فروفع إلى الحاكم والقاضي، فالقاضي والحاكم قد يصلح، لكن لا يجوز له أن يلزم. فرق بين الإصلاح وبين طلب كذلك فعل الأحسن وبين الإلزام؛ فإنه لا دليل يدل من الشرع على الإلزام. قال رحمه الله تعالى: والأصل في الأموال الحرمة. الأصل في الأموال الحرمة، فلا يجوز أن يستحل من مال أخيه شيء إلا بإذنه، كما أنه لا يجوز أن يرتضي هذا الإنسان أن يأخذ من مال أخيه إلا بحق وطيب نفسه. قال رحمه الله: ومن الفروق الصحيحة بين الإجارة والجعالة أن الإجارة عقد لازم على عمل معلوم مع معين، والجعالة عقد جائز. الإجارة عقد لازم، وعلى عمل معلوم معين. أما الجعالة عقد جائز، ليس بلازم؛ لأنه لم يقع به التزام. فالجعالة أوسع من الإجارة. وهنا على عمل معلوم معين، والجعالة قد يكون على غير عمل معين ولا معلوم. لا يجوز أن يستأجر إنسان في عمل مجهول، ويجوز أن يعطيه جعلا في أمر مجهول، كأن يقول له مثلا: ترافقني في سفرة هذه على أن أجعل لك جعلا. يقول: لا بأس. يرافقه في السفر، الله أعلم ماذا في السفر، أن تكون أعمال كثيرة، أعمال قليلة، يجعل له جعلا إذا حصل التراضي بهذا كان ذلك. قال رحمه الله: أو مثلا كذلك عمل خاص يحدده، تأتي لي بناقتي يكون لك كذا وكذا، ليس إجارة، إنما هذا جعل، ونحو ذلك من الأعمال. قال رحمه الله: والعمل قد يكون معلوما وقد يكون مجهولا، يعني في الجعالة. فالجعالة أوسع. قال: وتكون مع معين ومع غير معين. مثال المعلوم علمنا، ومثال المجهول علمنا. وتكون مع معين ومع غير معين. قد تجعل الجعالة مع إنسان معين بعينه، وقد تجعل الجعالة مطلقة. تقول مثلا: من أتى لي بجمل الضائع فله عندي جعل. أطلقت، أي واحد يأتي به له جعل، مثل ما تقول له هدية أو له مكافأة. فهذا مع غير معين. أنت أطلقت: من أتى به فله كذا وكذا، سواء سميت الجعل أو لم تسمي الجعل. فهذا عمل جائز غير ملزم لأحد. من أتى به استحق الجعل، ومن لم يأتي به لم يستحق الجعل. لكن لا يجوز أن تستأجر إجارة في هذا الأمر المجهول. لا يجوز أن تستأجر إجارة في هذا الأمر المجهول، ويجوز أن تجعل له جعالة. قال رحمه الله تعالى: والجعالة تجوز على أعمال القرب بخلاف الإجارة. يعني الجعالة يجوز أن يكون التعامل فيها حتى ولو في العبادات، أعمال القرب، يعني كالعبادات ونحوها من القربات، بخلاف الإجارة لا يجوز. ودليل أهل العلم في هذا التفريق ما جاء في الصحيحين في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه في قصة اللذيغ، فإنهم نزلوا عند قوم، فطلبوا ضيافتهم فأبوا نضيفهم، فأصيب شيخهم -أو رئيس قبيلتهم أو كبيرهم- بلدغة. فأتوا إليهم: هل عندكم شيء بهذا؟ فقالوا: نعم، لكن اشترطوا أن يجعلوا لهم جعلا. قالوا: هل تجعلون لنا جعلا إن أتيناكم فطلبنا أن تضيفون؟ فأبيتم، فهل تجعلون لنا جعلا -يعني تعطون شيئا إذا نحن عالجنا هذا- فقالوا: نعم. فتشارطوا، ثم قرأوا بالفاتحة. الحديث كما جاء في الصحيحين. فقولهم: هل تجعلون لنا جعلا، سموا هذا جعلا. ولهذا العلماء قالوا: ما جاء من النهي عن أخذ الأجرة في القرآن، هذا من باب الإجارة. لا يجوز، لا يجوز أخذ الأجرة في القرآن في الإجارة. وهكذا مثله: ما جاء «قوس من نار»، ونحوه من الأحاديث التي وردت. ومر معنا أن بعضهم ذكر لها تفاسير وتأويلات. المهم أن الجعل، نص الحديث رخص لهم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، وهم سموه جعلا، ليس إجارة. وقد أشكل هذا الباب على كثير من أهل العلم، فلهذا ناسب أن يذكر المؤلف رحمه الله هذا التفريق بين باب الإجارة وباب الجعالة، بأن الجعالة يجوز أن يكون في المجهول، وفي كذلك غير المعين، وفي أعمال القرب. والإجارة لا تجوز أن تكون في المجهول، ولا يجوز أن تكون في غير المعين، ولا يجوز أن تكون في أعمال القرب. وعلى هذا يحمل كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا». قالوا: لا يأخذ أجرة؛ لأنه قال: أجرا. طيب وهل يمكن أن يكون كل مؤذني المسلمين في الدنيا محتسبون؟ هم محتسبون. الجواب: لا، هذا غير ممكن. لابد أن يوظف بعض هؤلاء. إذن كيف يوظف هؤلاء؟ الجواب: يعطون جعلا، ولا يعطون إجارة. ليس أجرة، وإنما جعل يعطى لهم. وهذا الجعل عقد جائز، ويجوز في القرب. وبعضهم قد يسميه مكافأة، وبعضهم قد يسميه مسميات أخرى. فالمهم هو ليس بمعنى الإجارة؛ لأن الإجارة ممنوعة في باب القرب بنص أحاديث كثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: ولا يستحق العوض في الجعالة حتى يعمل جميع العمل. لو عمل بعض العمل لم يستحق، لم يستحق شيئا، ولو فعل ولم يصل إلى النهاية لم يستحق شيئا، بخلاف الإجارة. بخلاف الإجارة؛ فإنه لو كان عقد إجارة فإنه سيأتي أنه قد يستحق. قال: وَأَمَّا الْإِجَارَةُ فَفِيهَا تَفْصِيلٍ. إن كان المانع لتكميل العمل من جهة المؤجر فلا شيء له، وإن كان من جهة المستأجر فعليه كل الأجرة، وإن كان بغير ذلك وجب من الأجرة بقدر ما استوفى. يعني إذا كان هناك تفريط من أحد الطرفين، فمن كان السبب يتحمل تبعة هذا السبب. مثلا رجل استأجر أجيرا على عمل في بيته باليوم، فعمل عملا قليلا في البيت، ثم انتهى العمل أو انقطع العمل؛ لأنه لم يأتي بالمواد أو نحو ذلك. فهل يلزمه بالأجرة؟ أم لا يلزمه؟ الجواب: إذا كان الاتفاق على أجرة يوم كامل، فتلزمه أجرة يوم كامل؛ لأن الاتفاق معه بأجرة يوم، على أنه لو أن ذاك لم يأخذ إلا قدر أجرة ما عمل، كان هذا الأحوط. لكن يجوز له أن يأخذ أجرة يوم كامل؛ لأن هذا فرغ نفسه هذا اليوم معه، لم يقل له بالساعة، وإنما قال له باليوم. قال له باليوم، فإذا عمل بعض العمل وكان سبب عدم التكمل في العمل من جهة صاحب العمل لا من جهة العامل، فيلزم صاحب العمل أجرة يوم كامل. وإن كان العكس، قال: أريدك اليوم أن تعمل معي، فعمل معه في نصف وقت العمل، طرى طارئ للعامل، قال: أنا سأنسحب، عندي ظرف وسأمشي. هنا يجوز له، ما دام أنه سيأتي بعامل آخر، يجوز له أن يقول: أنت لم تكمل العمل، ولم تكمل عمل اليوم، وليس لك عندي شيء. يجوز، لكن الأحوط أنه يأتي بعامل آخر ويكمل عمل الأول، فما أخذ الثاني خصم للأول منه. هذا هو العدل. إذا أخذ الثاني مثلا ثلثي الأجرة، كم بقي للأول؟ ثلث الأجرة. ثلث أجرة اليوم، مع أن الأول ربما عمل نصف اليوم، لكن الثاني ما رضي أن يعمل نصف العمل بماذا؟ بنصف الأجرة. إنما طلب نصف العمل بماذا؟ بثلثي الأجرة. فإذا هل من الظلم أن يعطي الأول ثلث الأجرة؟ الجواب: لا، ليس من الظلم أن يعطي الأول ثلث الأجرة، ولو كان قد عمل نصف العمل، ولو كان يستحق نصف الأجرة. لماذا؟ لأنه لم يكمل عمله، وكان التفريط منه. بخلاف ما إذا كان التفريط من صاحب العمل. وهذا هو العدل الذي تدل عليه عمومات الشريعة. فإن كان ليس من هذا ولا من هذا، أحيانا يأتي شيء ليس من أحد، إنما من طرف ثالث. مثلا يحصل شيء يمنع من العمل، كريح تهب مثلا أو أمطار تهطل، فينقطع العمل، ليس التفريط من العامل ولا من صاحب العمل. ففي هذه الحالة يعطيه بقدر عمله. كم ساعات عمل اليوم؟ مثلا ثمان ساعات عمل أربع ساعات، إذن استحق نصف الأجرة. وإن كان هناك عمل بقدر جهده، مثلا حفر نصف الحفرة، إذن له نصف الأجرة وهكذا. طيب فخلاصة هذا التفريق: أن العلماء فرقوا بين ما يجب وما لا يجب من المسائل فيما يتعلق بالإيجارة والجعالة، لشدة الالتباس في هذه المسائل على ما سمعنا. طيب نكتفي بهذا، وانتهاء الوقت، ونكمل ما تبقى بدرس لاحق، والله تعالى أعلم.