الدرس في تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ المقطع الأول بتفسير سورة الحديد، حيث يُفسّر قوله تعالى ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ويشرح معنى التسبيح وأهمية استخدام "ما" دون "من". يُبيّن أيضًا معنى اللام في "لِلَّهِ" وأهميتها في إثبات كمال الاستحقاق لله سبحانه وتعالى.
يتناول المقطعان الثاني والثالث التفسير اللغوي والبلاغي للآيات، ويبرز الفروق الدقيقة في المعاني بين استخدام "سبّح الله" و"سبّح لله". كما يشرح استخدام "ما" بدل "من" في سياق التسبيح وتفسير أسماء الله الحسنى مثل "العزيز" و"الحكيم".
يناقش المقطعان الأخيران أهمية إثبات أسماء الله وصفاته كما جاءت في الكتاب والسنة دون تغيير أو تحريف، ويحذر من التعطيل والتمثيل في فهم معانيها. يُنبه على أن الصواب هو تمرير الآيات والأحاديث كما جاءت دون اعتراض.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، له ملك السماوات والأرض، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم. قال المفسر رحمه الله: سورة الحديد مكية أو مدنية، وآياتها تسع وعشرون، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: نزّه كل شيء، فاللام مزيدة، وجيء بـ"ما" دون "من" تغليبا للأكثر، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في ملكه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه، له ملك السماوات والأرض، يحيي بالإنشاء، ويميت بعده، وهو على كل شيء قدير، هو الأول قبل كل شيء بلا بداية، والآخر بعد كل شيء بلا نهاية، والظاهر بالأدلة عليه، والباطن عن إدراك الحواس، وهو بكل شيء عليم. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذه سورة الحديد، كما ذكر رحمه الله: سورة مكية أو مدنية، وقد اختلف أهل التفسير لورود آيات مكية وآيات مدنية، وإن كان أكثرها فيه وصف الآيات المدنية. وقوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، قال: أي نزّه كل شيء، فاللام مزيدة. قد تقدم معنا أنه لا يوجد شيء زائد في القرآن، بل كل ما في القرآن أوتي به لجمال لفظي وكمال معنوي. فأما الجمال اللفظي، فهو ما يكون من تمام الانسباك والانتظام، وأما الجمال المعنوي، وهو ما يكون من كمال المعنى. هذا على وجه العموم، ثم لكل موضع لأهل العلم بالتفسير واللغة كلام يدل على غاية البيان والفصاحة التي نزل بها القرآن. فاللام هنا ليست مزيدة، بل أتي بها لإثبات كمال الاستحقاق للرب العظيم سبحانه وتعالى، وذلك بإثبات التسبيح له سبحانه وتعالى. ولا يخفى أن هذا المعنى يبلغ ويعظم بإضافتها دون حذفها. ونحن نعرف أن العربية لغة الفصاحة والبيان، وعند أهل العربية: زيادة المعنى تدل على زيادة المبنى، تدل على زيادة المعنى. المعنى أن الفعل الذي يعدى بنفسه إذا عُدي بحرف، تضمن تعديته بهذا الحرف معنى زائدا أريد إضافته. وهذا من هذه المواضع الكثيرة التي تدل على إضافة معنى زائد. فحين تقول: "سبّح الله ما في السماوات والأرض"، أثبتت تسبيح ممن ما في السماوات والأرض لله سبحانه وتعالى. وحين تقول: "سبّح لله"، أضفت فوق التسبيح: التمليك، واستحقاق الإفراد. والمعنى الزائد هو إضافة هذه المعاني التي أضيفت بإضافة هذا الحرف الذي أضيف. وهذا لا شك أنه أبلغ. فليس هناك شيء زائد. وقوله: "وجيء بـ"ما" دون "من" تغليبا للأكثر"، هذا وجه عند أهل التفسير. ووجه آخر: أتي بـ"ما" لأن "ما" تستخدم للذي يعقل والذي لا يعقل أحيانا، فلذلك أتي بها بخلاف "من". وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، قال: في ملكه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه. هذا من التفسير ببعض المعنى، وإلا فهو العزيز سبحانه وتعالى في ذاته، وفي أسمائه وصفاته، وفي سائر أفعاله سبحانه وتعالى، لا يختص ذلك بالملك. وهو الحكيم في ذاته، وفي أسمائه وصفاته، وفي سائر أفعاله سبحانه وتعالى، ومن ذلك الملك والصنع. وهكذا كذلك فيما أنزل وبعث به أنبياءه ورسله. وهذا مناسبة افتتاح عدد من السور بالتسبيح، التنزيه لله عز وجل، وبهذين الاسمين العظيمين لله سبحانه وتعالى: العزيز الحكيم، عزيز بكماله في ذاته وأسمائه وصفاته وسائر أفعاله، حكيم فيما يكون كذلك في شأنه، في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. وهذا يناسب نزول القرآن مع ما يكون من تكذيب المكذبين من الكافرين والمجرمين، ومحاربتهم لما نزل به الرب العظيم، وما جاءت به الرسل عليهم أفضل الصلاة والتسليم. وقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، قال: يحيي بالإنشاء، والمعنى: جئ به بسياق الجملة الاسمية لا الجملة الفعلية. وذلك جئ به بالجملة الفعلية هناك ما نرى لما في هذا من التجدد، ما يناسب التسبيح والتنزيه والتعظيم لله عز وجل. وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، والمعنى أنه كذلك لإضافة هذا المعنى الذي يؤتى به بالجملة الإنشائية للخبرية. وقوله رحمه الله في تفسير قول الله عز وجل: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾، قال: الأول قبل كل شيء بلا بداية، والآخر بعد كل شيء بلا نهاية، إلى آخر ما ذكر رحمه الله تعالى، إلى قوله: "عن إدراك الحواس"، هذا خلاف ما دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة. وكما أشار في التعليق: أن الأولى ترك مثل هذا التعبير. فالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه اكتفى بقوله: "أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء". فاكتفى بهذا. ولا شك أن هذا يجري على ظاهره بما يليق بجلال الله وعظمته سبحانه وتعالى. وهذه اللفظة فيها ما فيها مما يسلكه بعض المتكلمين، زعما منهم أنهم يريدون التنزيه لله عز وجل. وهذا التنزيه الذي زعموه أوصلهم إلى التعطيل، تعطيل أسماء الله وصفاته عن المعاني التي لأجلها أتي بها. بل الله عز وجل أول، لا تنافي أوليته آخريته، وآخر لا تنافي آخريته أوليته، وظاهر لا ينافي ظاهريته باطنيته، وباطن لا تنافي باطنيته ظاهريته. وهو بكل شيء محيط، وهو بكل شيء عليم، وهو على كل شيء قدير. فهو سبحانه وتعالى يوصف بما وصف به نفسه على أكمل الوجوه وأحسنها. فلله الأسماء الحسنى والصفات العليا، ومع ذلك: ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله. وكما أننا نثبت لله ذاتا لا كالذوات، فنثبت له أسماء وصفات وأفعالا لا كأسماء وصفات وأفعال المخلوقين. ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. فننفي عنه معنى المماثلة، ونثبت له ما يليق به من كماله وجلاله في أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى. فنمر هذه الأسماء والصفات والأفعال التي أثبتتها أدلة الكتاب والسنة كما جاءت، لا نتعرض لها بشيء من التعطيل والتحريف، لا للفظها ولا لمعناها. ومن جهل شيئا وكله إلى من يعلمه. وأمن يتعرض للألفاظ بشيء من التحريف، وكذلك التعسف. فهذا خلاف طريقة القرآن والسنة، وما كان عليه سلف الأمة. ولذلك تجد أن الكثير من المتكلمين ممن يفر مما زعموا أنه يورد النقص، فيفرون من إثبات بعض ألفاظ الكتاب والسنة في باب الأسماء والصفات، زعما منهم تنزيها لله، فيقعون في التعطيل. كما أن بعض الطوائف يفرون من التعطيل، فيقعون في التمثيل. والصواب أن تمر هذه الآيات والأحاديث كما جاءت، كما كان سلفنا وإمتنا يقولون: تمر كما جاءت، لا يتعرض لها باعتراض، لا في لفظها ولا في معناها. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه السلام.