تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 2

تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 2

الدرس في تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

خلق السماوات والأرض وعظمة الله

يشرح المقطع خلق السماوات والأرض في ستة أيام واستواء الله على العرش، ويبين عظمة الله في خلقه والحكمة من خلق السماوات والأرض. يُظهر أهمية التأني والإتقان في أمور الحياة.

تفسير الاستواء والعلو والعلم الإلهي

يفسر المقطع الآيات المتعلقة بالاستواء والعلو والعلم الإلهي، ويشرح معاني العرش والكرسي والاستواء على العرش. يُوضح معاني الولوج والخروج من الأرض والنزول من السماء والعروج فيها.

شرح العروج والمعية الإلهية

يفسر المقطع معنى العروج في القرآن وعلاقته بالصعود إلى السماء، ويشرح معنى المعية الإلهية وعلاقتها بالعلو والقرب. يُبين أن الله مع خلقه بعلمه وإحاطته وقدرته.

دلالة اسم الله البصير

يشرح المقطع دلالة اسم الله البصير على علمه المحيط وإحاطته بكل شيء، وإحكام رؤيته لكل عمل يعمله العباد. يُظهر معية الله لخلقه وعلمه المحيط بكل ما يعملون.

التفريغ النصي الكامل

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ «له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور». قال المفسر رحمه الله: «هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام من أيام الدنيا، أولها الأحد وآخرها الجمعة، ثم استوى على العرش - الكرسي - استواء يليق به، يعلم ما يلج - يدخل - في الأرض كالمطر والأموات، وما يخرج منها كالنبات والمعادن، وما ينزل من السماء كالرحمة والعذاب، وما يعرج - يصعد - فيها كالأعمال الصالحة والسيئة، وهو معكم - بعلمه - أينما كنتم، والله بما تعملون بصير، له ملك السماوات والأرض، وإلى الله ترجع الأمور - الموجودات - جميعها، يولج الليل - يدخله - في النهار فيزيد وينقص الليل، ويولج النهار في الليل فيزيد وينقص النهار، وهو عليم بذات الصدور - بما فيها من الأسرار والمعتقدات -». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذه الآيات العظيمات من هذه السورة باستفتاح هذه السورة التي استفتحت بتسبيح الله عز وجل وتعظيمه، وذكر عمومي وعظيم ملكه للسماوات والأرض، وواسع قدرته، وشيء من عظيم صفاته. فلما ذكر اسمه الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم. ناسب أن يذكر بعده خلق السماوات والأرض تنبيهًا على عظيم عظمته في خلقه، وذلك يدل على عظمته سبحانه في ذاته وأسمائه وصفاته. ولهذا أتبع فقال جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. وقوله رحمه الله: «من أيام الدنيا، أولها الأحد وأخرها الجمعة» كما صحت بذلك الأدلة كما في سورة فصلت، وهكذا كذلك في الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقوله رحمه الله: «من أيام الدنيا» هذا هو الأصل أن الله عز وجل خلق السماوات والأرض بأيام في أيام من أيام الدنيا، على ظاهر ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة، وهو قادر جل وعلا على أن يخلقها بقوله «كن فيكون»، ولكن الله سبحانه وتعالى لعظيم حكمته خلقها بهذا التوقيت. والله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض بهذا التوقيت كما ذكر العلماء لعدة معاني منها أنه جل وعلا خلقها كذلك ليُتقنها؛ لأنها مخلوقات يقوم بعضها على بعض، فخلق سبع سماوات، ومن الأرض مثلها، فكل سماء تقوم على الأخرى، فلم يخلقها لحظة واحدة ليُتقنها ولأن بعضها يقوم في بعض. وكذلك كما قال أهل العلم: ليكون في هذا تعليم للإنسان أن يتأنى في أموره ويرفق بها ويحكمها ويُتقنها. فإذا كان الله العظيم الذي هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له «كن فيكون»، خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ومن حكمة الله في ذلك إتقانها وإحكامها وقيام بعضها على بعض، فالإنسان من باب أولى أن يكون في قوله وفعله من الإتقان والإحكام ما يقوم بعضه على بعض، وفيه من الرفق والتأني ما يتحقق به هذا المقصود. وقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال: «الكرسي استواء يليق به». قال بالتعليق الصحيح: «أنه غير الكرسي»، وهو كما قال رحمه الله في التعليق. فالعرش هو معروف في اللغة سرير الملك، وبالنسبة لله عز وجل بما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. والكرسي موضع القدمين، فيكون العرش غير الكرسي بأدلة الكتاب والسنة. ويثبت لله عز وجل الاستواء على ما يُعلم من معاني اللغة بما يليق بجلاله وعظمته، استواء من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. والاستواء معنى من معاني العلو، فهو له العلو: علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر. واستواءه سبحانه وتعالى لا يعني افتقاره جل وعلا لما يستوي عليه، بل استواء يليق بجلاله وعظمته، لا يتعرض لذلك بليما وكيف، بل نقول: نثبته ونمره كما جاء، على القاعدة التي تكررت وسبق الكلام عليها: أن القول في الصفات فرع عن القول في الذات. فكما أننا نثبت لله ذاتًا لا تدرك، تليق بجلاله وعظمته، فنثبت لله صفات لا كالصفات، تليق بجلاله وعظمته، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾ قال: «يدخل». والولوج أعمق وأبلغ وأوسع من الدخول، فالدخول قد يكون في فضاء، وقد يكون من منفذ، فتقول: دخل الرجل المدينة، وكذلك دخل الباب. وأما الولوج فهو أخص وأدق من جهة اللغة، ولذلك عبر به في هذا الموضع: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي ما يكون واصلًا إلى الأرض. فالولوج فيه معاني غير معنى الدخول، فقد يكون فيه دخول كالصواعق، وكذلك النيازك وغير ذلك مما يدخل في باطن الأرض، وقد يكون كذلك ما يكون على سطح الأرض أو في طبقات الأرض، وقد يكون حسيًا، وقد يكون معنويًا. ولهذا عبر بالولوج ولم يعبر بالدخول، قال: «كالمطر والأموات» يعني المطر مثال للحسي، والأموات مثال للمعنوي. والمطر يشمل ما يبقى على سطح الأرض أو يدخل إلى جوفه، وهكذا كذلك معنى الولوج تناول ذلك كله. وقوله: ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ قال: «كالنبات والمعادن» يعني ما يخرج من الأرض، وهذا من التفسير ببعض المعنى كالذي قبله، وإلا في الخارج أعظم من ذلك وأكثر، فالنبات يخرج من الأرض، والمعادن تخرج من الأرض، والماء يخرج من الأرض، وغير ذلك يخرج من الأرض، وكل هذا بعظيم قدرته، وكذلك إتقانه وحكمته سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ قالت: «الرحمة والعذاب»، كذلك النزول يكون من علو إلى سفل، والعروج يكون من سفل إلى علو، فينزل الله عز وجل من السماء الشيء الحسي والمعنوي، فالمعنوي كالرحمة والعذاب، والحسي كالملائكة، وكذلك ما يشاء. والسماء يتناول العلو بإطلاق وتقييد، فقد يكون علو نسبي، فطبقات السماء وما بين ذلك من العلو، كما قال الله عز وجل: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أي من على السماء، أي الله بما يليق بجلاله وعظمته. وقال: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ وإنما السحاب دون السماء الأولى، وهذا كذلك موضع من مواضع العلو. وهكذا فالعلو يتناول أشياء كثيرة، ومنها هذه الأمثلة. وقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ قال: «يصعد». وقد تقدم معنى أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فالعروج معنى غير معنى الصعود، العروج يشعر بوجود مراحل كالمعراج، وهو الدرج والسلم، فيسمى في اللغة معراجًا إلى يومنا هذا من ألفاظنا في أي بلادنا، يقولون: ائتنا بالمعراج - أي السلم - لماذا سمي سلما ومعراجا؟ لأنه يطلع ويصعد فيه درجة درجة، ففيه درجات ومراحل. وكذلك السماء فيها درجات ومراحل، فالصعود إلى السماء طبقات بعضها فوق بعض. وقد أثبت العلم الحديث أن السماء والفضاء ليس شيئًا واحدًا، بل طبقات بعضها فوق بعض، كل طبقة تختلف عن الأخرى. وبه نعرف بلاغة القرآن كيف عبر بالعروج ولم يعبر بالصعود إشارة إلى هذا المعنى البليغ. ولهذا قال بعض أهل العلم: «فيه علم من أعلام ودلائل نبوته عليه الصلاة والسلام؛ فإن مثل هذا لا يمكن أن يعلمه إنسان، وإنما الله العظيم الحكيم أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك». قال: «فيها كالأعمال الصالحة والسيئة»، وهذا من العروج المعنوي، وقد يكون عروجًا حسيًا، فالعروج للحسي والمعنوي معًا، ومن الحسي صعود الملائكة، وصعود من يشاء الله من خلقه، كما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء والمعراج، الإسراء كان من مكة إلى بيت المقدس، والمعراج كان من بيت المقدس إلى السماوات، مرورًا بطبقات هذه السماوات طبقة طبقة، ولهذا سمي معراجًا، لم يصعد دفعة واحدة، ولكنه عرج به جبريل عليه الصلاة والسلام طبقة طبقة. وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ قال رحمه الله: «بعلمه». وكما تقدم معنا أن هذا التفسير أباه بعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذ ابن القيم رحمه الله، حتى لا يحصر المعنى به، وفيه بل هو معنى سبحانه وتعالى بعلمه وإحاطته وقدرته، لا ينحصر ذلك بعلمه، حتى ولو قيل: إنه معنى بذاته، فإن هذه اللفظة يثبت معناها ولا يثبت لفظها، فهو معنى في علوه. ولما لم يعبر لفظ الكتاب والسنة بلفظ «بذاته» لم يعبر بها علماء الإسلام، وإن كان معناها مثبت. ومثل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بمعنى المعية تقريبًا للمعنى، ولله المثل الأعلى، قال: «كقول القائل: سرنا طوال الليل والقمر معنا» يعني معية القمر بعلوه الخاص الذي يليق به كمخلوق، وهذه المعية لا تقتضي مخالطة القمر للسائرين المسافرين، ولكن ضوء القمر يصل إلى المسافرين، ووجود القمر ملازم للمسافرين. ولله المثل الأعلى، فالله العظيم مع خلقه بإحاطته وقدرته، وكذلك سعة علمه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، فالله قريب مع بعده، وهو سبحانه وتعالى كذلك محيط لخلقه مع علوه، ولا ينافي هذا ذاك. ولما ذكر الأول والآخر والظاهر والباطن، ناسب أن يذكرها هنا العلو والمعية. وإذا ذكرت المعية مع العلو لإثبات كمال علوه الذي لا ينافي قربه، وإذا ذكرت المعية ومعها العلو لإثبات أن قربه لا ينافي ماذا؟ علوه سبحانه وتعالى، فيثبت على ما يليق بجلال الله وعظمته: ﴿أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي أن معية الله لا يفوتها زمان ولا مكان، فهو معنا حيثما كنا، كما قال الله عز وجل: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ إذا ترن اسمه البصير بالعلم دل على معنى زائد، وهو أن علمه فيه كذلك شيء من المعنى الزائد في إضافة البصير، أي علمه فيه غاية من الإتقان والإحكام والإحاطة، وهذا من معاني إحاطته سبحانه وتعالى وعموم معيته جل وعلا. صلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله الصحيح وسلم.