الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بتوضيح مفهوم توحيد الأسماء والصفات، ويشرح إفراد الله في أسمائه وصفاته. يُثبت الصفات من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل مستنداً إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
يناقش إثبات صفات الله تعالى مثل اليدين والسمع والبصر والعلم والقوة وغيرها، مستنداً إلى القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة، مع التأكيد على عدم تشبيه هذه الصفات بصفات المخلوقين.
يشرح نهج أهل الحديث والأثر في التعامل مع صفات الله تعالى، حيث يثبتون الصفات كما جاءت في الكتاب والسنة دون تحريف أو تشبيه أو تكييف، ويكلون علم الكيف إلى الله تعالى.
يُؤكد على أهمية الوقوف عند حدود الدليل وعدم الخوض في الغيب أو تأويل النصوص بما يخالف ظاهرها أو ما استقر عليه الفهم في اللغة العربية، ويجب على المسلم أن يكل أمر الغيب إلى الله تعالى.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب «عقيدة السلف أصحاب الحديث» للإمام أبي إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني -رحمه الله تعالى- تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثالث. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، أما بعد. مر معنا ما ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- من مسائل ابتدأ بها هذه الرسالة في اعتقاد أهل الحديث والأثر، ومن ذلك أنه ابتدأ بذكر وحدانية الله -عز وجل-، وشهادة أصحاب الحديث والأثر وأتباع السلف الصالح، أتباع الكتاب والسنة، بالوحدانية لله -عز وجل-. وعلمنا أن الوحدانية ثلاثة أقسام، ما هي هذه الثلاثة؟ عندك: ربوبية، وألوهية، وأسماء وصفات. نعم. وما تعريف الربوبية؟ إفراد الله في أفعاله. نعم، أحسنتم. والألوهية عندك؟ إفراد الله في أفعال عباده أو خلقه. والأسماء وصفات عندك؟ أسماء وصفات عندك، عندك إفراد الله... هكذا كمل. زد: وسمى إفراد الله فيما وصف وسمى به نفسه في كتابه أو سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-. وشرع المؤلف -رحمه الله- بذكر ما يتعلق بالأسماء والصفات، لماذا؟ حتى توحيد الربوبية والألوهية مذكور في القرآن، فلماذا المؤلف ذكر الأسماء والصفات؟ ما تعرض هنا في البداية إلى الربوبية والألوهية. نعم؛ لأن الفتنة التي وقعت في زمانه، والسؤال الذي ورد كان يتعلق بمبحث الأسماء والصفات، ولذلك بدأ الكلام بهذا. ما هي القاعدة في باب الأسماء والصفات؟ ما هي القاعدة؟ أرفع صوتك؟ نثبتها كيف؟ ما أثبته للرسول -صلى الله عليه وسلم- كمل: من غير تحريف ولا تعطيل، من غير تكييف ولا تمثيل. نعم: من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وعلمنا الدليل على ذلك، ما هو الدليل على هذا؟ ما عندك؟ الدليل على هذا الإثبات... ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، هذا في باب إثبات الأسماء والصفات، ولكن من غير تحريف ولا تعطيل، من غير تكييف ولا تمثيل. دليل: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾، هذا في الرد على الإلحاد في باب الأسماء والصفات. لكن القاعدة: نعم، نعم، هذا التحريف كذلك، لكن هذه القاعدة: من غير تحريف ولا تعطيل، من غير تكييف ولا تمثيل. هم؟ عندك؟ نعم: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. نعم. ونرى المؤلف -رحمه الله- يعبر بالتشبيه، وأكثر أهل العلم يقولون: الأولى التعبير بالتمثيل. والله -سبحانه وتعالى- إنما نفى المثل، والسمي والمكافي: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، هل تعلم له سمياً؟ كذلك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ليس في القرآن ولا في السنة ذكر نفي الشبيه أو الشبه، لماذا؟ لأن الشبه قد يوجد في الألفاظ، وكذلك المعاني، ولكن في الحقائق تختلف، في الحقائق تختلف. فنثبت لله علما، وللمخلوق كذلك: ماذا؟ علما. معنى العلم بالنسبة لله: يشبه معنى العلم بالنسبة ل...؟ للمخلوق أو لا؟ معنى لا. أقول: المثل، أصل معنى العلم: ليس العلم لله ليس كمعنى العلم للمخلوق. اليد لله معناه معلوم، واليد للمخلوق معناه: ماذا؟ معلوم. ففي شبه في اللفظ، وفي شبه في المعنى، ولكن هل يد الله -سبحانه وتعالى العظيم- الذي ليس كمثله شيء مثل يد المخلوق؟ لا، ليس كيد المخلوق. ولهذا نحن ننفي المثل، ولننفي: ماذا؟ الشبه. فالألفاظ تتشابه، والمعاني تتقارب، ولكن لا توجد مماثلة. فالله -سبحانه- ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فقد ذكر الآية -رحمه الله تعالى-، ثم ذكر -رحمه الله تعالى- شيئا من التفصيل في الصفات، وبدأ بذكر صفة اليدين لله -عز وجل-، وذلك لأن أهل البدع والأهواء من الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والمرجئة وهؤلاء خمس فرق، كلهم اجتمعوا في نفي هذه الصفة، في نفي هذه الصفة، وهم من المعطلة الذين عطلوا وحرفوا الصفات، عطلوا وحرفوا باب الأسماء والصفات، ومن ذلك هذه الصفة التي وصف الله -عز وجل- بها نفسه. فالله قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، باللغة وبالشرع، نحن لا نفهم معنى اليد إلا اليد التي نعرفها في اللغة. فالله أثبت هذا لنفسه، فالواجب على المسلم أن يثبت هذا لله -عز وجل-، ولا يعني إثبات ذلك أنها مثل يد المخلوق؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- الذي ليس له نظير ولا كفء ولا مساوي ولا مثل -سبحانه وتعالى- في ذاته، كذلك ليس له مثل ولا مكافئ ولا مساوي في صفاته -سبحانه وتعالى-. وكما قال العلماء: قاعدة القول في الصفات فرع عن القول في الذات، القول في الصفات فرع عن القول في الذات. فكما أننا نثبت لله ذاتا لا كالذوات، فنثبت لله -عز وجل- صفات لا كالصفات. فالله -عز وجل- له ذات تليق بجلاله وعظمته، لا تساوي ولا تماثل ذوات المخلوقين، وكذلك لله -عز وجل- صفات لا تساويه ولا تماثله صفات: ماذا؟ المخلوقين. ولهذا كذلك القاعدة الأخرى: القول في الصفات فرع عن القول: ماذا؟ في الذات. فكما أننا نثبت لله ذاتا لا كالذوات، فنثبت لله -عز وجل- صفات لا كالصفات. فقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، نثبت أن لله يدين حقيقيتين تليق بجلاله وعظمته -سبحانه وتعالى-. وقوله -سبحانه-: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، في هذا كذلك إثبات اليد لله -سبحانه وتعالى-. فمن حرف هاتين الصفتين، صفة اليد في هاتين الآيتين، فقد حرف القرآن، وعطل ما أثبت الله -عز وجل- لنفسه. وسيأتي معنا أنهم حرفوه، فقالوا: إن ذلك إنما هو نعمة أو قوة، وكل هذا من التحريف الباطل. ثم ذكر عددا من الأخبار، منها: محاجة موسى وآدم، في الحديث: «خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ»، والحديث أصله في صحيح مسلم. فالشاهد: أن الله -عز وجل- كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- خلق آدم بيده، فأكرم آدم بخلقه بيده -سبحانه وتعالى-، فأثبت أنه خلق آدم بيده. فلا نقول ونعطل هذا الذي نفهمه بمعنى اللغة والشرع، كما قالت المعطلة: لا يصح أن يقال بيده: أي بقوته أو بنعمته، فهذا تحريف وتعطيل لهذه الصفة التي أثبت الله -عز وجل- أثبتها الله -سبحانه وتعالى- لنفسه بكلام رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والحديث في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه أرضاه-. وهكذا قوله -عليه الصلاة والسلام- بالحديث الآخر: «لَا أَجْعَلُ صَالَهُ مِنْ خَلَقْتُهُ بِيَدِي، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي، كَمَنْ قَالَ لَهُ: كُنْ فَكَانَ»، في بعض النسخ: هذا الموضع فيه سقط، فيه سقط. والصواب هو إكمال الحديث على هذا النسق، والحديث ورد بطرق فيها ضعف مرفوعة، وموقوفة ومقطوعة ومرسلة، يرتقي بمجموعه إلى الحسن، يرتقي بمجموعه إلى الحسن. وقد جاء من حديث جابر بن عبد الله، وكذلك من حديث عبد الله بن عمر، وكذلك مرسلا عن زيد بن أسلم، وموقوفا عن عبد الله بن عمر، ومرفوعا عن الحسن، ومرسلا عن الحسن، وكذلك مرفوعا عن أنس، وعن جماعة من الصحابة والتابعين، موقوفا ومرفوعا ومقطوعا ومرسلا، يرتقي بمجموع طرقه إلى الحسن. وقد أشار المحقق في أحد النسخ إلى بعض هذه الروايات في هذا الحديث. والشاهد منه: قوله -عليه الصلاة والسلام-: أن الله -عز وجل- خلق آدم بيده -سبحانه وتعالى-. وذكر كذلك الحديث الثالث، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «خَلَقَ اللَّهُ الْفِرْدَوْسَ بِيَدِهِ»، والحديث بهذا اللفظ ضعيف، لا يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه من حديث عبد الله بن عبد الله بن الحارث، عن نبيه، وعبد الله بن الحارث لم يسمع من النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهي رواية مرسلة، هي رواية مرسلة. ولكن معنى أن الله -عز وجل- خلق الجنة أو بعض الجنة بيده ثبت في أحاديث أخرى، كما نبه على ذلك العلماء. فإن الله -عز وجل- أخبر خلق الجنة بيده، جاء هذا معناه في حديث ابن عمر، وكذلك حديث أخرى، حين قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: بعد أن يدخل الله -عز وجل- أهل الجنة الجنة، قال: «أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ، غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي»، يعني: ما أكرمهم الله -عز وجل- في الجنة بيده -سبحانه وتعالى-، والحديث في صحيح مسلم. وهكذا كذلك في حديث ابن عمر الآخر: «أن الله خلق أربعة أشياء بيده»، قال: العرش، والقلم، وآدم، وجنات عدن، والحديث فيه ضعف، لكن له طرق يرتقي بها إلى الحسن. فهذه الأحاديث وغيرها تدل على إثبات خلق الله -عز وجل- للجنة: في مجاز النبي -عليه الصلاة والسلام-. فإذن: إثبات صفة اليد لله -عز وجل-، واليدين ثابت في الكتاب، وصحيح السنة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، في عدة أحاديث. قال -رحمه الله تعالى-: وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت به الأخبار الصحاح، من السمع والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعزة، والعظمة. وفي نسخة: «ويثبت أصحاب الحديث للرب -جل جلاله- جميع ما نطق به القرآن، ووردت به الأخبار الصحاح»، فيكون هذا نسخة أخرى، يختلف شيء يسير، ولعل هذا من المجالس، في مجلس ذكر هذا، وفي مجلس آخر ذكر شيئا آخر. قال -رحمه الله-: «والعزة والعظمة، والإرادة والمشيئة، والقول والكلام»، وفي نسخة: تقديم وتأخير: المشيئة والإرادة، قال: «والقول والكلام، والرضا، والسخط، والحب، والبغض»، وفي نسخة: «والحياة واليقظة»، قال: «والفرح، والضحك»، وغيرها، من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين. وهذا من المعنى، وبعضهم يقول: الأفضل يقول: من غير تمثيل لشيء من ذلك. قال: «بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله -تعالى-، وقاله رسوله -صلى الله عليه وسلم-، من غير زيادة عليه، ولا إضافة إليه»، وفي نسخة: تقديم وتأخير: من غير إضافة عليه، ولا زيادة إليه، والمعنى متقارب. قال: «ولا تكييف له، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرف العرب وتضع عليه، بتأويل منكر يستنكر»، ويجرون على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله -تعالى-، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم: أنهم يقولونه في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ الآية. وهذه الفقرة جعلها -رحمه الله- في الإشارة إلى عدد من الصفات التي جاءت بها أدلة الكتاب والسنة، وسأتي الإشارة إليها مفصلة في الأدلة التي سيوردها -إن شاء الله- في الفصول الآتية. فمما جاء في الكتاب والسنة من الصفات، كما ذكر -رحمه الله-: السمع والبصر، يعني: إثبات السمع والبصر لله -عز وجل- على ما يليق بجلاله وعظمته. فنحن نعرف معنى السمع، ومعنى البصر، نثبته إثبات وجود لله -عز وجل-، وحين نقول: إثبات وجود، يعني: لا نتعرض له بتكييف، كما لا نتعرض له بتعطيل. فلا يجوز الاعتراض على هذه الألفاظ التي أثبتتها أدلة الكتاب والسنة. وما أكثر الآيات التي يقول الله -عز وجل- يختم فيها: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فأثبت لنفسه اسم السميع، الذي يتضمن معنى صفة السمع، والبصير، الذي يتضمن معنى صفة البصر، وغير ذلك. وهكذا كذلك قال: «والعين، والوجه»، قال الله -عز وجل-: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾، وكذلك قال الله -عز وجل-: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، وغير ذلك. قال: «والعلم، والقوة، والقدرة»، وكل هذا جاءت به أدلة الكتاب والسنة، والعزة، والعظمة كذلك، والإرادة والمشيئة كذلك، والقول والكلام كذلك. ونحسن من الله: ﴿إِلَيْهِ﴾، والكلام: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، وسيأتي كل ذلك -إن شاء الله-. والرضا، والسخط كذلك، والحب، والبغض كذلك: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، والحياة، واليقظة، وكله سيأتي -إن شاء الله-، والفرح، والضحك، وغيرها: يعني من الصفات التي جاءت بها الأدلة من الكتاب والسنة. ونحن ندور مع الأدلة، ما ثبت في الكتاب والسنة أثبتناه، وما لم يثبت في الكتاب والسنة لا نتعرض له بنفي ولا إثبات؛ لأنه من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. ولكن لا نشك أن الله -سبحانه وتعالى- عظيم، له الأسماء الحسنى والصفات العلا. فكل شيء كمال في المخلوق، الله -سبحانه وتعالى- أولى به، كل شيء كمال في المخلوق، الله -سبحانه وتعالى- أولى به. ثم ذكر -رحمه الله تعالى- ما على أهل الباطل من التشبيه أو التعطيل، وأن هذا مسلك باطل، ليس عليه طريقة أهل الحديث والأثر، أتباع السلف الصالح. بل هو فيما تضمن كلام -رحمه الله- من طريقة أهل الباطل في هذا الباب. قال: «من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين»، بل ينتهون فيها إلى ما قال الله، وقال رسول -صلى الله عليه وسلم-، ومعناه: يقفون حيث وقف بهم الدليل، من غير زيادة عليه، ولا إضافة: يعني لا يزيدون فيقولون: سمع كسمعنا، ولا ينقصون فيقولون: سمع بلا سمع. فالمعتزلة يقولون: سمع بلا سمع، ولا شاعر يقولون: سمعه إرادة كذا وكذا، إرادة السمع أو إرادة فعل كذا، فيجعلون الصفات فيها معنى الإرادة، فيعطلون الكثير من الصفات، مثل ما قالوا في الرحمة: إرادة الإحسان، إرادة الإحسان. فلا زيادة ولا نقصان، لا تحرف اللفظ، ولا تزد عليه، بل أثبته كما جاء، وأمره كما جاء. ومعنى قال الله -عز وجل-: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، نقول كما قال الله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، لا نزيد عليه، ولا ننقص منه. وقوله: «ولا تكيف، ولا تشبيه»: يعني لا تجعل له كيفية، تقول: بهذه الكيفية. مثل قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، كيف استوى؟ الله أعلم، استوى استواء يليق بجلاله وعظمته، كيف لنا أن نعلم شيئا من الغيب؟ لا يمكننا أن نعلم شيئا من الغيب. فلهذا نحن نثبت أن هناك كيف، ولكننا لا نعرف هذا الكيف، لا نعرف هذا الكيف، فلا نخوض فيه. وهذا معنى: «ولا تكيف»، وهكذا: «ولا تشبيه»: يعني لا تشبيه بشيء من المخلوقين؛ لأنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ -سبحانه وتعالى-. «ولا تحريف»: يعني لا تحرف الله، فتقول كما قالت المعتزلة: سميع بلا سمع. «ولا تحرف المعنى»: فتقول كما قالت الأشاعرة: رحمته إرادة الإحسان. الأول: حرف اللفظ، والثاني: حرف: ماذا؟ المعنى، وكل الطريقين طريق باطل. «ولا تبديل»: كذلك لا تبديل للألفاظ، فتجعل الرحمة: إحسان، واليد: ماذا؟ قوة، هذا إيش؟ تحريف وتبديل، تحريف وتبديل. الله لم يقل: أن اليد قوة، ولم يقل: أن اليد إحسان، فمن أين أتيتم بهذا؟ لا دليل من الكتاب، ولا السنة على ذلك. بل الواجب أن يمر ما أخبر الله به بكتابه، أو نبينا -صلى الله عليه وسلم- بسنته. قال: ﴿وَلَا تَغْيِيرٌ﴾، «ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرف العرب»: إزالة للفظ الخبر عما تعرف العرب. مثل: اللهم عز وجل يقول: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، الذي يعرف العربية يعرف أن اليدين هي اليدين، الذي يفهم كل عربي صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، قارئ أو ليس بقارئ: أن اليد هي تلك الجزء من الذات الذي هي للمخلوق، ولكن بالنسبة للخالق هي على ما يليق بجلاله وعظمته، ما يليق بجلاله وعظمته: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فلا يحرف اللفظ عما يعرفه العرب. قال: «وتضع عليه بتأويل منكر يستنكر»: يعني تفسره، التأويل هنا: تفسير، يعني لا تجعل له تفسيرا منكر، ومستنكر، منكر من جهة البطلان، ومستنكر من حيث عدم استساغتي مثل هذا في اللغة، ولا في الشرع. لما يأتي إنسان فيقول: اليد هي القوة، أو إرادة الإحسان، هذا لفظ منكر. أو كذلك حين يأتي إنسان فيحرف: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، فيقول: جرح، فيقال: هذا شيء مستنكر في العربية؛ لأن مصدر كلم: كلم، لو كان من الكلم الجرح، لقال الله: وكلم الله موسى: ماذا؟ كلم، هذا هو مصدر: ماذا؟ التكليم الذي هو التجريح. ولكن لما كان المقصود هو الكلام، قال الله -عز وجل-: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾، أكده: أن المراد به الكلام، فقال: ماذا؟ تكليما. فتكليما: مصدر يؤكد أن المقصود بالفعل هو: ماذا؟ الكلام الحقيقي الذي يليق بجلال الله وعظمته. فتفسير كلم بالكلم من الجرح: هذا تفسير مستنكر، لا يقبله شرع، ولا لغة، ولا حتى فطرة، ولا عقل، وسياق الآية وسباقها يستقبح مثل هذا التفسير. قال: «ويجرون على الظاهر»: يعني يجرون هذه الألفاظ على ظاهر، جاء إثبات الكلام: نثبت الكلام، جاء إثبات الوجه: نثبت الوجه، جاء إثبات اليد: نثبت اليد، كما أثبت الله لنفسه بكتابه، أو رسوله -صلى الله عليه وسلم- في سنته. قال: «ويكلون علمه إلى الله -تعالى-»: ومعنى يكلون علمه فيما لا يعلم. وأما ما علم معناه في اللغة، فهم لا يقولون: أنه مجهول المعنى. ولهذا: الصحيح التفصيل في مثل هذا. الله: فلا نقول: نثبت ألفاظ لا معاني لها، لا، بل نثبت ألفاظ نعرف معانيها. نحن نعرف ما معنى اليد، نعرف ما معنى الوجه، نعرف ما معنى الرحمة، نعرف ما معنى الفرح، نعرف ما معنى كذلك الغضب، كل هذا نعرفه. وما أثبت الله لنفسه أثبتناه بما نعرف من معنى، نثبت الله، ونثبت معه كذلك: ماذا؟ المعنى. وما لا نعلم معناه، أو لا يمكننا الوصول إليه، مثل معنى الكيف، فإنه ليس يمكننا الوصول إليه. فلهذا نقول: الكيف مجهول، الكيف مجهول: مجهول المعرفة والعلم به؛ لأن الله لم يخبرنا به. فنقف حيث ما علمنا، ونقف عما لا نعلم، هذا هو الواجب في هذا الباب. «ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله»: هذا كما قلنا فيما لا يمكن الوصول إلى العلم به. وأما ما أمكن الوصول إلى العلم به، فإننا نعلم تأويله. قال: «كما أخبر الله عن الراسخين في العلم: أنهم يقولونه في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾». الراسخون في العلم يعلمون بما علمهم الله من أدلة الكتاب، وأدلة السنة، وما جاء عن سلف الأمة والعلماء. ولا إمة ما يفهمون به القرآن، نصوص القرآن، ونصوص السنة. وهناك أشياء قد تخفى، وما خفي لا يخوضون، لا يخوضون فيه. فقوله: «ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله»: أي فيما لا يمكن معرفة تأويله، مثل ما كان من الغيب، سواء مما مضى أو مما يأتي، مما مضى: مثل: ماذا؟ مثل ما أخبر الله -عز وجل- به فيما مضى عن استوائه، وهو لا يزال مستوي استواء يليق بجلاله وعظمته. وما وقع من كذلك خلقه لبعض مخلوقاته، فما لم نعلم كيفيته وخبره، فإننا نكل أمره إلى الله -سبحانه وتعالى-. وهكذا ما سيأتي، فإننا لا نعلم ذلك، فإنه من الغيب. قالوا: «آيات الكتاب، وأخبار الرسول الصحيحة المنيرة». طيب، هذا شيء آخر نتركه -إن شاء الله- في الدرس اللاحق. والله -تعالى- أعلم.