الدرس في التعليق على عقيدة السلف للصابوني 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك درسًا حول كتاب "عقيدة السلف أصحاب الحديث" للإمام أبي إسماعيل الصابوني، مقدمًا معلومات عن المؤلف وأهمية الكتاب. يشير إلى أن المؤلف كان إمامًا في الحديث وأثنى عليه علماء كثيرون.
يناقش أهمية معرفة تاريخ الإمام ومن عاصره لفهم سبب التأليف والمسائل المطروحة في كتب العقائد، ويشير إلى أهمية سند الكتاب لمعرفة صحة نسبته إلى المؤلف. يبرز دور أهل السنة في دراسة كتب اعتقاد أهل السنة والحديث والأثر.
يشرح مقدمة رسالة الإمام حول عقيدة السلف، حيث يبدأ بالحمد والصلاة على النبي وآله وأصحابه، ويبرز أن العاقبة للمتقين. يوضح أن الغرض من التأليف هو نصرة الحق وتقوى الله، ويشير إلى أهمية ذكر الصحابة في الصلاة على النبي.
يتحدث عن ثلاثة تنبيهات فقهية تتعلق بزيارة قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث يوضح أن زيارة القبر بعد الوصول إلى المدينة جائزة، لكن شد الرحال للقبر لا يجوز. يستشهد بالأحاديث النبوية التي تنهى عن الغلو في القبور واتخاذها مساجد.
يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم هذه المادة: التعليق على كتاب «عقيدة السلف أصحاب الحديث» للإمام أبي إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني رحمه الله تعالى، تعليق الفضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الأول. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمده سبحانه الذي أنعم علينا بنعمٍ كثيرةٍ لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك من عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمده سبحانه الذي وفقنا لمثل هذه المجالس المباركة التي نتذاكر فيها من العلم النافع ما يعيننا إن شاء الله تعالى على العمل الصالح. وفي هذه المجالس إن شاء الله تعالى التي نبتدئها بهذا المجلس في هذه الليلة، نتذاكر عددًا من رسائل وكتب أهل العلم. وفي هذه الدورة المكثفة المختصرة، نأخذ عددًا من هذه الكتب كما أعلن عنها أولها، هذه الرسالة التي بين أيدينا: «عقيدة السلف أصحاب الحديث» أو «الرسالة في اعتقاد أهل السنة وأصحاب الحديث»، هكذا اشتهرت هذه الرسالة للشيخ الإمام، شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني رحمه الله تعالى، أحد أئمة الحديث في زمانه، رحمه الله تعالى، جال الأقطار في طلب العلم، وجمع الحديث، واشتهر بالإمامة والجلالة، رحمه الله تعالى، فأثنى عليه علماء كثر. ولا يزال كذلك في الرحلة والتحديث وجمع العلم وبذله والتأليف، حتى توفاه الله سبحانه وتعالى عن ستين وسبعين سنة، بعد عمر طويل جعله رحمه الله تعالى رحمةً واسعة في نشر العلم وبذله للناس. وكان ذلك في الثالث من محرم سنة تسعٍ وأربعين وأربعمائة للهجرة، رحمه الله رحمةً واسعة. وقد ألف هذه العقيدة: «عقيدة السلف أصحاب الحديث»، ليبين ما هي العقيدة الصحيحة السوية التي كان عليها سلف الأمة، وما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما تتابع عليه العلماء ولئمة من إئمة أصحاب الحديث والأثر، الذين أخذوا معتقدهم بما صحت به الأدلة من القرآن، وما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من السلف الصالح، وذلك ليوضِّح هذا الطريق السوي أولًا، ولذلك ينبِّه على الطرق المعوجَّة التي انحرف معها الكثير من الناس، وتتابع عليها في زمانه وقبل زمانه، رحمه الله تعالى. ولذلك كما سنرى، أنه رحمه الله يمرُّ بمسائل الاعتقاد في الروبية والألوهية والأسماء والصفات، وما يلحق بها من مسائل الاعتقاد، مسألةً مسألة، بما يناسب ما عليه بعض أهل الباطل، ومن تبعهم من أهل الجهل، وبعض العامة بسبب أولئك رؤوس الضلال. وإنما يريد رحمه الله أن يُبَيِّن الصواب ويُحذِّر من الخطأ. وإن شاء الله تعالى تكون القراءة والتعليق بما يناسب الزمان والمكان، تعليقًا مُختصرًا يكون به الوصول إلى المقصود من معرفة وفك ما ذكره المؤلِّف رحمه الله تعالى في كتابه، مع ما لا يخفى من كبر الرسالة مع ما نحن فيه. ولكن إن شاء الله يحصل المقصود بقراءتنا لهذه الرسالة، وفك ما تيسر واحتيج إلى ذلك مما يمر بنا من ألفاظ المؤلِّف رحمه الله تعالى. وينبَّه هنا بثلاث تنبيهات في أول هذه الرسالة: التنبيه الأول أن المؤلِّف رحمه الله تعالى إمامٌ من إمة أهل السنة وأهل الحديث والأثر وأتباع السلف، رحمه الله تعالى رحمةً واسعة، قد شهد له العلماء بهذه الشهادة، حتى قال البعض أولئك لأئمة: أنه الإمام صدقًا، وشيخ الإسلام حقًا، أبو عثمان أبو إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني رحمه الله تعالى رحمةً واسعة. وهكذا كذلك التنبيه الثاني: أننا مع ما علمنا واستيقننا من إمامته وجلالته، إلا أن ذلك لا يعني أنه معصومٌ عن الخطأ، وعن كذلك الزلل وسبق القلم أو سبق اللسان أو غير ذلك مما لا يسلم منه إنسان. ولذلك نبه بعض العلماء قديماً وحديثاً على مواضع يسيرة في هذه العقيدة وهذه الرسالة لهذا الإمام وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى الإمام الصابوني. وهذا كما قيل: قطرةٌ تغفر في بحور حسناته رحمه الله تعالى رحمةً واسعة، وكما قيل: ما من جواد إلا وله كبوة، وما من عالم إلا وله هفوة، فلا تسقط تلك الكبوة جواد الجواد، ولا تلك الهفوة علم وجلالة ذاك العالم. وهكذا كذلك ينبغي أن نكون دائماً مع علمائنا وإمتنا، وكذلك من عرفنا من أهل الفضل وذوي المعرفة، فنحفظ لهم مكانتهم وإمامتهم وكرمتهم. كما أننا لا ندعي لهم العصمة، ولا كذلك ندافع عنهم أو عما صدر مما نبه عليه العلماء بحق وعدل أنه ليس كذلك، بل ينبغي أن نقف موقف العدل، فما كان من خطأ ردّ، وما كان من صواب قبلة. وهذه هي طريقة أهل السنة بالعدل والإحسان الذي أمر الله عز وجل به أهل الإسلام. التنبيه الثالث: ينبه في أوائل وكذلك بداية القراءة في هذه الرسالة، أن هذا الإمام رحمه الله تعالى رحمةً واسعة لم يرد جميع مسائل الاعتقاد، ولا كذلك استيفاء تلك المباحث. ولذلك سيمر بنا إن شاء الله أن بعض المواضع والمباحث قد يكون قد وقع فيها شيء من الاختزال، وليس هذا عن نقص، وإنما لأن المؤلف رحمه الله وهكذا أهل العلم غالبًا إنما يناقشون ما يمر بزمانهم. فربما نظر إلى شيء وترك الآخر، ليس عن نسيان، ولا عن كذلك تغافل، ولكن أراد أن ينبه على ما يظن أنه المهم. وإلا فمسائل العلم كثيرة، ومباحث الاعتقاد عديدة، ولو تأملنا كتب أهل العلم التي أُلفت في باب الاعتقاد، تجد أن هناك أصولًا يكثر دوران كلام أهل العلم حولها. وإذا تأملت السبب في ذلك، تجد كذلك حاجة المجتمع للتنبيه عليها، وكثرة من يخوض فيها. ثم تجد في بعض تلك الكتب من العلماء من يبسط مثلًا في مسألة ما، لأنها أثيرت في زمانه أكثر مما أثيرت في زمان آخر. فمثلًا بعضهم في كتب الاعتقاد يطيل في مسألة الكلام، ويفصل ويخوض فيها بشيء من الاسترسال، كالحرف والصوت واللفظ وغيرها من المسائل. وتجد آخرين من أهل العلم يكتفون بالإشارة إلى مبحث الكلام مثلًا والقرآن، ولا يدخلون في تلك التفاصيل. فلا يعد الأول مفرطًا، ولا يعد الثاني مقصرًا، وإنما كل واحد بحسب مقتضى الحال والزمان. ولذلك كما يقول بعض العلماء والمحققين والمدققين: ينبغي لمن يقرأ في كتب العقائد أن يعتني معها بتاريخ ذلكم الإمام، ومن كان عاصره من اعتنى المؤلف رحمه الله بالرد عليهم. لأن معرفة التاريخ الذي كان فيه الإمام ومن عاصره، يعطيك شيء من المعرفة والدراية في سبب التأليف، وكذلك لماذا كانت تلك المسائل والمباحث، بل وكذلك لماذا كان هذا في هذا الزمان وفي هذا المكان. فبعض الرسائل ربما تكون جوابًا لسؤال، أو بعض الرسائل تكون كذلك خروجا من محنة، وبعض المسائل والرسائل تكون كذلك توضيحًا لإشكال أو ردا على كتاب أو نحو ذلك. فمعرفتك يا طالب العلم بما احتف به كتبه المؤلف رحمه الله باعتبار الزمان وكذلك المكان، ومن عاصر هذا الإمام، كل ذلك مهم بمكان مما يجعلك تَفهم أمورًا وتدرك أشياء ربما لا يتصورها من لم ينظر إلى هذه الاعتبارات جميعًا. وسنحتاج إلى هذه الفقرة وهذا التنبيه فيما سيمر معنا إن شاء الله من الفقرات التي ذكرها رحمه الله في عقيدته. طيب ابتدئت هذه العقيدة في بعض النسخ بذكر سند الكتاب، وهذا مهم لمعرفة صحة نسبة الكتاب إلى المؤلف رحمه الله. وفي بعض النسخ لم تذكر هذه المقدمة وهذا السند. طيب النسخة التي في أيدينا فيها هذه المقدمة وهذا السند، قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، سند الكتاب إلى مؤلفه. وهذا التبويب أو هذه العناوين من المحقق. وأما البسملة فهي موجودة في أصل الكتاب والنسخة، قال رحمه الله تعالى: أخبرنا قاضي القضاء بدمشق نظام الدين عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح الصالحي الحنبلي إجازة مشافهة، وهو الإمام بن مفلح المشهور، صاحب المؤلفات الكثيرة، أحد أئمة الحنابلة المشهورين. قال: أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد بن المحب المقدسي إجازة، وهو كذلك الإمام المشهور المقدسي، قال: إن لم يكن سماعًا، أخبرنا الشيخان جمال الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عمر بن شكر، وأبو عبد الله محمد بن المحب عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسيين. وكان المقادسة رحمه الله أئمة في ذاك الزمان، يعني من سنة خمسمائة إلى سبعمائة للهجرة، في بيت المقدس وما حولها، وقد اشتهروا بثباتهم على عقيدة السلف، وحرصهم على الرد على المخالفين، ونقلهم وحفظهم لكتب اعتقاد أئمة أهل الحديث. وكما نرى في هذه الرسالة أن هؤلاء الأئمة المقادسة ثلاثة يروي بعضهم عن بعض، هذا السند لهذا الكتاب. وهكذا ينبغي أن يعتني أهل السنة بدراسة كتب اعتقاد أهل السنة والحديث والأثر، فإن هذا يكون سببًا في حفظ معتقدهم، وبث علمهم، وتوارث كذلك هذا الخير من إرثهم. فكما يتوارث الناس الأنساب، ويتوارث الناس المال، فإنهم كذلك ينبغي أن يتوارثوا العلم، وأعظم العلم ينبغي أن يورث عقيدة السلف وعقيدة أهل السنة والجماعة. ولهذا انظر كيف حفظ الله هذا البيت وهذه الأسرة باعتناء هذه الأسرة بنقل وتوارث عقيدة السلف. وهذا ليس أول ما نجد في أسانيد كتب الاعتقاد، كتب كثيرة من كتب الاعتقاد تجدها مسلسلة بذكر أئمة الحديث، ومنهم المقادسة الذين ذكروا ها هنا، وبعضهم كذلك لم يذكروا. وهذا يدلك أن ثبات هؤلاء لم يكن عن فراغ، وإنما كان بباعثهم بكتب أهل العلم، كتب الاعتقاد وروايتها وتدريسها وتعليمها وتوريثها لأبنائهم ولطلابهم. وبهذا ثبتت هذه العقيدة بينهم، وتوارثوا هذه العقيدة بعدهم لمن بعدهم، ورثوها لمن بعدهم. فكذلك ينبغي أنت يا أيها المسلم أن تورث أهل بيتك العلم كما تورث أهل بيتك المال، وكما ورثتهم النسب، فورثهم العلم كذلك، فاحرص على أن تورثهم من العلم النافع، من كتب الاعتقاد أن تسمعهم إياها، وأن تقرئهم إياها. وكان بعض العلماء ولئمة يقرئ أبنائه وهم صغار كتب الاعتقاد، وينقل ذلك عن الأئمة، حتى يبقى الأبناء في فخر أنهم من أتباع السلف الصالح، ومن أتباع الأئمة، وأنه سار على هذا فلان وفلان وفلان من أئمة الدين، وكذلك من السلف والصالحين والصديقين من الصحابة، وكذلك من تبعهم بإحسان. قال رحمه الله تعالى: قال الأول: أخبرنا إسماعيل بن أحمد بن الحسين بن محمد العراقي سماعًا، قال: أخبرنا أبو الفتح عبد الله بن أحمد الخرقي إجازة. وقال الثاني: أخبرنا أحمد بن عبد الدائم، رحمه الله، وأخبرنا المحدث تاج الدين محمد بن الحافظ عماد الدين إسماعيل بن محمد بن بردس البعلي في كتابه، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن الخباز شفاها، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الدائم إجازة. وذكر صور التحميل، هذا لتثبيت الرواية أن الرواية فعلًا وقعت، فمنها ما كان مشافهة، ومنها ما كان سماعًا، ومنها ما كان إجازة، وكل هذا يؤكد حصول الرواية لهذا الكتاب وهذا العلم عن هذا الإمام رحمه الله رحمة واسعة. قال: أخبرنا أحمد بن عبد الدائم إجازة، إن لم يكن سماعًا، ومعناه أن بعضه كان سماعًا، وبعضه كان مشافهة، قال: أخبرنا الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي، وهو الإمام المشهور، قال: أخبرنا الخرقي سماعًا، قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني، قال: حدثني والدي شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن، فذكره. وهذا هو الإمام يرويه عن أبيه، يعني الإبن يرويه عن الأب، فصارت العقيدة تنقل عن هذين الإمامين. قال: وأخبرنا قاضي قضاة عز الدين عبد الرحمن بن محمد بن الفرات الحنفي إجازة مشافهة، قال: أخبرنا محمود بن خليفة بن محمد المنبجي، قال: أخبرنا الجمال بن عبد الرحمن الجمال عبد الرحمن بن أحمد بن عمر بن شكر بنصه. وهنا نبدأ في ذكر نصوص ما ذكره الإمام رحمه الله في هذه العقيدة المشورة بعقيدة السلف أصحاب الحديث. قال: الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه الكرام، أما بعد. وهكذا كذلك هذه المقدمة هي طريقة أهل العلم في ابتداء كتبهم ومؤلفاتهم، الاستفتاح بالبسملة، والتثنية بالحمد لله، اقتداءً بكتاب الله عز وجل، إذ استفتح بالبسملة، وكذلك بالحمد لله، وذلك في سورة الفاتحة التي سميت بفاتحة الكتاب، لأنها السورة التي افتتح بها القرآن العظيم. وهكذا كذلك اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يكتب في كتبه التي يرسل بها إلى الملوك وغيرهم، فيبتدئ بالبسملة. وإذا كتب كذلك أو خطب، كان يبتدئ بالحمد لله. ومن ذلك خطبة الحاجة، فإنه كان يبتديها بالحمد. وكذلك سنة الأنبياء، كانوا يفتتحون كتبهم بالبسملة، كما أخبرنا الله عز وجل عن نبي من أنبيائه، أنه افتتح كتابه بالبسملة، وهو: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾. فعلم أن البسملة ليست جديدة، بل هي من سنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. لهذا صار بعد ذلك من سنة أهل الإسلام. وقوله: والعاقبة للمتقين، ناسب ذكر هذا، وهذا من براعة الاستهلال، لأنه في مقام ذكر عقيدة السلف وأصحاب الحديث أهل الحق، في مقابل الرد على من على أهل الباطل. فإذا هناك الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل، بين أهل التقوى وأهل الفجور. ولهذا أتبع الحمد بقوله: والعاقبة للمتقين، يعني إنما نؤلف هذا الكتاب لأننا نريد التقرب إلى الله، وتقوى الله سبحانه وتعالى، ليس المراد في التأليف إلى الكتاب الفخر والخيلاء والرياء والسمعة. وليس المراد بالرد على من نرد عليه في مثل هذا الكتاب، هو إظهار المعايب وتتبع العثارات، وليس كذلك المراد هو الحسد أو شيء من حظوظ النفس وغير ذلك من المعاني التي قد ترد، إما لفظًا وإما معنىً من بعض الناس. ولأجل يبين أن المقصود هو ما عند الله سبحانه وتعالى، وتقوى الله في نصرة الحق الذي أمر الله عز وجل به. وذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى آله وأصحابه الكرام، كذلك إشارة إلى شيئين. الأول: تأدبًا في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، كما أمرنا بالصلاة عليه، فإن المجلس الذي لا يصلى فيه على النبي صلى الله عليه وسلم هو مجلس ثرة، أي غفلة، وغير ذلك مما ورد في فضل الصلاة عليه أفضل الصلاة والتسليم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأتبع بالصلاة على آله وأصحابه الكرام، اقتداءً بالصلاة الإبراهيمية التي هي أفضل الصلاة التي علمنا النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه، فلما سألوا كيف نصلي عليه، قال: قولوا: «اللهم صل على محمد آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، الحديث». الشاهد أنه ذكر الآل، والآل هم: قيل أتباعه، وقيل أهل بيته، والصحيح أنهم أتباعه، وأهل بيته يدخلون ابتداءً فيه، والصحابة يدخلون فيهم، ولكن لما كان هناك بعض أهل البدع يخرجون الصحابة من الآل، ويخصون الآل بآل البيت، احتاج أهل السنة والجماعة أن ينصصوا على ذكر الصحابة. فيقولون: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، ويزيدون: اللهم صل على آله وأصحابه، لماذا؟ لأنه يوجد من أهل البدع، كبعض الرافضة والناصبة، يخرجون بعض الصحابة من الصلاة. والصحيح أن الصحابة بعد الآل في ابتداء الدخول في الصلاة التي نصلي بها في الصلاة الإبراهيمية. ولهذا أكد كذلك بقوله: الكرام، أي المكرمين الذين أكرمهم الله. وهذا يقتضي ماذا؟ يقتضي أننا كذلك نكرمهم كما أكرمهم الله. ولهذا من عقيدة أهل السنة كما سيأتي معنا إن شاء الله: أن الصحابة جميعًا لا يذكرون إلا بالجميل، لا يذكرون إلا بالجميل، رضي الله عنهم وأرضاهم. وما كان قد وقع من بعضهم، فهو كما قيل: كالبحر الطهور ماؤه، الحل ميتته، فإنه لا يضره شيء. وهكذا كذلك الصحابة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوا يا عمر، فإنك لا تدري لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». مع أن الذي فعله شيء عظيم، أي ذلكم الصحابي فعل شيئًا عظيمًا، بعض أهل العلم قال: قد يكون عند بعض الناس ردة، وقد يكون عند بعض الناس يعني كفرًا عمليًا، إن لم يكن كفرًا اعتقاديًا، ومع ذلك ماذا؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». ولذلك قال من الأئمة: أن الصحابة كالبحر الطهور ماؤه، الحل ميتته، لا يضره خبث يسير إذا وقع فيه، لا يضره خبث يسير إذا وقع فيه، لأن عندهم من بحور الحسنات والسابقة والفضل ما تنغمر ما قد يقع منهم إن وقع، فضلًا أن يكون قد وفقهم الله للتوبة، وهم أحرى بذلك ممن بعدهم وأولى. والأمر الثاني: أنه كذلك أورد ذكر هاتين اللفظتين: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، ليبين ما أشار إليه في أول رسالته في عنوانها: هي ماذا؟ عقيدة السلف، وماذا؟ عقيدة السلف أصحاب الحديث، ومن هو إمام السلف؟ هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن بعدهم الصحابة، رضي الله عنهم أرضاهم. كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾، فجعل الله عز وجل إيمان الناس جميعًا موزون بإيمان الصحابة، رضي الله عنهم أرضاهم، فإن وافق إيمانهم فقد أفلحوا، وإن لم يوافق فقد خسروا. وكذلك ماذا؟ قال رحمه الله تعالى: أما بعد، فإني لما وردت آمد طبرستان وبلاد جيلان، متوجها إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وعلى أصحابه الكرام، سألني إخواني في الدين أن أجمع لهم فصولًا في أصول الدين التي استمسك بها الذين مضوا من أئمة الدين وعلماء المسلمين، والسلف الصالحين. وهدوا وهدوا، ودعوا الناس إليها في كل حين، ونهوا عما يضادها وينافيها، جملة المؤمنين المصدقين المتقين، ووالوا في اتباعها، وعادوا فيها، وبدعوا وكفروا من اعتقد غيرها، وأحرزوا لأنفسهم ولمن دعوهم إليها بركتها ويمنها وخيرها، وأفضوا إلى ما قدموا من ثواب اعتقادهم لها، واستمساكهم بها، وإرشاد العباد إليها، وحملهم وحثهم إياها عليها. فاستخرت الله تعالى، وأثبت في هذا الجزء ما تيسر منها على الاختصار، رجاء أن ينتفع به أولو الألباب والأبصار، والله يحقق الظن، ويجزل علينا المن بالتوفيق للصواب والصدق والهداية والاستقامة على سبيل الرشد والحق، بمنه وفضله. هذه الفقرة الثانية جعلها رحمه الله بيانًا في سبب كتابة هذه الرسالة. وهذا يبين لنا ويسلي بعض ما سيمر بنا إن شاء الله في ثنايا هذه الرسالة، وهذا المعتقد، ما قد سبق التنبيه عليه في أول الرسالة من التنبيهات الثلاث. فإن لهذه الرسالة سبب، والسبب أن هذا الإمام سئل رحمه الله من بعض إخوانه، فأجاب بهذه الرسالة. ولا شك أن هذا السؤال كان له صيغة، ولم يصل إلينا، لم يصل بعد البحث والاستقراء صيغة هذا السؤال الذي ورد على هذا الإمام رحمه الله تعالى. لكن طرق بعض العلماء والإمة معنى هذا السؤال، استوحوه من الزمان والمكان الذي وقع فيه السؤال، فقد وقع السؤال كما قال: في آمد الطبرستان وبلاد جيلان، ومعناه أنه تكرر عليه السؤال في هذه المواضع. وثانيًا: أنه كان في هذا الزمان الذي كانت فيه رحلته إلى بيت الله الحرام، يعني كما قال العلماء: في الحج وزيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم. وكان ذاك الزمان وقت ظهور جماعة من الأشاعرة، وكذلك بعض المعتزلة، بعقائدهم الباطلة التي بثوها في المجتمع في ذاك الزمان. وكان شيء من الخلاف في المجتمع، بالردود التي وقعت في زمنه رحمه الله في تلك الفترة، وفي تلك البلاد، كما سيأتي معنا إن شاء الله الإشارة إلى ذلك في ثنايا هذه الرسالة وهذه العقيدة. وهنا بعض التنبيهات على هذه الفقرة، وكذلك بعض التوضيحات: التنبيه الأول كما سمعنا: أن المؤلف رحمه الله بيّن أن هذه الرسالة لها سبب، وسببها ما سبقت إليه الإشارة. التنبيه الثاني: أنه ذكر الزمان، والذي كذلك كان لأجله مروره بهذه البلاد. والتنبيه الثالث: أنه ذكر في ثنايا ذكره لهذا السبب، هذه اللفظة التي انتقدها عليه عدد من أهل العلم، وهي قوله رحمه الله: وزيارة قبر نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وعلى أصحابه الكرام. ولا شك أن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمن كان في المدينة من الأمور التي يتقرب بها إلى الله. ولكن أن تكون الزيارة بشد الرحل، وعقد النية بالذهاب إلى المدينة لأجل الزيارة، هذا مما أنكره العلماء، هذا مما أنكره العلماء. ولهذا قال بعض العلماء: مثل هذا لا يخفى على مثل هذا الإمام، ولكن لأن هذه اللفظة ذكرت تبعًا في ذكر شيء ليس مقصود، فإنه يكون مما قد يقع فيه الغفلة، ويحصل به الزلة. ولهذا قال من قال من أهل العلم: هذه ماذا؟ عبارة عن زلة قلم، أو سبق قلم، أو سبق لسان، فيقع الإنسان أن يخطئ، فتزل لسانه بكلمة لم يقصدها في ثنايا كلامه في أشياء، أو يزل قلمه كذلك بالكتابة، فيسبق إلى شيء لم يقصده. ولذلك قال عدد من علماء: إنما أراد رحمه الله زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم بعد وصوله إلى المدينة، أراد أننا سنذهب إلى مكة، ثم سنذهب إلى المدينة، وبلا شك إذا وصلنا المدينة ماذا سنزور قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ وهذا لا شيء فيه. ولكن أن تكون الزيارة بالقصد ابتداء لقبر النبي صلى الله عليه وسلم، هذا مما نهي عنه، مجمعًا عليه، بالأدلة، وكذلك وضح العلماء: ولا إمه بأنه لا تشد الرحال كما قال عليه الصلاة والسلام إلا إلى ماذا؟ إلا إلى ثلاثة مساجد، فلا يجوز شد الرحال إلى قبر من القبور، ولو كان قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن ذلك ممن نهت عنه الشريعة. فإن الشريعة جاءت بسد باب الغلو في القبور، وكذلك باب سدت باب تعظيم القبور. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم التحذير من كل وسيلة يكون بها الغلو في القبور، ومن ذلك تكرار الزيارة إليها، حتى قبره عليه الصلاة والسلام. فكان من دعائه كما صح، وصححه العدد من العلماء: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد». وفي الحديث الآخر: «عيدًا». وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحهم مساجد»، قالت عائشة: «يحذر ما صنعوا»، يعني قال هذا قبل وفاته بليال، كما جاء في حديث عائشة، وفي حديث ابن عباس، وجماعة من الصحابة، رضي الله عنهم وأرضاهم. وهذا تحذير منه عليه الصلاة والسلام أن يتخذ قبره مسجدًا، عليه الصلاة والسلام، وكذلك غيرها من الأحاديث الكثيرة التي ذكرها العلماء في مثل هذا المقام. فإذن ليس من الصواب شد الرحل لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكن لا يعني ذلك أن يمنع من الزيارة، أو يقال: لا يزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم لمن وصل المدينة. أنت تزور المدينة للوصول إلى ماذا؟ المسجد النبوي، المسجد النبوي، لأنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى»، إذن إذا شد الرحل إلى غير هذه الثلاثة فهو خلاف سنة أهل الإسلام. فكيف إذا كان إلى قبر من القبور؟ وهو كذلك طيب، إذا وصلت إلى المدينة وإلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، هل يشرع زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟ نعم يشرع زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، لأنك وصلت إلى مسجده عليه الصلاة والسلام. وهذا وهذا الذي كان يفعله الصحابة، رضي الله عنهم وأرضاهم، بل وكان بعض الصحابة، رضي الله عنهم، كابن عمر وغيره، يكره كثرة التردد على قبره صلى الله عليه وسلم، يعني أنت تزور قبره عليه الصلاة والسلام باعتدال، ليس بغلو، ليس بغلو كما يفعل بعض الناس بسبب الجهل. ولذلك كان بعض الصحابة ينهون عن الغلو في هذا الباب، كما جاء عن ابن عمر، وعن كذلك عدد من الأئمة من بعده. وكان الإمام مالك رحمه الله يشدد في هذا كثيرًا، رحمهم الله ورضي الله عنهم. وقد نبه في التعليق إلى هذا المعنى باختصار، وأشار إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة، في ثنايا رده على الأخنائي، وكذلك في رسالته في الجواب على زيارة القبور، وغير ذلك مما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتعالى. الأمر الثالث مما يذكر في هذه الفقرة: أن المؤلف رحمه الله تعالى أشار إلى أن ما كتبه في الجواب كان في سبب أو بسبب سؤال من سأله، لوجود بعض البدع، وكذلك الضلالات التي قالها بعض الناس. ولذلك كتب هذه الرسالة، وهذه العقيدة، وهذا لأجل أن يبين رحمه الله، ويعتذر أنه لم يقصد ابتداء الرد على أحد، ولكن لأن باطلًا وجد، فإنه احتاج أن يرد هذا الباطل. وفي هذا أدب من أدب العلم: أن الإنسان لا يستشرف الكتابة، ولا يستشرف الردود. ولكن إذا ابتلي واحتيج الأمر إلى إضاح، فإنه قد يضطر إلى ذلك، من باب إبراء الذمة، وكذلك إضاح الحق والرد على الباطل. وإلا فالإنسان لا يستشرف مثل هذا المقام. ولهذا قال: فاستخرت الله تعالى وأثبت في هذا الجزء. وكان بعض لإمه يستخير الله في إدخال حديث في كتابه، حديث واحد، ويستخير الله. وبعض كان يشاور في بعض المسائل من مسائل العلم، ولو قرأتم مسائل الترمذي مع البخاري وغير ذلك، لا علمتم مقدار العلم عند إمتنا وسلفنا، رحمهم الله. طيب نكتفي هذه الليلة بهذا القدر، إلى هنا، والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرًا. أذن مؤذن.