التعليق على عقيدة السلف للصابوني 2

التعليق على عقيدة السلف للصابوني 2

الدرس في التعليق على عقيدة السلف للصابوني 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في عقيدة السلف وأهمية إثبات صفات الله

يشرح الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي عقيدة السلف وأصحاب الحديث في إثبات صفات الله تعالى دون تحريف أو تشبيه، مع التركيز على أهمية اتباع النصوص الشرعية. يُبين أهمية توحيد الله والإيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

توحيد الله والإيمان برسوله وتفاصيله

يتناول المؤلف تفاصيل توحيد الله والإيمان برسوله، مشيرًا إلى أن كلمة التوحيد تشمل نفي وإثبات لله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ويوضح الفرق بين الرسول والنبي. يُبرز أيضًا أهمية الاعتناء بتوحيد الأسماء والصفات.

قواعد أهل السنة والجماعة في التعامل مع أسماء الله وصفاته

يشرح المقطع قواعد أهل السنة والجماعة في إثبات أسماء الله وصفاته كما جاءت في الكتاب والسنة دون تحريف أو تعطيل، ويحذر من اتباع الرؤى أو الآراء في هذا السياق. يُؤكد على أهمية التمييز بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب عقيدة السلف أصحاب الحديث للإمام أبي إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثاني. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إذله الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في أول هذه الرسالة المسماة بعقيدة السلف وأصحاب الحديث، وعلمنا أن المؤلف رحمه الله تعالى ألف هذه الرسالة بسبب سؤال ورد عليه، ورد عليه هذا السؤال من بعض البلاد، أي بلد بأثناء سيره؟ نعم، آمد، وطبرستان، وبلاد جيلان، وكان متجها إلى بيت الله الحرام، قال: وزيارة قبر النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام. انتقد بعض أهل العلم هذه اللفظة، ما وجه الانتقاد فيها؟ عند من؟ وجه الانتقاد فيها عند الجمهور، نعم، شد الرحل والسفر للزيارة، وجه النقد: لا يجوز شد الرحل لزيارة موضع على وجه العبادة إلا إلى ثلاثة مساجد، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا تشد الرحل إلا إلى ثلاثة مساجد. إذا كانت هذه النسخة التي بين أيدينا، لكن عندنا ذكر مخطوطات، ما ذكر هذا، لكن نحن نذكرها: مسجد قبره، لعل هذا تصرف من الناس، من الذي طبع؟ نحن ننبه على هذا، في أحد النسخ يقول أخونا أبو جابر: وزيارة مسجد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، إذا كانت هذه النسخة صحيحة، فهذا هو الصواب، ولا يستبعد أن يكون بعض النساخ عنده لوث التصوف، فتصرف في عبارة المؤلف رحمه الله من زيارة مسجد محمد صلى الله عليه وسلم إلى زيارة قبر نبيه. إذن نقول: في نسخة وزيارة مسجد نبيه، احتاج مراجعة أكثر إن شاء الله، نزيد نبحث بهذا أكثر، تحقيقا من هذه النسخة التي عندنا. لا، الأول الصفحة الأولى، ما في الصفحة الأولى، هذه قرأنا فيها قديما، أول نسخة، لأن قلت لإخوة: قد درسنا فيها قديما، لكن في البداية ما كان في تسجيل، فطلب الإخوة عادة عندنا. نعم، أخونا محمد باني ممن حضر معنا في الدرس الأول قبل أن يكون تسجيل في بداية افتتاح المسجد. طيب، إن شاء الله نراجع هذه النسخة، أي نسخة؟ أرجو أنها تكون موجودة. إذا صحت هذه النسخة، فهذه تذهب الانتقاد الذي سبق التنبيه عليه، وهذا أقرب بمنزلة هذا الإمام وعلمه ودرايته بالسنة رحمه الله رحمة واسعة. مر معنا كذلك أن المؤلف رحمه الله استخار الله قبل أن يرد الجواب ويجيب بهذه العقيدة، وأخذنا من هذا أدب: عدم العجل في التأليف، يعني أنظر مثل هذا الإمام على جلالته رحمه الله، سئل سؤالا، يعني ليس هو من نفسه يريد أن يؤلف، سئل سؤالا، ومع ذلك استخار الله سبحانه وتعالى قبل أن يكتب ويؤلف. واليوم للأسف ما أكثر الناس الذين يستعجلون بالتأليف، فكانت كتاباتهم وتأليفاتهم سببا لحصول الفوضى العلمية في المجتمع، والشذوذات العلمية في المجتمع، والسبب هو العجلة في التأليف، وعدم الرجوع إلى من هو أعلم منه. وضربت لكم مثالا ببحوث الماجستير والدكتوراه، على سبيل المثال، هناك فرق بين رسالة يؤلفها إنسان وتشرف على الرسالة لجنة علمية، كم يحتاج الباحث حتى يخرجها؟ ثلاث سنوات، ورسالة مئتي صفحة فقط، ومع ذلك كما يقول بعض أهل العلم: يصب صبان حتى يخرج بحثا يليق ويصلح وينتفع الناس به. وهذا مع إشراف يعني أناس ذوات أهلية، وغير ذلك، ومع ذلك توجد لجنة تراقب وتراجع، فنأمل أن يكون عند الكثير من الطلبة العلم التأني في قضية التأليف. وإذا أراد أن يخرج شيئا للناس، عليه أولا أن يستشير قبل أن يكتب، ثم بعد ذلك يعرض ما كتبه على أكثر من واحد من أهل العلم، ليس الشأن كل الشأن أن يقال: فلان ألف وكتب، ولكن ماذا ألف وكتب؟ ماذا خرج للناس؟ ليس من العلم ولا من الأمانة العلمية أن تتشبع بما لم يعط، المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. اليوم ممكن طفل خمسة عشر سنة أعطاه الله ذكاء ومعرفة، يأخذ من الشاملة ويخرج كتبا ويطبع، تصير تجارة، وهذا هو الحاصل في هذا الزمان إلا من رحم الله، صارت تأليفا تجارة وتكسب، ويختارون العناوين البراقة، ولكن داخل الكتاب: تكرار، نسخ، خذ من هنا وضع هنا، وقل: مؤلف أنا. كان شيخنا رحمه الله رحمة واسعة، الشيخ صالح، أحد أدباء ولغويي القصيم، من كبار طلبة الشيخ السعدي رحمه الله، كان يغضب كثيرا، يحب القراءة، لكن يغضب إذا رأى الذين يكتبون وهم ليسوا أهل للكتابة، كان يقول: تسع وتسعين في المئة ممن يكتب في هذا العصر ليس أهل للكتابة، تسع وتسعين في المئة ممن يكتب ليس أهل للكتابة، لماذا؟ لأنهم كتبوا قبل أن يتأهلوا، وهذه أحد المشاكل التي ابتلي بها العصر. طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: معتقد أصحاب الحديث. قد يكون هذا العنوان من المؤلف، وقد يكون ليس من المؤلف، ولهذا في بعض النسخ هذا العنوان غير موجود، ما عندك يا أبا جابر؟ موجود؟ ليس موجودا. قال الشيخ أبو عثمان رحمه الله تعالى: قلت وبالله التوفيق، إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة -حفظ الله أحياءهم ورحم أمواتهم- يشهدون لله تعالى بالوحدانية، وللرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة والنبوة، ويعرفون ربهم عز وجل بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، على ما وردت الأخبار الصحاح به، ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون له جل جلاله منها ما أثبت لنفسه بكتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. ولا يعتقدون تشبيها لصفات بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيده، كما نص سبحانه عليه بقوله عز من قائل: قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي. ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين أو القوتين، تحريف المعتزلة والجهمية أهلكهم الله. ولا يكيفونهما بكيف، أو يشبهونهما بأيدي المخلوقين، تشبيه المشبهة، خذلهم الله، فقد عاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكيف والتشبيه، ومن عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعليل والتشبيه. واتبعوا قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وكما ورد القرآن بذكر اليدين، في قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدِي﴾، وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. وردت الأخبار الصحاح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر اليد، كخبر محاجة موسى آدم، وقال له: خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته. ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: «ما خلق الله ذرية من خلقته بيديه كمن قال له: كن فيكون»، طيب، عندنا في النسخ فراغ، ثم قال: من خلقته بيدي. وفي نسخة أخرى: كمن قلت له: كن فكان، نعم، طيب، ما أدري إذا كان هذا إكمالا من أصل الحديث، أو هو كذا في نفسه، لعل المؤلف رحمه الله ذكر طرف الحديث. لا أجعل صالح ذرية من خلقته بيدي كمن قلت له: كن فكان. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله الفردوس بيده». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل لذكر صفات الله عز وجل، أي مبحث الصفات، وشرع بقوله رحمه الله: قلت وبالله التوفيق. وقد تقدم معنا أن سؤال الله عز وجل التوفيق مما يسلكه الكثير من العلماء في بداية التأليف، فذلك استعانة بالله عز وجل على هذا العمل الصالح، والطلب من الله بأن يسدد ويوفق في هذا العمل، فيكون فيه أولا الافتقار إلى الله، وهذا يجمع بين أمرين: عدم ترفع الكاتب والمؤلف وتواضعه، مع كذلك طلب العون من الله، مما يكون سببا في توفيق الله عز وجل، فالعبد كلما افتقر إلى الله أغناه الله، والعكس: كلما اكتفى بنفسه، وكله الله إلى نفسه الضعيفة. ثم قال: إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة، وكما تقدم معنى هذه العقيدة: عقيدة أصحاب الحديث، والذين هم أتباع السلف الصالح المتمسكين بالكتاب والسنة. والمؤلف رحمه الله يريد أن يؤكد أن طريقة أهل الحديث هي طريقة الكتاب والسنة، وهي طريقة السلف الصالح ممن سلك طريقة الكتاب والسنة. ثم قال: حفظ الله أحياءهم ورحم أمواتهم، وهكذا ينبغي لصاحب الحق أن يعتز بالحق الذي وفقه الله إليه، وبطريق أهل الحق الذين وفقهم الله سبحانه وتعالى إلى ذلكم الحق، فتعتز يا صاحب السنة: أنك من أهل الحديث وأتباع الكتاب والسنة، ثم تدعو للأحياء والأموات، وهذا كذلك من حسن ابتداء المؤلف رحمه الله، فإن هذا يدل على حسن السيرة، كون الإنسان يدعو لنفسه ولغيره، هذا أدعى أن الإنسان يجلب الناس إلى ما يكتب. وقوله: يشهدون لله تعالى بالوحدانية، أي: من أول ما ينبغي يعتقده من يريد طريق هؤلاء أهل الحق وأتباع الكتاب والسنة أهل الحديث والأثر، فليعلم أن من أوائل ذلك: أنهم يشهدون لله تعالى بالوحدانية. وقوله: بالوحدانية، عام يشمل الوحدانية لله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فتوحيد الله سبحانه وتعالى، وهذا هو أصل التوحيد، فكلمة التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، شهادة لله بالوحدانية في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. فحين تنفي الألوهية عما سوى الله وتثبتها لله عز وجل، فإن ذلك يستلزم أن تتجرد لله عز وجل بمعاني التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، الذي هو إفراد الله سبحانه وتعالى في أفعاله، وتوحيد الألوهية: إفراد الله سبحانه وتعالى في فعال خلقه، وتوحيد الأسماء والصفات: وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بما وصف وسمى به نفسه في كتابه، أو وصف وسماه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته. وقوله: للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالرسالة والنبوة، كذلك هذا من كلمة التوحيد، فكلمة التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، وماذا؟ وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهادة أن محمدا رسول الله: نفي وإثبات، كما أن لا إله إلا الله: نفي وإثبات، والنفي والإثبات: ركنا كلمة التوحيد. تنفي الألوهية عما سوى الله وتثبتها لله عز وجل، ويدخل مع ذلك إفراده جل وعلا في ربوبيته وأسمائه وصفاته مع ألوهيته، فكذلك الشهادة للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة: نفي وإثبات، وتثبت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالرسالة والنبوة التي تقتضي معنى أنه لا متبوع بحق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أن معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى، فكذلك لا متبوع بحق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو ما تقتضيه شهادة الرسالة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وإثبات الرسالة: إثبات للنبوة، وإثبات للنبوة، وهل هناك فرق بين الرسالة والنبوة؟ الصحيح أنه هناك فرق بين الرسالة والنبوة، فإن الله عز وجل فرق بين الرسول والنبي في آيات من كتابه، وهكذا سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. واختلف العلماء في حقيقة التفريق في معنى الرسول والنبي، فذهب كثير من أهل العلم إلى أن الفرق بين الرسول والنبي: أن الرسول من بعث بشرع وأمر بتبليغه، والنبي من بعث بشرع ووحي ولم يؤمر بتبليغه، والصحيح أن هذا القول مرجوح. والراجح ما رجحه عدد من المحققين من أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره، وهو أن الرسول هو من جاء بشرع جديد، ولا مانع أن يكون في شرعه ما هو تبع لمن سبقه من الأنبياء والرسل، ويكون بذلك هو رسولا ونبيا. وأما النبي فهو الذي يكون تبعا لمن سبقه من الأنبياء والرسل في شريعتهم، فيكون نبيا لا رسولا، لأنه لم يؤمر بشرع جديد يؤمر بتبليغه من بعده. فالكل مأمور بالتبليغ، ولكن النبي مأمور بتبليغ ما أوحي لمن قبله من الأنبياء والرسل، وأما الرسول فأمر بتبليغ ما أوحي لمن جاء قبله من الأنبياء والرسل، وكذلك ما أمر به هو خاصة. فمثلا نبينا عليه الصلاة والسلام أمر بشيء أمرت به الأنبياء والرسل من قبل، مثل ماذا؟ التوحيد، فأصل التوحيد هو دعوة الأنبياء والرسل جميعا، دعوة الأنبياء والرسل جميعا. وكما أخبر الله عز وجل بذلك في آيات كثيرة بكتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم بسنته: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وما أرسل الله عز وجل من النبي والرسول إلا كان من أمدأ دعوة ذلك، والنبي والرسول: أعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وغيرها من الآيات في هذا الباب. وأما الشريعة فيما يتعلق بالعبادات والمعاملات، فإنها تختلف، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا لِكُلٍّ نَبِيٍّ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، فجعل الله عز وجل دين الأنبياء في العقيدة واحدا، وأما في الشريعة والمنهاج مختلف. ولذلك أمر أهل الإسلام بأشياء لم يؤمر بها من قبلهم، فالصلاة عند أهل الإسلام تختلف عن الصلاة عند اليهود والنصارى، وهكذا كذلك الطهارة عند أهل الإسلام تختلف عن الطهارة عند اليهود والنصارى. فكان ما آت به نبينا صلى الله عليه وسلم هو الدين الكامل الذي أكمل الله عز وجل به الأديان وأتمه، وختم به سائر الأديان، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. إذن لا يتم إيمان بالله عز وجل إلا بهاتين الكلمتين: الشهادة لله بالوحدانية، والرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة والنبوة. قال: ويعرفون ربهم عز وجل بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كذلك، وهذا من باب عطف الخاص على العام، تأكيد لأهميته، مثل: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، حقيقة إثبات ما أخبر الله عز وجل به بكتابه ونبيه صلى الله عليه وسلم بسنته من أمر الأسماء والصفات. ويدخل في توحيد ماذا؟ في توحيد الله الذي من توحيد الله ووحدانيته: توحيده في أسمائه وصفاته، ولكن لأن موضوع الكتاب هو مناقشة من ضل في هذا الباب في باب الأسماء والصفات، ولأن هذه العقيدة وهذا مما نبهنا عليه في البداية: عقيدة جاءت جوابا لسؤال، والسؤال كان عبارة عن حال هناس في زمانه رحمه الله، عندهم بعض المخالفات والضلالات في بعض أبواب الاعتقاد، ومن ذلك ضلالات في باب الأسماء والصفات. فلذلك عطف هذا الخاص على ذلك العام للتنبيه عليه على أهميته، وهكذا ينبغي أن يكون العالم، فالعلم كثير وهو بحر غزير، وليس كله يستطيع الإنسان أن يعطيه للناس، ولكن يعطي الناس ماذا؟ ما يحتاجون. ولكل مقام مقال، فهو لما كان السؤال حول هذا الباب، ألمح إلى العام ودخل في الخاص، وهكذا طريقة أهل العلم. ثم شرع بعد أن ذكر هذا الموضع الخاص الذي يريد التنبيه عليه، وهذه القاعدة في هذا الباب: القاعدة أننا نعرف الله سبحانه وتعالى ونوحده في أسمائه وصفاته، كيف؟ بما جاء في كتاب الله، وما جاء في صحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو الأصل. والدليل: أدل كثيرة من الكتاب والسنة، عامة وخاصة، من العامة: قول الله عز وجل: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾، ومن أعظم ما أنزل إلينا من ربنا: مسألة العقيدة. فالعقيدة لا تأخذ بالرأي، ولا بالعقل، ولا بالخيالات والمنامات كما تقول الصوفية، ولا كذلك كما قلنا قبل ذلك بالعقل كما تقول الفلاسفة، ولا بالاستحسان والرأي، وإنما هو الدليل والبرهان الذي أمر الله عز وجل به بكتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. فهذا من الدليل العام من القرآن، وله أدل كثيرة، وما هو الذي أنزل إلينا من ربنا؟ القرآن والسنة، كما قال الله عز وجل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقال عن وحي نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. فهذا هو الذي أنزل إلينا من ربنا، والله قال: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، ومن أعظم ما نتبع: باب الاعتقاد، ومن باب الاعتقاد: باب الأسماء والصفات. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام في سنته، كما في حديث أبي هريرة -ومعناه من حديث ابن عباس-: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي»، وأعظم ما يؤخذ من الكتاب والسنة: أمر إي شئ؟ العقيدة. وأما من الأدلة الخاصة: قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، الأسماء الحسنى لله، وتقديم محذوف والتأخير يفيد ماذا؟ الحصر، ومعناه: أن أسماء الله سبحانه وتعالى محصورة لله. كيف نصل إليها؟ بما أخبرنا الله سبحانه وتعالى به في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، وفي الحديث الصحيح الآخر: «إن لله تسعة وتسعين اسما»، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن لله تسعة وتسعين اسما، وهذا لا يعني أنها منحصرة في هذا العدد، ولكن هذه أهم الأسماء، وغيرها ذكر في غير هذا الحديث. فإذن الأدلة العامة والخاصة تدل على أهمية الاعتناء بهذا الباب، وعلى أن الأصل فيه: الكتاب والسنة. ثم أكد ذلك بقوله: وردت الأخبار الصحاح به، ونقلته العدول الثقات، وهكذا كذلك ينبغي أن ننتبه أنه ليس كل ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو ماذا؟ صحيح، بل ينبغي أن نميز بين الصحيح والضعيف مما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتثبت فيما ينقل عنه عليه الصلاة والسلام، وحذر من أن ينسب إليه قول لم يثبت عندنا نسبته إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام -كما في صحيح مسلم- الحديث بهريرة: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين»، وفي رواية: «أحد الكاذبين»، فلا يجوز للمسلم أن يحدث بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعلم أنه ماذا؟ صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولحديث في هذا الباب كثيرة، فإذن الواجب أن يثبت الإنسان في صحة نسبة الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعلم أنه فعلا صحيح. وأكثر ضلال من ضل من أهل البدع والأهواء: أنهم لم يميزوا بين الحديث الصحيح والحديث ماذا؟ الضعيف، فدخلت عليهم عقائد فاسدة، كبعض عباد القبور والأوثان، جعلوا من الاعتقاد الذي يعتقدونه حديثا موضوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لو اعتقدت في حجر لنفعك، وهو حديث موضوع لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من الحديث المكذوب والموضوع الذي يجعلونه في باب العقائد والعبادات والمعاملات، وصار عندهم دين، ولكنه للأسف ينبني على ماذا؟ على حديث مكذوب وموضوع وضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما أهل الحديث والأثر، أهل السنة والجماعة، أتباع الكتاب والسنة، فهم يحرصون على التمييز بين الحديث الصحيح والحديث الضعيف، ولهذا جعل العلماء علما خاصا يسمى إي شئ؟ علم الحديث، فيه أكثر من ستين فنا، كل هذا للاعتناء في الحديث، لأن يميز الحديث الصحيح من الحديث الضعيف. قسم منه يتعلق بالمتن، قسم منه يتعلق بالإسناد، ومما يتعلق بالمتن: أشياء تتعلق بالألفاظ، أشياء تتعلق بالعلل، أشياء تتعلق كذلك بالمتشابه، وغير ذلك مما يعرفون به ثبوت هذا الحديث كاملا أو بعض ألفاظه، أو غير ذلك من المباحث الكثيرة التي بها يعرفون صحة نسبة هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو لا. وهكذا كذلك في الإسناد: أشياء تتعلق بالرجال وأخبارهم وأحوالهم، وانقطاع الأسانيد واتصالها، والعلل فيها، وغير ذلك في بحر كبير ومسائل عديدة في فنون متنوعة، كل ذلك اهتماما واعتناء في التمييز بين الصحيح والضعيف. ومن أعلم الناس بهذا العلم هم أهل السنة، أهل الحديث والأثر، فإذن هم الذين حظوا بمعرفة الحق والصواب في هذا الباب، لأنهم أعلم الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم قال رحمه الله: ويثبتون له جل جلاله منها ما أثبت لنفسه بكتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه القاعدة: إذا ثبت بالكتاب والسنة فالواجب ماذا؟ إثباته، هذا هو المسلم، المسلم هو الذي يستسلم لما في الكتاب وما في السنة جملة وتفصيلا. فإذا أخبرنا الله بشيء صدقناه، وإذا أخبرنا رسوله صلى الله عليه وسلم بشيء صدقنا ذلك وتابعناه، وهذا هو قوله رحمه الله: ويثبتون له جل جلاله منها ما أثبت لنفسه بكتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، هذا هو الطريق الوحيد لإثبات الأسماء والصفات. لا تثبت الأسماء والصفات بالرؤى والمنامات، يأتي أحدهم يقوم من النوم ويقول لأصحابه: رأيت في المنام كذا وكذا، وجاءني الدعاء كذا وكذا، فادعوا الله بإسمه كذا وكذا، وبهذا الذكر، هذا خرافة، وهذا دين باطل، ليس هكذا يأخذ الدين، ولا يدعى الله، ولا يجعل له اسم ولا صفة بمثل هذا الطريق. ولا كذلك بالآراء، فيقول: رأينا كذا وكذا، إذن هذا يعني أننا نسمي الله بكذا وكذا، وكل هذا باطل، ليس بصحيح، وليس هذا الطريق للتدين، ولا لإثبات الأسماء والصفات لله عز وجل، بل طريق إثبات الأسماء والصفات هو ما جاء في كتاب الله، وما جاء على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم مما صح. قال: ولا يعتقدون تشبيها لصفات بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيده، كما نص سبحانه إلى آخره، ومعنى أن القاعدة كذلك في هذا الباب: أنهم يثبتون ما جاء في الكتاب والسنة. القاعدة الأولى في باب الأسماء والصفات: أنهم لا يثبتون إلا ما جاء ماذا؟ في الكتاب والسنة، القاعدة الثانية: أنهم يثبتون ما جاء في الكتاب والسنة كما جاء، لا يعتقدون فيها تشبيها بصفات خلقه. يعني يثبتون إثبات وجود، فيقولون: الله سبحانه وتعالى أثبت بكتابه أنه سميع، إذا نثبت لله أنه سميع، وأن له سمعا يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. أثبت الله عز وجل لنفسه أنه ماذا؟ عليم، فنثبت لله عز وجل اسم العليم، وأن له علما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، لا نقول: سمع كسمعنا، ولا نقول: علم كعلمنا، بل هذا من التشبيه الذي حذرنا الله منه. ولهذا لما ذكر الله عز وجل قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، قال العلماء في هذا: تأكيد لهذه القاعدة التي يذكرها أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات. أن أهل السنة والجماعة يثبتون الأسماء والصفات إثبات وجود، لا يخوضون في تعرض لتشبيه، ولا كذلك تمثيل، ولا تحريف، ولا غير ذلك، يمرونها كما جاءت، يمرونها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. ولهذا قال: ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، يعني كما سبق، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، يمرون ما جاء في الكتاب والسنة من أسماء وصفات كما جاءت، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. لا يقولون: هذا اللفظ ليس المقصود ظاهره، كما يقول أهل البدع والهواء، كما ذكرها هنا: كالمعتزلة والجهمية، ومن تبع هذه الفرق ممن جاء بعدهم، كالأشاعرة والماتريدية وغيرهم من أهل البدع والهواء. فهذه الفرق والأصل هم الجهمية والمعتزلة، ثم تفرع عن الجهمية والمعتزلة فرق أصغر منها، كالكلابية والأشاعرة والماتريدية، وكل هؤلاء اجتمعوا في معنى واحد، وهو ماذا؟ تحريف ما أثبت الله عز وجل لنفسه في كتابه، أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فسموا هؤلاء جميعا ماذا؟ محرفة ومعطلة، لأنهم حرفوا هذه الأسماء والصفات عن ظاهرها الذي أثبتها الله في كتابه، وأثبتها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته. فلهذا صار من عقيدة أهل السنة، وهذا الذي دلت عليه دلائل الكتاب والسنة: أننا نثبت الأسماء والصفات كما جاءت في الكتاب والسنة، من غير تحريف ولا تعطيل. الله عز وجل يقول -كما في هذه الآية-: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدِي﴾، أثبت أن لله ماذا؟ يد، فيأتي المحرف ويقولون: لا، ليس لله يد، وإنما المراد هنا النعمة، أو المراد هنا القوة. فيقال: من أين لكم هذا؟ الله أثبت اليد، الواجب عليك أن تثبت اليد، وإذا حرفت هذا اللفظ، أنت فعلت مخالفتين اثنتين. الأولى: أنك حرفت اللفظ الذي تعبدك الله به، وأخبرك به الله، يقول: يد، وأنت تقول: لا، ليس يد، فتكون بذلك ممن يكذب بكلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحرفه، وهذا صنيع من ضل من أهل الكتاب، وكان سببا لله عز وجل لهم لأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، كما أخبرنا الله عز وجل عن طائفة منهم. وهؤلاء فعلوا نفس الشيء، الثاني: زعموا أن المعنى النعمة أو القوة، فيقال: هذا اللفظ الذي أتيتم به هو تحريف للفظ الذي جاء في الكتاب وفي السنة. ثم كيف تثبتون لله النعمة، ولا تثبتون لله اليد؟ قالوا: ننزه الله أن يكون كالمخلوقين، فإن قيل لهم: لماذا؟ لماذا إذا كان لله نعمة فللعبد نعمة؟ قالوا: لا، نعمة الله ليست كنعمة المخلوق. فيقال: كذلك يد الله ليس كيد المخلوق، فكما أثبتتم نعمة ليس كالنعمة، وقوة ليس كالقوة، فأثبتوا كذلك ماذا؟ يدا ليس كاليد. وأثبتوا كل ما أثبت الله لنفسه مع تنزيه أن يشابه شيئا من خلقه، فهو القائل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وهذا هو الذي ذكره رحمه الله في هذا الموضع، ودلل عليه بقوله بعد ذلك: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، جاء وقت الأذان.