التعليق على القصيدة الهائية  1

التعليق على القصيدة الهائية 1

الدرس في التعليق على القصيدة الهائية 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الزهد والترغيب

يبدأ الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك بشرح القصيدة الهائية للعلامة حافظ بن أحمد الحكمي، ويوضح معانيها في الزهد عن الدنيا والرغبة في الآخرة. يستدل بأحاديث نبوية وأقوال السلف لتوضيح مراتب الزهد.

التحذير من فتنة الدنيا

يروي عمر بن الخطاب قصة مع النبي صلى الله عليه وسلم حول فتنة الدنيا، ويبين أن الدنيا دار ممر وليست دار مستقر، ويحذر من الاغترار بها. يُنبه الشيخ على خطورة الافتتان بالدنيا والتوسع فيها على حساب الدين.

أهمية الزهد في الدنيا وطلب الآخرة

يُنصح بطلب الآخرة والزهد في الدنيا، ويُشدد على أن الدنيا دار ممر وليست دار مستقر. يُحذر من الركون إليها والتعلق بها، ويُنبه إلى أهمية إعمار الآخرة.

دراسة الفقه المقارن

يُناقش أهمية دراسة الفقه المقارن بدلاً من الاقتصار على مذهب معين دون معرفة الأدلة. يُبرز أن الفقه المقارن يجمع بين المسائل والدلائل، ويُوضح أهمية الترجيح بالأدلة في التعلم.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم هذه المادة: تعليقات على القصيدة الهائية في الترغيب والترهيب للعلامة حافظ بن أحمد الحكمي، أرحمه الله تعالى، لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الأول. بسم الله، والحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. من ولاه هذه قصيدة هائية في الترغيب والترهيب. ذكرها الحافظ، ذكرها الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله تعالى، وجعلها في الزهد عن الدنيا والرغبة في الآخرة. ولأنها من ضمن بعض ما كتبه رحمه الله تعالى، كانت ليس لها مقدمة؛ لأنها مقتبسة ومأخوذة من بعض ما كتبه رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى في أولي هذه الأبيات: وما لي وللدنيا وليست ببغيتي ولا منتهى قصدي ولست أنا لها ولست بميال إليها ولا إلى رئاستها نتناً وقبحاً لحالها هي الدار دار الهم والغم والعنا سريع تقضيها قريب زوالها مياسيرها عسر وحزن سرورها وأرباحها خسر ونقص كمالها إذا أضحكت أبكت وإن رام وصلها غبي فيا سرعة انقطاع وصالها فأسأل ربي أن يحول بحوله وقوته بيني وبين اغتيالها أورد هذه الأبيات في الترغيب في الآخرة والترهيب من الافتتان بهذه الدنيا الفانية. فقال رحمه الله: «وما لي وللدنيا وليست ببغيتي» وهذا مقتبس. «والشعراء يقتبسون أشعارهم تارة بما جاء في كتاب الله، والمقصود شعراء الإسلام، وتارة بما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتارة من أشعار من سبقهم مما فيه الحكمة والبلاغة المناسبة لما يذكره في شعره». فقوله: «وما لي وللدنيا» أصله في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: حديث عبد الله بن سعود، وجاء عن ابن عباس، وفيه قصة جاء عند أحمد، والترمذي، والحاكم، وبعض أهل السنن كذلك، حين دخل عمر على النبي صلى الله عليه وسلم. وأصل الحديث فيه قصة طويلة في الصحيحين. وقد أثر الحصير على جنب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: «لو اتخذت شيئا تجعله على هذا الحصير». فقال عليه الصلاة والسلام: «هذا اللفظ الذي جعله في مفتتح هذه الأبيات: ما لي وللدنيا، إنما أنا كرجل استضل تحت شجرة، ثم تركها». وفي رواية في حديث ابن عباس: «ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب في يوم صائف استضل تحت شجرة، ثم تركها». فهذا وصف ومثال لحال الإنسان في هذه الدنيا. أي: أن الدنيا دار ممر لا دار مستقر، دار ممر لا دار مستقر. فمن استطاع التخفيف من أعبائها، وعدم التوسع في مباحاتها، فضلا عن الدخول في الشبهات أو المحرمات منها، فهو الناجي، فهو الناجي. ولذلك قسم العلماء أهل الزهد في الدنيا درجات. فمنهم من زهد باجتناب محرماتها، ومنهم من زهد بالابتعاد عن الشبهات منها، ومنهم من زهد بعدم التوسع في مباحاتها، ومنهم من زهد بترك ما فضل ولو احتاجه منها؛ يعني الفضول. الفضول الذي هو جائز لغيرك تتركه طمعا لسلامتك، وعدم وعدم افتتان قلبك وتعلقه وانشغاله بهذه الدنيا. وضرب بعض العلماء لذلك مثالا: لو كان عندك ثوبان، فأنت سيكون في قلبك شغل بهذين الثوبين، تارة مع هذا وتارة مع هذا. فإذا صار لك ثلاثة، صار في قلبك انشغال بثلاثة. وإذا صار معك أربعة، وإذا صار معك عشرة، كل واحد يأخذ جزء من قلبك، ومن حياتك، ومن وقتك. فلذلك كان حال السلف اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم التخفيف من الدنيا، ومن مباحاتها الجائزة -ليس ما زاد- نقول: الجائزة -ليس الزائدة- يعني: هذه أعلى مراتب الزهد في الدنيا؛ أن تتخفف من أحمال هذه الدنيا بأن تتخلى -قدر المستطاع- عن الجائز، فضلا عن الزائد، فضلا عن الزائد. ومما يدل على هذا ما جاء في الصحيح في البخاري وغيره، وبوب له البخاري بقوله: «باب هديه فيما يكره لبسها». ثم ذكر حديث ابن عمر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى يزور فاطمة، فوجد على بابها سترا موشيا -أو موشيا- يعني: عليه زخارف وألوان، فكره ذلك، فرجع، فلم تعلم فاطمة رضي الله عنها لما رجع، فارسلت عليا رضي الله عنه -أرضاه- إلى النبي صلى الله عليه وسلم: لما لم يدخل بيتها؟ فذكر النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه -أرضاه- أنه أتى بيتها، فوجد على بابها سترا موشيا، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما لي وللدنيا». فرجع علي، فبلغ من فاطمة رضي الله عنها بقول النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت فاطمة رضي الله عنها وارضاها: «قل له: ليأمرني بما يشاء» -يعني: ماذا أصنع الآن؟ ماذا أصنع الآن في هذا الستار الذي كرهته يا رسول الله؟ فأمر، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطى لفلان من الناس -كان ذا حاجة- صاحب فقر وفاقة وحاجة، فتصدقت به فاطمة رضي الله عنها وارضاها. قال شراح هذا الحديث: «لم تفعل فاطمة رضي الله عنها وارضاها محرما ولا مكروها، وإنما كره النبي صلى الله عليه وسلم لابنته أن تأخذ شيئا يمكنه الاستغناء عنه». هل هو من الفضول أو من الزائد؟ ها: لا، من الفضول ولا من الزائد، هو من الحاجة: ستر الباب حاجة، لكنه حاجة بماذا؟ بما يستغن به عن غيره، أو عنه بغيره يستغن عنه بغيره. إذا من استطاع أن يتخفف من الدنيا، فليتخفف قدر المستطاع، فليتخفف قدر المستطاع. وهكذا ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم مع نسائه، حين آل نساؤه وحلف أن لا يقربهن شهرا؛ بما وقع منهن رضي الله عنهن وأرضاهن. والحديث فيه قصة طويلة، نزل فيها قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. الشاهد: لما دخل عمر رضي الله عنه -أرضاه- على النبي صلى الله عليه وسلم ليسأله: هل طلق نساءه؟ جاءه والنبي صلى الله عليه وسلم في موضع في بيته مكروب ومتأذي مما وقع له عليه الصلاة والسلام، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم، فرد عليه خادمه عليه الصلاة والسلام، فقال لعمر: «أخبرته، فصمت ولم يرد علي بشيء». فقعد عمر رضي الله عنه بين أصحابه في المسجد، ثم قال: فأخذني ما وقع -يعني: هو لا يدري هل طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه؟ ومنهم ابنته حفصة- فاستأذن ثانية، فصمت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد شيئا، فرد عليه الخادم بما قال في الأول. ثم استأذن في الثالثة، فكذلك لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، فانصرف عمر -يعني: استأذن ثلاثا فلم يؤذن له- فلما كاد أن ينصرف، ناداه الغلام، وقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، وأذن لك». فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أطلقت نساءك يا رسول الله؟» فقال: «لا». قال عمر: فتنفست؛ لأنه كان به كرب عظيم، ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق نساءه، وأصاب هذا جميع الصحابة رضي الله عنهم. الشاهد: أنه في ثنايا ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نام على حصير، أثر على جنبه. والظاهر أن هذا هو الحديث الذي جاء في حديث ابن عباس، وابن مسعود خارج الصحيح بالروايات الأخرى. فنظر عمر رضي الله عنه في البيت، فلم ير شيئا يملأ عينه -يعني: مما يستحق أن يكون في بيت النبي صلى الله عليه وسلم- فقال: «يا رسول الله، ألا تدعو الله أن يوسع الله على أمتك؟ أو قال: على أصحابك؟» فقال: «إن أهل فارس والروم لا يعبدون الله، وقد وسع لهم في الدنيا». فقام النبي صلى الله عليه وسلم وجلس -وكان متكئا- فقال: «أو بشك من ذلك يا ابن الخطاب؟» فقال عمر رضي الله عنه: «استغفر لي يا رسول الله، استغفر لي يا رسول الله». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ...» أي: الحديث الذي فيه ... في هذا الحديث، في لفظ البخاري ومسلم الزيادة الأخرى التي فيها قوله عليه الصلاة والسلام: «يا عمر، إن هؤلاء عجلت لهم الدنيا طيباتهم في حياتهم الدنيا». ومعناه: أن أهل الإيمان لم تعجل لهم، فإذا ابتلوا بشيء من الشدة؛ لأجل ما ادخره الله عز وجل لهم في الدار الآخرة، في الدار الآخرة. فقولوا رحمه الله: «وما لي وللدنيا» وليس في بغيتي ولا منتهى قصدي، ولست أنا لها. هذا هو حال أهل الإيمان وأهل الإسلام، اتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، ومن اتبعه بإحسان: أن يتخفف من الدنيا قدر المستطاع، وأن يعلم أنها دار ممر لا دار مستقر. وهذا كثير في كتاب الله عز وجل، وسيأتي معنا بعضه. كما سيشير إليه. والله عز وجل يقول: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. وقوله: «وليس في بغيتي» يعني: ليس هي المقصد؛ لماذا؟ لأنها هي دار ممر لا دار مستقر. «ولا منتهى قصدي» يعني: المنتهى ليس هنا، إنما المنتهى الدار الآخرة. قال: «ولست أنا لها» أي: ليس المؤمن لهذه الدنيا، بل هو مقره ومستقره في الآخرة، في جنة الله سبحانه وتعالى. فلذلك يجعل الدنيا سببا لإعمار الآخرة، يجعل الدنيا سببا لإعمار الآخرة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عمار الآخرة، وأن لا يفتننا بهذه الدنيا الفانية. وقوله رحمه الله: «ولست بميال إليها ولا إلى رئاستها نتناً وقبحاً لحالها» هذا كذلك مقتبس من قول ابن المعذل، ابن غيلان، حيث قال: «ولست بنظار إلى جانب العلاء إذا كانت العلياء في جانب الفقري». وهكذا قوله: «ولست بميال إليها ولا إلى» يعني: لست براغب، ولا بملتفت لهذه الدنيا، ولا إلى رئاستها -يعني: ما فيها من مناصب- ما فيها من زخارف، لا تشدني ولا تأخذني إليها؛ لأن هذا كله نتن وقبح. لماذا؟ لأن هذا هو نهاية حالي من توسع فيها، فضلا عن من يقع في غيره من الحرام. ولذلك كان الفقراء -كما يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم- يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام: أهل خفة ما عندهم، ما يسألون عنه، ما عندهم ما يسألون عنه. وكلهم أهل إيمان، وكلهم أهل إسلام، لكن هؤلاء خفاف، يسبقون الأغنياء. والأغنياء وإن كانوا من أهل الجنة، أو كانوا من أهل الإيمان، إلا أنهم بسبب تلك التوسعة كان لهم ما يؤخرهم عن أن يكونوا ممن يسبق إلى جنة الله سبحانه وتعالى. فكيف إذا وقع في التوسعة في ما يوقعه في الشبهات، فضلا عن المحرمات؟ قال رحمه الله: «هي الدار دار الهم والغم والعنا، سريع تقضيها قريب زوالها» هذا هو وصف الدنيا: أنها دار الهم والغم والعنا -أي: التعب- مليئة بالهموم والغموم والتعب. وهذا كقول أبي العتاهية. وهكذا كما قلنا: يقتبس الشعراء بما يجدونه ممن سبقهم، كقول أبي العتاهية: «هي الدار دار الأذى والقذى ودار الغرور ودار الغير». وهكذا هنا: «هي الدار دار الهم والغم والعنا، سريع تقضيها» أي: سريع أيامها وشهور وعوامها تمر، فما يدري الإنسان إلا وقد خرج منها. لكن بماذا خرج؟ نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يفتن، أن لا يفتن بهذه الدنيا. وقوله: «قريب زوالها» أي: كذلك إذا كان زوالها قريب. وكل ما هو آت فهو قريب. فهذا يستدعي أن لا يفتتن الإنسان بما فيها، وأن يجتهد بأن يجعلها دار ممر يتزود فيها بإعمار آخرته، يتزود فيها بإعمار آخرته؛ لأنها هي دار البقاء. قال رحمه الله: «مياسيرها عسر وحزن سرورها» أي: اليسر الذي فيها حقيقته العسر؛ لماذا؟ لأنك ستسأل عنه إذا وسع عليك، فهذا في الحقيقة هو فتنة؛ لأنك ستسأل عن هذه التوسعة. وهذا عسر. فكيف إذا كان هذا اليسر استخدم في غير موضعه وحله؟ فهذا أشد وأعظم، هذا أشد وأعظم. «وحزن سرورها» لماذا؟ لأن ما تسر به اليوم ستحزن عنه يوم القيامة؛ لماذا؟ لو لم يكن إلا أن يسبقك أهل عدم التوسعة إلى جنة الله سبحانه وتعالى، لكان هذا موجما للحزن. فكيف بما هو أعظم من ذلك؟ أن تسأل كما قال عليه الصلاة والسلام: «أن العبد يسأل يوم القيامة في كل شيء». كما قال في حديث عبد الله بن عمر: «ما من امرئ إلا وسيخلو به ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، يخلو الرب بعباده، فيسألهم عما صنعوا في هذه الدنيا». ومن ذلك: عن ماله، من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ وهكذا عن عمره، وعن حياته، وسائر ما ورد في هذا الباب، كما في حديث ابن عباس وغيره. قال رحمه الله: «وأرباحها خسر ونقص كمالها» أرباحها خسر؛ لأن الربح من الدنيا خسارة. وجهه ومراده: أنك تربح بما لا تعمر به الآخرة. فإذا ربحت بما لم تعمر به آخرتك، كانت هذه خسارة. هذا إذا كان في مباح. فكيف إذا كان على حساب واجب، أو وقوع في محرم؟ وقليل من يسلم من ذلك في من يتوسع في هذه الدنيا. والمعصوم من عصمه الله. نسأل الله عز وجل أن يعصمنا بعصمته. «ونقص كمالها» يعني: كلما حرصت على الكمال في هذه الدنيا، هو نقص في الحقيقة؛ لماذا؟ لأنه يأخذ من حياتك ووقتك لإعمار آخرتك، لإعمار آخرتك. هذا الذي يجتهد أن يكون له بيت فاخر، وسيارة فارهة. البيت الفاخر يأخذ منه وقت من عمره أم لا؟ يأخذ وقت من عمره. هذا الوقت لو جعل في شيء من طاعة الله سبحانه وتعالى، لكان هذا إعمار لآخرته. فكيف إذا كان الوصول إلى هذه التوسعة، وهذا الكمال الذي يطلبه على حساب دينه؟ على حساب دينه بالتوسع الذي قد يوقعه في الشبهات أو المحرمات؟ فهذا أعظم وأعظم. إن كان سالما -كان نقص- فكيف إذا كان فيه شيء من الوقوع في الشبهات أو المحرمات؟ فهو أعظم وأعظم. ولا يعني ذلك أن الإنسان تكون يده سفلة -لا- النبي عليه الصلاة والسلام -كما في حديث في البخاري وغير- يقول: «يد العليا خير من ماذا؟ من اليد السفلة». فأنت تأخذ من الدنيا ما يعطيك الكفاف والغنى الذي يعينك على العفاف، ويعينك على عبادة ربك سبحانه وتعالى. لكن المذموم هو التوسع كما تقدم، المذموم هو التوسع والتنافس في هذه الدنيا بما يشغل عن الآخرة. وهذا درجات كما تقدم معنا، هذا درجات كما تقدم معنا. ولذلك كان الأنبياء عليه الصلاة والسلام، ونبينا على وجه الفصوص عليه الصلاة والسلام، كان حريصا في نفسه وأهله ألا يتوسع في الزائد، فضلا عن الفضول من ذلك عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: «إذا أضحكت أبكت، وإن رام وصلها غبي، فيا سرعة انقطاع وصالها» وهذا كقول الآخر كذلك فيما ذكره صاحب جواهر الأدب، قال: «إذا أضحك أبكت، وإن أحسنت أسأت، وإن أعدلت يوما فسوف تجوروا». وهذا وصف كذلك للدنيا. وهنا يقول: «إذا أضحكت أبكت، وإن رام وصلها غبي، فيا سرعة انقطاع وصالها» يعني: هذه الدنيا لو أضحكتك سرعان ما تبكيك، لا يبقى أحد في ضحك، بل ضحك مخلوط ببكاء. وهكذا وصال مخلوط بانقطاع. كم قد فرحت بوصال، وسرعان ما تجد ما يشوش ويكدر ذاك الوصال بالانقطاع؛ لماذا؟ لأنها دار ممر لا دار مستقر. فلا ينبغي أن تشغلك، ولا ينبغي أن تركن إليها، بل ينبغي أن تعلم علم اليقين أنها دار ممر لا دار مستقر. ولذلك غبي من يفتتن بها. وقد مر ما يعظه من اجتماع التضاد فيها: ضحك ممزوج ببكاء، ووصال ممزوج بانقطاع، وغير ذلك من الأضاد التي فيها عظة وعبرة لمن يعتبر. وهذا كقول الذي قال قبل ذلك: «وإن أحسنت أسأت» يعني: تجد منها إحسان، ثم تجد إساءة. يعني: تجد ما تفرح به، وتجد ما تحزن. وهكذا تجد ما تظنه فيه خير، ثم تجد ما هو ضد ذلك. إذن: انتبه أن تغرك هذه الدنيا إن جاءك شيء من السعة. قال رحمه الله: «فأسأل ربي أن يحول بحوله وقوته بيني وبين اغتيالها» فيدعو الله عز وجل أن يحفظه ربه. وهو دعاء له ولمن يسمع. ونسأل الله عز وجل كذلك أن يحول بيننا وبين هذه الدنيا أن تغتالنا. ومعنى اغتيالها: أن يغتال ويقتل الإنسان بالافتتان بها؛ لأن من افتتن بها قتلته هذه الدنيا بماذا؟ بزخارفها. ومن لم يفتتن بها، وجعلها على ما أراده الله سبحانه وتعالى، فهو الذي سلم من هذه الدنيا. قال: «فيا طالب الدنيا الدنيئة جاهدا ألا طلب سواها إنها لا وفاء لها» وهذا نداء بعد هذا الدعاء، وفيه نصيحة وتحذير لكل من قد غرته الدنيا أن يحذرها. «يا طالب الدنيا الدنيئة جاهدا» يعني: من جعل جهده واجتهاده في طلب هذه الدنيا الدنيئة. وما سمي الدنيا إلا لدناءتها. وقيل: سميت الدنيا دنيا لقربها وسرعان زوالها. وكل الأمرين معنيين مذمومين كافيين بالتحذير منها. «ألا أطلب سواها» إنها لا وفاء لها يعني: احذر أن تبذل جهدك فيها، اجعل جهدك في سواها -أي: الآخرة- وهذا كقول الله عز وجل: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. «إنها لا وفاء لها» يعني: لا تظن أنك ما تجمعه ينفعك، بل يضرك. لا تظن أن ما تجمعه سيبقى لك، بل ستتركه خلفك، وسيكون الحجة عليك -لا لك- إلا من رحم الله ممن استعان بذلك في طاعة الله سبحانه وتعالى. قال: «فكم قد رأينا من حريص مشفق عليها فلم يظهر بها أن ينالها» يعني: كثير. «فكم» هنا تأتي للتكثير، وتأتي للتقليل، لكنها هنا للتكثير. «فكم» أي: كثير قد رأينا ممن حرص واجتهد حتى لم يشفق على نفسه من هذا الاجتهاد والحرص، فلم يظهر بها أي: لم يحصل منها. وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم بحق ابن آدم الذي لا يغنيه شيء مما يجمعه من هذه الدنيا: «فإنه لو كان له واد لأحب أن يكون له واديان» -أي: من ذهب- ولو كان له واديان لطمع أن يكون له ماذا؟ ثلاثة. ولا يملأ فاه إلا التراب. ويتوب الله على من تاب. فلا يقنع هذا الإنسان إلا إذا قنعه الله بما علم من دين الله سبحانه وتعالى. وإلا فالدنيا فتنة. كم من الأغنياء؟ انظروا إلى ما أخبر الله عز وجل عن قارون. ومع ذلك قارون يطمع أكثر. قارون ماذا يطمع أكثر؟ بل قال النبي عليه الصلاة والسلام -وقوله حق- «أن ابن آدم لو كان له وادي من ذهب لا أحب أن يكون له واديان، ولو كان له واديان لا أحب أن يكون له ماذا؟ ثلاثة» إلى متى؟ إلى أن يموت، ويملأ فاه التراب. يعني: ما في قناعة. ما دام القلب متعلق بهذه الدنيا. ويتوب الله على من تاب. وهذا هو قوله ورحمه الله: «فلم يظهر بها أن ينالها أبدا» مهما اجتهد لن تظهر بما في هذه الدنيا. بينما لو أعمرت آخرتك تمر عليك الدنيا سريعا وتنقضي، وتلقى الله عز وجل فيكرمك بما هو أعظم مما في هذه الدنيا الدنيا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لطلب رضاه، ونجعلنا وإياكم من طالبي الآخرة، ومن الزاهدين في هذه الدنيا، اللهم آمين. وبهذا القدر نكتفي، ونكمل إن شاء الله ما تبقى في مجلس لاحق. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. يقول السائل ها هنا: «هل يجوز التمذهب عقيدة وفقها؛ لأن الكثير يقول: لقد تشعبت علينا النصوص وأقوال العلماء، والتمذهب طريق مختصر لوصول العلم؟ هل هذا صحيح؟» التمذهب طريق مختصر لوصول العلم، هذا ليس صحيح. نعم، اختلف العلماء في قضية أن يدرس طالب العلم الفقه على مذهب معين. وبعض العلماء منع من ذلك. ومن قال من العلماء أنه يدرس الفقه على مذهب معين، ليس مرادهم حقيقة ليس مرادهم أن يكون الطالب مذهبا مقلدا، يبقى كحال المقلدة. لكن قول هذا العلماء في الحقيقة قد يؤدي -أي: الذين قالوا بجواز أو استحباب دراسة الفقه على مذهب معين- قولهم -وإن كانوا قد اجتهدوا فيه- قد يؤدي إلى التمذهب المذموم، شعر الطالب أو لم يشعر. وإن كانوا هم قد حذروا من التمذهب المذموم. لماذا؟ لأن هذا الطالب الذي سيدرس الفقه بمذهب معين، وستدرج في هذا في هذه الكتب، سيأخذ هذا الفقه على هذا المذهب: صوابه وخطأه، راجحه ومرجوحه. فمتى يستطيع أن يعرف الصواب؟ الآن هو أدخل المسائل بدون تمييز، بدون معرفة راجح من مرجوح. يقول: «أريد أن أختصر، وأريد أن آخذ شيء بدون خلافات، بدون أن أشوش على نفسي». لكن في الحقيقة هو أدخل شيء لا يمكن التمييز فيه بين الصواب من الخطأ. متى سينقي؟ ومن الذي سيخرج له؟ ما دخل، دخلت عليه معلومات كثيرة في سنين كثيرة. مثلا: أضرب لكم مثال، بعض الإخوة استحدث هذه الطريقة، وتعرفون طلبة العلم المشايخ في اليمن على دراسة الفقه بالفقه المقارن: معرفة الراجح، الدليل، المدلول. وهذه طريقة الكثير من المحققين من أهل العلم، من لئهم، ومن بعدهم. حتى لئم الأربعة، ما كانوا يرضون بالتقليد -إذا لم يرضوا بالتقليد عمليا- فكيف يرتضوا به ماذا؟ علميا؟ والأمر العلمي أشد من الأمر العملي؛ لأن العملي لا يقرر كتقرير العلم الذي يصير كالأصول. وهذا هو الواقع. فالشاهد: مثال بعض الإخوة استحدث هذه الطريقة، فدرس طلابه لمدة ثلاث سنوات: كتب فقه مذهب معين، ابتدأ بالصغار، ثم كبار، ثم إلى آخره، يتدرج بهم ثلاث سنين. فجاء بعض الطلاب، ووجد تناقضا؛ لماذا؟ لأنه يدرس المذهب، والمذهب، والمذهب، والمذهب، والمذهب. ثم يجد نفسه أمام أقوال مرجوحة في كثير من المسائل. كلما قال شيء، ما عنده دليل إلا المذهب؛ لأنه في البداية ما يدرس الأدلة. تعرفون ترتيب كتب المذاهب: فقط الأقوال. ثم يسمع: «هذا خطأ، هذا ليس صحيح، الحديث فيه ... هذا دليل، حديث ضعيف، هذا قول مرجوح، هذا منسوخ». يقول: «صر ...» يعني: كالجاهل الذي هو أشهد من ماذا؟ من عامة الناس مع الأدلة. فعلمت أن طريقة ما عليها أهل السنة في تدريس الفقه المقارن هو الصواب. وهذه هي طريقة العلماء والإمة: الشيخ الإسلام ابن تيمية، ابن القيم، ومن بعدهم. وهذا هو الفقه: معرفة المسائل، وماذا؟ والدلائل: مسألة ودليلها، مسألة ودليلها. وكونك تعرف هذا، هذا هو الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم أرضاهم، وبه السلامة. والاختصار الحقيقي لتعلم العلم: أن تجمع بين المسائل والدلائل. وكونك تتعب في معرفة الصواب، هذا هو الدين الذي أوجبه الله عز وجل عليك. سترتاح بعده من ناحية العلمية، ومن ناحية العملية. كيف يهنأ لك بال أن تعبد الله سبحانه وتعالى في أنواع العبادات، وأنت تعلم أن في ضمن هذا الكتاب أشياء مرجوحة وخاطئة كثيرة؟ كيف ترضى لنفسك؟ هل يجوز هذا؟ أن تأخذ كتابا أنت على يقين أنه فيه أقوال مرجوحة وخلاف الصواب، وتأخذه. يأتيك الحنفي فيستصيد أن يخرج من الصلاة بغير السلام، وأنت تعرف أن هذا لا يجوز، ولا يمكن يحدث ويقول: «خلاص انتهت الصلاة». هل يجوز أن تقول: «أنا شافع وأنت حنفي، خلك في كتب الحنفية، ودرس عليه، وامشي عليه، طبق عليه» إلى متى؟ إلى أن يفتح الله عليك. بعدين أنت اجتهد في معرفة الدليل. كيف هذا دين؟ هذا دين. كيف تعبد الله عز وجل وأنت تعرف أن هذه المسائل كلها في أخطاء، وفي أشياء مرجوحة، وبعضها أمور عظيمة، بعض أمور عظيمة لا يجوز لك الرضا بها. طيب: إذا قلت: «أنا سأجتنب» كيف ستميز؟ إذا لم تتتبع المسائل بدلائلها؟ ولذلك كان الصواب، وهو الذي استقر عليه حتى طريقة العلماء في المدارس والجامعات، وسائر المراكز العلمية: اعتماد الفقه المقارن، اعتماد الفقه المقارن. طيب: قد يقول قائل: «إذا كان الأمر كذلك، كيف نرى بعض المشايخ والطلاب يدرسون بعض كتب المشايخ، وهي كتب مذهبية؟ مثل بعض كتب وشروح الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، أو غيره من أهل العلم؟» الجواب: إذا كان الشرح لكتاب مذهب من المذاهب لإمام محق، يذكر المسألة بترجيح الراجح فيها، فأنت لم تدرس فقه مذهبي. أنت لم تدرس فقه مذهبي. أنت درست فقه فيه ماذا؟ انتقاد على هذا المذهب. أنت تقرأ «السيل الجرار» -السيل الجرار تعليق على كتب ماذا؟ «حدائق الأزهار» الذي هو للزيدية -شيعة- لكن هل السنة يقرؤون فيه؟ هل صاروا زيدية؟ لا، يقرؤون فيه؛ لأنه فقه فيه مسائل ودلائل، وانتقاد لما في هذا الكتاب، وانتقاد لما في هذا الكتاب؛ لأن الشارح عالم محقق، لا يذكر المسألة إلا بالراجح، بالدليل. كذلك إذا قرأت كتب الحنابلة بشرح أحد المحققين، أو كتب الشافعية بشرح أحد المحققين، أو غيرهم من أهل العلم، فإنه كذلك على هذا المعنى. أو كان الكتاب منسوب إلى المذهب، لكنه على الطريقة التي هي طريقة الفقه المقارن: الفقه المقارن. مثل مثلا بعض الكتب المقررة هي من كتب المالكية: «بداية المجتهد» -«بداية المجتهد» محسوب أنه من كتب ماذا؟ المالكية- لكن طريقته طريقة الفقه المقارن: يذكر المسائل والخلاف فيها، ويشير إلى الراجح بما يظن أنه راجح بدليله. فهو -ولو كان محسوب على المالكية- لكنه في الحقيقة طريقته طريقة ماذا؟ الفقه المقارن. فمثل هذه الكتب، الاستفادة منها إن شاء الله لا حرج. ولذلك بفضل الله في الجامعات -كالجامعة الإسلامية- كتاب الفقه المقرر هو «بداية المجتهد»؛ لماذا اختارت اللجنة العلمية المشرفة هذا الكتاب؟ لأنه كتاب فقه مقارن، كتاب فقه مقارن: مسائل ودلائل، مع معرفة الراجح. وهكذا ينبغي. وحمد الله: هناك كتب لو قال قائل: «ما نجد كتب مختصرة» موجود. يقول قائل: «ما في كتب مختصرة في الفقه المقارن» يقول: «لا، موجود». فـ«منهج السالكين» لشيخ الإسلام ابن سعدي رحمه الله من كتب الفقه المقارن. «الدرر البهية» للشوكاني رحمه الله: مختصر، هو من كتب الفقه المقارن. ثم انتقل درجة أعلى في كتب أخرى في هذا الباب: كـ«الدراري» وغيره من الكتب الأخرى. طيب: نكتفي بهذا القدر. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرا.