المحاضرة بعنوان فضل التوحيد والعلم، والتي كانت بجامع التوحيد بدار الحديث بتريم يوم الجمعة 13 محرم 1446هـ الموافق 19 يوليو 2024م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على أهمية العلم في تصحيح العقيدة والعبادة، ويبين كيف أدى الجهل إلى انحراف الناس عن التوحيد. العلم يلعب دورا حاسما في إصلاح المجتمع وإخراج طلبة علم أقوياء.
كان النبي يعلم أصحابه شيئا فشيئا حتى تربت أمته على التوحيد والعقيدة الصحيحة، ونهاهم عن المعتقدات الجاهلية مثل زيارة القبور والتطير والتشاؤم.
يتحدث المقطع عن عواقب الجهل وانتشار الظلم والتجاسر على سفك الدماء، ويشير إلى أهمية العلم والذكر في إصلاح النفوس والمجتمعات.
الموقع الرسمي لدار الحديث بالفيوش والشحر يقدم لكم هذه المادة. لبيك لا شريك لك، لبيك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، سبحان الله! كيف أضلهم الشيطان بسبب الجهل وبسبب دعاة السوء والضلال، فكانوا من المحرومين؟ أيها المسلمون والمسلمات، أيها المستمعون والمستمعات، إن حاجة الأمة إلى العلم حاجة عظيمة، وافتقارها لتعلم العلم لتصحيح عقيدتها وتصحيح عبادتها وتصحيح معاملاتها وتصحيح أخلاقها وسلوكياتها وإصلاح منهجها حاجة عظيمة، أعظم من حاجة الطعام والشراب، كما قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: «الناس يحتاجون إلى العلم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب؛ إن كان ليحتاج الطعام أو الشراب المرة أو المرتين، ولكنهم يحتاجون العلم بعدد أنفاسهم؛ أي كل نفس يحتاج إلى علم، كل فكرة يحتاج إلى علم، كل قول أو عمل يحتاج إلى علم». محاضرة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي -حفظه الله- كانت بتاريخ الثالث عشر من شهر الله المحرم لعام ألف وأربعمائة وستة وأربعين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة في دار الحديث بجامع التوحيد بتاريم، حرسها الله تعالى. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، فنحمد الله -عز وجل- حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمده سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي -عليه الصلاة والسلام- وذلك عظيم ما أنعم الله -عز وجل- به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمده سبحانه أن وفقنا وأعاننا لأداء هذه الفريضة، وهذه الصلاة، وأن نجتمع في بيت من نبيوت الله، لا لأعراض ولا لأغراض، ولا لأحساب ولا أنساب، ولكن نرجو ما عند الله -سبحانه وتعالى-. كما نحمده سبحانه أن يسر لنا في هذه الليلة اختتام هذه الدورة المباركة، هذه الدورة العلمية المكثفة التي كانت في هذه الدار المباركة، دار الحديث بتريم، بجامع مسجد التوحيد. هذه الدار التي بإذن الله -سبحانه وتعالى- ستكون عامرة بعلوم القرآن والسنة، وكذلك أنواع مدارس مدرسة العلم. هذه الدار المباركة التي بإذن الله -سبحانه وتعالى- سيكون فيها من أنواع العلوم وصنوف كتب أهل العلم ما يكون بإذن الله -سبحانه وتعالى- سببا لإصلاح المجتمع، بإخراج طلبة العلم على قوياء، والخطباء والقراء والحفاظ، وكذلك الدعاة، بما ينفع الله -عز وجل- بهم العباد والبلاد. أيها الأحبة، إن منزلة العلم عند الله -سبحانه وتعالى- منزلة عظيمة. ولذلك كان من أول ما أنزل على نبينا -صلى الله عليه وسلم- الأمر بالعلم، لعظيم منزلة العلم في هذا الدين، كما قال الله -عز وجل-: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1 - 5]. فإن من أوائل ما أنزل على نبينا -صلى الله عليه وسلم- الأمر بالعلم، لأجل أن تعلم هذه الأمة أن هذا الدين العظيم إنما هو العلم، العلم الذي أنزله الله وأوحاه إلى رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. إن منزلة العلم عند الله -سبحانه وتعالى- وفي دين الله عظيمة. ولذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحث على العلم من أول دعوته، ومن أول أمره، يحثهم على تعلم القرآن، وتعلم ما ينفعهم من عقيدة هذا الدين العظيم، لأجل أن تعقد قلوبهم على معاني الإيمان والتوحيد، وتخلص لله -سبحانه وتعالى- رب العبيد، لأجل أن تلتفت إليه وحده، ولا تتعلق بغيره -سبحانه وتعالى-. وهذه هي العبودية لله -عز وجل-، إذا لم يعرفها الناس بالعلم، تخطفتهم شياطين الجن والإنس، كما قال الله -عز وجل-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. الغاية العظمى والهدف الأسمى الذي لأجله خلق الله -عز وجل- الخلائق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، هو لإفراد الله -عز وجل- بعبادته، وأن للناس أن يصلوا إلى هذه الحقيقة. وقد طغت في مجتمعاتهم على مد البصور والعصور، طغت عليهم أنواع الجهالات، وأنواع الشركيات والوثنيات والخرافات والخزعبلات التي صارت عند الكثير من الناس عقائد يعتقدونها، ودينا يدينون به، وربما يظنون أنهم بهذا يتقربون إلى الله رب العالمين. أولئك الذين أشركوا في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- ظنوا أنهم يفعلون خيرا، وأنهم يصلون بهذا إلى خير، وإلى رضى الرب، بسبب الجهل والبعد عن العلم، يأتون فيطوفون، ويقولون: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك». انظروا كيف أبطلوا عقيدة التوحيد بما دخل عليهم في أقوالهم وأفعالهم من الشرك. وما ذلك إلا بسبب الجهل، وبعد العلم، وتقادم العلم الذي جاءت به الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام-. يأتون بكلمة أتى بها إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- وزادوا إليها جملة هي من كيس المشركين والوثنيين، فخلطوا الحق بالباطل، فأبطلوا الحق بالباطل. فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- مجددا لدين إبراهيم، وخاتما لدعوة الأنبياء والمرسلين، ليبين للناس الدين الصحيح والعقيدة الصافية التي دعا الله -عز وجل- إليها جميع الأنبياء والرسل. فأمرهم أن يقولوا: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». انظر إلى كلمة التوحيد التي جاء بها النبي -صلى الله عليه وسلم- وإلى تلك الكلمة التي كانوا يقولونها ويطوفون بالبيت وينادون بها ويظنون أنهم يتقربون إلى الله -سبحانه وتعالى- فيقولون: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك». سبحان الله! كيف أضلهم الشيطان بسبب الجهل وبسبب دعاة السوء والضلال، فكانوا من المحرومين؟! عبدوا الأشجار والأحجار، وعبدوا القبور والتوابيت والقباب، وجعلوا الزيارات، وجعلوا كذلك غيرها من أنواع الشركيات والوثنيات. أنزل الله -عز وجل- عليهم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: 19، 20]. كل هذا كان مما يعبده المشركون، وكانوا يتوجهون إليهم بالدعاء، ويطلبون منهم أنواع الرجاء، ويرجون منهم أعظم مما يرجون من الله -سبحانه وتعالى- بسبب الجهل والبعد عن الدين، وتقادم بعد دعوة الأنبياء والمرسلين -عليهم الصلاة والسلام-. ولهذا أرسل الله -عز وجل- نبيه محمدا -صلى الله عليه وسلم- ليجدد هذا الدين، وليردهم إلى إخلاص العبادة لرب العالمين، ليعلموا بالعلم النافع أن دعوة الله -عز وجل- هي دعوة التوحيد التي لا يجوز أن يكون معها شيء من الشرك، ولو كان قليلا. لما جاء الرجل وقال: «ما شاء الله وشئت -يا رسول الله-» وهو مسلم، ولكنه حديث عهد بإسلام، قال: «أجعلتني لله ندا؟ بل قل: ما شاء الله وحده، بل قل: ما شاء الله وحده». وكان من حلف أهل الجاهلية أنهم كانوا يحلفون بالله والعزة، بدل أن يقولوا: «والله» أو «بالله» أو «تالله»، كانوا يحلفون بما يعظمون مما يعبدون، يقولون: «اللات والعزة». فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، وقال: «من كان حالفا فليحلف بالله». فوقع أن رجلا أخطأ وجرت لسانه على عادته في أيام جاهليته، فقال: «واللات والعزة». فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم: «من حلف باللات والعزة فليقل: لا إله إلا الله». كفارة هذا الخطأ في لسانهم أن يمحوها بكلمة التوحيد الخالصة، بكلمة التوحيد الخالصة. لم يزل النبي -صلى الله عليه وسلم- بالعلم، بالليل والنهار، بكل ساعة ولحظة، يعلم ويوجه ويصحح بالعلم ويربي، حتى تربت أمته -عليه الصلاة والسلام- على التوحيد، حتى تعلمت أمته حقيقة التوحيد. نهاهم في أول الإسلام عن زيارة القبور، لما كان في تلك القبور من أنواع الشركيات وصنوف الوثنيات، وكذلك ما كان عليه الكثير من الخرافات والخزعبلات في مقابر أهل الجاهلية. نهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عن زيارة القبور، حماية لحمة التوحيد، وسدا لدريعة الشرك. فلما رسخ الإيمان في قلوبهم، ودخلت عقيدة التوحيد في صدورهم، عند ذلك أذن لمن يزور القبور ليتعظوا وليعتبروا. كل هذا من تعليم نبينا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. قال -عليه الصلاة والسلام- كما في الصحيح: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة». لماذا نهاهم في أول الإسلام؟ لأنهم كانوا حديثا عهد بإسلام، وأثار الوثنيات والشركيات لا يزال موجودا. فرض الحج في السنة التاسعة، ولم يحج النبي -صلى الله عليه وسلم- حين فرض الحج في السنة التاسعة، ولكنه أرسل أبا بكر -رضي الله عنه وأرضاه- أن يحج بالناس، وأرسل عليا أن ينادي ويطوف حول البيت: «ألا يطوف من العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان». أرسل أبا بكر لأجل أن يطهر البيت من أنواع الشركيات والوثنيات، وألا يبقى قول ولا فعل من بقايا أهل الجاهلية وأهل الشرك، حتى جاءت السنة العاشرة، وقد طهر البيت من الأقوال الشركية، ومن الأفعال الوثنية، ومن بقايا أهل الخرافة. فجاءت في السنة العاشرة بدين الله -عز وجل- الخالص، وبالحج على ما يريد رب العالمين من إكمال التوحيد له، وإخلاص الدين له -سبحانه وتعالى-. درج الشريعة، وعلم الأمة شيئا فشيئا، حتى تربت أمة الإسلام على التوحيد والعقيدة. كانوا يأتون إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألونه عن أمور دينهم، وأمور عقيدتهم، وأمور عبادتهم. جاء معاوية بن الحكم السلمي -كما في صحيح مسلم- إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وسأله أسئلة كثيرة عن دين الله، يتفقه في دين الله -عز وجل-، ثم ذكر له عن التطير. قال: «ومنا أناس المتطيرون». قال: «ذلك شيء يجد أحدهم في نفسه، فلا يضرنكم». «ذلك شيء يجد أحدكم في نفسه، ولا يضرنكم». وفي الصحيحين، من حديث ابن عمر، ومعناه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنهم وأرضاهم- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر». وفي رواية في مسلم، من حديث ابن عمر: «ولا نوء ولا غول». كل هذه كانت معتقدات عند أهل الجاهلية. كانوا يعتقدون أنه يعدي شيء شيئا بغير إرادة الله -عز وجل- وإذنه. فبين لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالعلم كيف يميزون بين الصواب من الخطأ، وكيف تتعلق قلوبهم برب العالمين، ويتوكلون عليه حق التوكل، مع الأخذ بالأسباب. فهو القائل: «فر من المجذوم فرارك من الأسد» كما رواه البخاري معلقا، وبالمستدرك موصولا بإسناد صحيح. وهو القائل -عليه الصلاة والسلام- كما في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه وأرضاه-: «لا يوردن ممرض على مصح». فنهى أن يورد الممرض -أي المريض- على المصح، حتى لا ينتقل المرض من المريض إلى المصح. وهذا من الأخذ بالأسباب. ومع ذلك إذا وقع السبب، واحتاج المريض إلى العناية والرعاية، خذ بالحيطة ولا تتركه، ولا تخاف من أقدار الله -سبحانه وتعالى- فتهمله، كما يفعل اليوم أهل الشرك وأهل الكفر. إذا أصيب أحد الأسرة بالمرض، بدلا من أن يقوموا بعلاجه مع الأخذ بالأسباب، يرمونه إلى الملاجئ، ويرمونه كذلك إلى الأجانب، خوفا من أن يصاب بالمرض. هذه عقيدة أهل الجاهلية، هذا هو الخوف الذي ينافي التوكل. ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- بين أن العدوى تقع، ولكن هذه العدوى لا تقع إلا بإذن الله. خذ بالأسباب، خذ بالأسباب، واعتقد عقيدة ثابتة: أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وفي مسند الإمام أحمد، من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه وأرضاه- بإسناد صحيح، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قام في الناس خطيبا يوما، فقال: «لا يعدي شيء شيئا، لا يعدي شيء شيئا، لا يعدي شيء شيئا». كررها ثلاثا. فقام رجل، فذكر للنبي -صلى الله عليه وسلم- ما يصيب الإبل من الجرب، وكيف أنه يعد بعضها بعضا. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فمن أعدى الأول؟» يعني الأول الذي أصابه الجرب. من أين جاءه الجرب؟ وليس عنده حوله أحد فيه جرب. فسكت الرجل. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- حينها، مبينا هذه الحقيقة: «أن الذي منع الذي أصاب الأول من غير سبب ظاهر، فهو قادر على أن يمنع الثاني مع وجود السبب». ولا يعني ذلك أن تفصل الإبل الجرباء من غير الجرباء. ولكن أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبين: أننا نكون على عقيدة ثابتة، أننا نأخذ بالأسباب، ونعتقد أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا. هذا الذي أراده -عليه الصلاة والسلام-. وهكذا بين -عليه الصلاة والسلام- وعلم أمته. وهذا يدلك على أهمية العلم لتصحح به العقيدة، ولتفهم الأمور بدقة، ولأجل أن يميز بين الصواب من الخطأ. قال: «ولا طيرة». نفى وجود الطيرة. قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: «والنفي أبلغ من النهي؛ فإذا نفى وجود الشيء، فهو متضمن للنهي؛ إذا الشيء أصلا غير موجود، فلماذا تعتقد فيه؟ فهو متضمن للنهي والزيادة». نفى النبي -صلى الله عليه وسلم- وجود الطيرة، وهو التشاؤم بكل معلوم أو مسموع أو مرئي. فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- نفى وجود الطيرة. وكان من اعتقاد أهل الجاهلية أنهم يتشاؤمون من بعض الأرقام، أو يتشاؤمون من بعض الأيام، أو يتشاؤمون من بعض الأشهر، أو يتشاؤمون من بعض الأصوات، أو يتشاؤمون من بعض ما يرونه من المناظر. فكانوا يتشاؤمون من يوم الأربعاء، ويتشاؤمون من شهر صفر، ويتشاؤمون من رقم ثلاثة عشر، ويتشاؤمون كذلك من صوت الغراب، ويتشاؤمون كذلك من رؤية الأعمى والأبرص والمعوق وغير ذلك في أول النهار. فنهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن هذا التشاؤم، وبين أن التشاؤم ليس له وجود في الحقيقة، وإنما هي أشياء يقذفها الشيطان في قلوب الناس. وإلا فلا خير ولا شر إلا من الله، النافع والضار هو الله -سبحانه وتعالى- وحده. وهذه الأشياء لا تجلب خيرا ولا تدفع شرا، وإنما هي أشياء تتعلق بقلوب الناس بالخطأ والجهل والخرافة التي توارثها الناس، وليس لها أصل في دين الله -سبحانه وتعالى-. فجاء ليبين هذا. وللأسف نجد لا يزال بعض الناس إلى يومنا هذا، بسبب الجهل والبعد عن العلم، وعدم تعلم العقيدة الصحيحة، بقيت فيهم هذه الخرافات، وبقيت فيهم هذه المعتقدات، وهي معتقدات منافية لعقيدة التوحيد التي جاء بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وهكذا قوله: «ولا هامة ولا صفر». يعني: ولا اعتقاد بالهوام، كما كان يعتقد أهل الجاهلية من التشاؤم بالبومة، أو التشاؤم بالغراب، أو التشاؤم كذلك بالغول والغيلان، أو التشاؤم من شهر صفر. وقيل: «ولا صفر» أي: شهر صفر. أي: ولا صفر مرض الصفر. وكان كل هذا يتشاءم منه أهل الجاهلية. فنفى النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك كله. وفي رواية -كما مر معنا في صحيح مسلم- قال: «ولا نوء». أي: ولا اعتقاد بالأنواء، على ما كان يعتقده أهل الجاهلية. «ولا غول». أي: ولا اعتقاد بالغيلان، على ما يعتقد أهل الجاهلية. هذه دقائق، وهذا قليل من كثير مما كان يبثه النبي -صلى الله عليه وسلم- من العلم، مما يتعلق بالعقيدة، ومما يتعلق بتصحيح كذلك التوحيد لله رب العالمين، أن تتعلق القلوب بالله -سبحانه وتعالى- وحده. أيها المسلمون والمسلمات، أيها المستمعون والمستمعات، إن حاجة الأمة إلى العلم حاجة عظيمة، وافتقارها لتعلم العلم لتصحيح عقيدتها وتصحيح عبادتها وتصحيح معاملاتها وتصحيح أخلاقها وسلوكياتها وإصلاح منهجها حاجة عظيمة، أعظم من حاجة الطعام والشراب، كما قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: «الناس يحتاجون إلى العلم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب؛ إن كان ليحتاج الطعام أو الشراب المرة أو المرتين، ولكنهم يحتاجون العلم بعدد أنفاسهم؛ أي كل نفس يحتاج إلى علم، كل فكرة يحتاج إلى علم، كل قول أو عمل يحتاج إلى علم». كم من المعاملات يدخل فيها الناس فيقعون في الربا، ويقعون في الغش، ويقعون في الخيانة، ويقعون في الكذب، ويقعون في أنواع المعاملات المحرمة، تارة بالجهل، وتارة بالذنب، وتارة برفقاء السوء. وكل هذا يدفع العلم، العلم الذي يرفع الجهل، والعلم الذي يذكر الغافل، ويعيد العاصي إلى دين الله -سبحانه وتعالى-. الناس بحاجة إلى العلم لإصلاح عقيدتهم وعبادتهم. كم من العقائد الخاطئة التي انتشرت بين الناس؟ ها نحن نرى تعلق الناس بالقبور، وبالقباب، وبالتوابيت، أعظم من تعلقهم بالله رب العالمين. ها نحن نرى الناس يجتمعون لتلك المشاهد وتلك الزيارات، أعظم من اجتماعهم لما أمر الله -عز وجل- به من أنواع الطاعات والعبادات والقربات. تجد ربما في أيام الصلوات المساجد خالية، وفي أيام الزيارات قد امتلأت تلك الزيارات بالجموع الغفيرة، بسبب الجهل، وغلبة دعاة السوء والضلال، زيّنوا للناس هذه الخرافات وهذه الوثنيات. ها نحن نرى الكثير من الناس قد ابتعد عن الصلاة، وابتعد عن الطاعة، وزهد في طريق الخير، بسبب الذنوب والمعاصي، وكثرة أهلها، ورفقاء السوء الذين جروا الكثير من الناس إلى طريق الذنوب والمعاصي. فالناس يحتاجون إلى العلم الذي يذكرهم بالرجوع إلى الله، والتوبة إليه، والإنابة إليه -سبحانه وتعالى-. كم من الناس من يقعون في أنواع العقوق والعصيان والقطيعة والتباغض بين الأقارب والجيران وغير ذلك مما لا يخفى. وكل هذا بسبب الجهل والبعد عن الدين، وعدم التذكير بعظيم ما عند رب العالمين. ولكن بالعلم إذا تذكر الناس وذكر الناس، يرجعون إلى الله -سبحانه وتعالى- كما قال الله -سبحانه وتعالى-: ﴿فَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]. من العلم النافع يتضح لك الصراط المستقيم، والدين القويم الذي جاء به نبينا -عليه أفضل الصلاة والسلام والتسليم-. كم من الناس -أيها المسلمون والمسلمات- لم يفهموا حقيقة الإسلام الذي جاء به نبينا -عليه الصلاة والسلام-؟ ظنوا أن الإسلام أن تقول: «لا إله إلا الله»، ثم تفعل ما تشاء، ثم تسير في أي طريق شئت. والأمر ليس كذلك. فالإسلام هو الاستسلام لله رب العالمين، أن تستسلم له في أقوالك، وفي أفعالك، وفي باطنك، وفي ظاهرك، أن تكون منقادا لله -عز وجل- في عقيدتك، وفي عبادتك، وفي معاملتك، وفي أخلاقك، وفي سلوكك. كم من الناس من لا يدري على أي شيء يسير في دين الإسلام؟ هل على تلك الكتب الفقهية، أو على تلك الآراء التي يقرؤونها ويسمعونها من بعض الناس؟ ما علم أن دين الله إنما هو بكتاب الله، وبسنة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما قال -عليه الصلاة والسلام-: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعد أبدا: كتاب الله وسنته». فبمراكز العلم، وبدور العلم، تتضح الرؤية، وكذلك يتضح الطريق في السير إلى الله -سبحانه وتعالى-. فتعلم أن دين الله باتباع كتابه، والتمسك بسنة رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قولا وعملا، وظاهرا وباطنا، في عقيدتك، وفي عبادتك، وفي معاملتك، وفي أخلاقك، وفي سلوكك، وفي منهاجك، وسيرك إلى ربك -سبحانه وتعالى-. كم من الناس من يهمل المعاملة، والمعاملة من الدين، بسبب بعده وجهله عن دين الله -عز وجل-؟ وفي المقابل، ناس يغلون في باب المعاملة، ربما يترك الصلاة، يترك الصيام، يترك كل ما يتعلق بالله رب العالمين، ثم يأتي فينادي ويقول: «الدين المعاملة». كيف يكون الدين المعاملة وأنت قد تركت ما يجب بحق الله رب العالمين؟ الواجب أن تؤدي ما هو لله. أو يأتي أحدهم فيقول: «الأهم هو طهارة القلب». المهم هو طهارة القلب. كيف يطهر القلب وأنت لم تطهره لله بالتوحيد، ولم تطهره لله بالطاعة، ولم تطهره لله بفعل فرائضه وترك محارمه؟ الطهارة الحقيقية إنما هي بطاعة الله، وبالاستجابة لأمر الله -سبحانه وتعالى-. إن من الناس من يقول: «قلبي طاهر»، ثم يأتي فيصافح النساء، ويجلس مع النساء، ويضحك مع النساء، وربما فعل ما هو أعظم من ذلك، ثم يقول: «قلبي طاهر». لو كان قلبك طاهرا ما تجرأت على هذه الأيدي المحرمة، ولا على هذه الأجساد المحرمة. ولكنه من الشيطان. إن من الناس من يأتي فيقول: «أهم شيء أن تأكل الحلال». وأمواله بالربا، فتعامل بالربا، وهو يأكل أموال الناس بالباطل، وهو يظلم ويمطش. ولكن لسانه تقول شيئا، وأفعاله تقول شيئا آخر. كل هذا بسبب قلة الورع، قلة الخوف من الله، كثرة البعد عن دين الله -سبحانه وتعالى-. وإلا لو قرأ القرآن، وذكر بما فيه من الآيات والبيان، لاتعظ. ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1] توعد الله -عز وجل- بالويل، وهو العذاب الشديد، وهو العذاب الشديد، والوعيد الأكيد لمن فعل شيئا من التطفيف في الوزن. فكيف بمن يأكل أموال الناس بالباطل؟! يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيح، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «من اقتطع شبرا طوقه الله من سبع أراضي يوم القيامة». شبر واحد. واليوم يظلم الواحد مئات الأمتار، بل ربما الأراضي الشاسعة الكبيرة، وهو لا يبالي. لو كان هناك خوف من الله -سبحانه وتعالى- ما تجرأ الكثير من الناس على سفك الدماء بالباطل، وقتل أرواح الناس بالباطل. يأتي فيقتل القتيل، لا يدري ما قتل. قتل قبل عشرين سنة رجلا من قبيلة. فيأتون لا يقتلون الرجل القاتل، ولكن يأتون إلى أفضل وأشرف رجل في القبيلة فيقتلونه. ما ذنبه؟ لماذا قتلته؟ قال: «لأنه واجهة القبيلة، ونريد أن نقهر قلوب هؤلاء بسبب قتيلنا الذي قبل عشرين سنة». أين هذا بكتاب الله؟ أو أين هذا في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ يتجرؤون على الدماء المحرمة. وبحديث عمر -الصحيح في مسند الإمام أحمد- يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما، فإذا أصاب دما حراما؛ بلح». أي: لا تكون له خاتمة حسنة، بل تكون خاتمة سيئة. قال بعض أهل العلم: «قال: لأن تجد أحدا سفك دما حراما، تكون له خاتمة حسنة، بل تكون -والعياذ بالله- خاتمته خاتمة سيئة». وشواهد ذلك كثيرة. فسفاكو الدماء تكون نهايتهم من أبشع النهايات، وتكون خاتمتهم من أبشع الخاتمات، عقوبة من الله -سبحانه وتعالى-. بل الله -عز وجل- يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]. سبحان الله! أين الناس من هذا الوعيد الشديد، وهذا العذاب الأكيد الذي توعد الله -عز وجل- به من قتل نفسا محرمة؟! ثم بعد ذلك نرى الناس قد تجرأوا على سفك الدماء، وقتل الأنفس بغير حق. لو كان هناك عظة، ورجوع إلى الله، لما رأيت هذا التجاسر في أكل أموال الأيتام، وأكل والتقاطع في أكل أموال الضعفاء، وغير ذلك مما نراه من أنواع المظالم. ولكنه البعد عن دين الله، والبعد عن تعلم العلم، والواعظات التي في الكتاب والسنة. فلذلك أيها المسلمون والمسلمات، المجتمع في حاجة ماسة لمن يبث فيهم العلم، يذكرهم بكتاب الله، ويذكرهم بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فهي واعظات ومذكرات ومنبهات، تكون سببا لإحياء القلوب، وإصلاح النفوس وتزكيتها. وقد قال الله -عز وجل-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9] أي: بالعلم النافع والعمل الصالح. وهكذا أيضا الناس بحاجة لمن يكرر ويداول هذا التذكير. ولهذا قال الله -عز وجل-: ﴿فَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]. التذكير يقتضي الاستمرار، يقتضي التكرار، حتى تنتفع هذه، ينتفع الناس بهذه المواعظ. فإذا لم يكن كذلك، فإن الناس سيبقون في الجهل، وفي الغفلة، وفي البعد عن دين الله -سبحانه وتعالى-. نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يفقهنا بأمور شرعنا، وأن يبصرنا بأمور ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. ونحث أنفسنا -أيها المسلمون والمسلمات والمستمعون والمستمعات- على الحرص على هذا الخير في هذا المركز الطيب المبارك، بالدفع بأبنائنا، والدفع ببناتنا، والدفع بكبارنا وصغارنا لتعلم العلم النافع، والإقبال على تعلم القرآن، وتعلم سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-. فإن ذلك بإذن الله سيكون سببا لإصلاح أنفسنا، وإصلاح أسرنا، وإصلاح مجتمعاتنا. فإن القرآن بإذن الله -سبحانه وتعالى- سبب لحصول الخير لصاحبه. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في البخاري، من حديث عثمان -رضي الله عنه وأرضاه-: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». ولذلك ترى -يا أيها المسلم ويا أيتها المسلمة- ترى أثر القرآن على صاحبه. إذا حفظ ابنك القرآن أو حفظت ابنتك القرآن، فإنك سترى ذلك في أخلاقه، وسترى ذلك في سلوكياته، وسترى ذلك في هديه وسمته. فالقرآن يهذب صاحبه، ويصلح صاحبه، وكذلك يهدئ صاحبه، ويحفظ صاحبه. والأمر كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح، حديث ابن عباس المشهور: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك». وليس هناك حافظ بعض حفظ الله -سبحانه وتعالى- مثل القرآن. فإنه من أعظم ما يحفظ، يحفظ الإنسان، يحفظه من بين يديه، ومن خلفه، ومن أمامه، ومن فوقه، وعن يمينه، وعن شماله. فإذا أراد شياطين الجن والإنس أن يصلوا إليه، فالقرآن يكون لهم مدافعا، وله حافظا -بإذن الله سبحانه وتعالى-. نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يردنا إلى الحق ردا جميلا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.