الدرس في التعليق على عقيدة السلف للصابوني 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع حديث نزول الله إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، ويستعرض مختلف الروايات والطرق التي ورد بها هذا الحديث. يتم تقييم هذه الروايات من حيث الصحة والضعف، مع بيان معاني ودلالات الحديث.
يتناول المقطع اختلاف الروايات في تحديد وقت نزول الله تعالى بين ثلث الليل الأول والأخير. يشرح آراء العلماء في كيفية التعامل مع هذه الاختلافات وتفسيرها.
يناقش المقطع كيفية التعامل مع الأحاديث المتعلقة بنزول الله إلى السماء الدنيا، مع الاستدلال برأي إمام الأئمة ابن خزيمة. يذكر أحاديث ضعيفة وصحيحة تتعلق بالنزول في ليالي معينة.
يختتم الدروس بالتأكيد على أهمية صلاح الأبوين في صلاح الأبناء، ويدعو إلى الإصلاح الذاتي لنيل كرامة الله وصلاح الذرية. يطلب من الله أن يجعلنا من أهل كرامته ومن الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب عقيدة السلف أصحاب الحديث للإمام أبي إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس التاسع. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وهذه الطرق كلها مخرجة بأسانيدها في كتابنا الكبير المعروف بالانتصار، هذا لفظ أبي سلمة والأغر عن أبي هريرة، وفي رواية يزيد بن هارون عن محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفي رواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مضى نصف الليل أو ثلثاه ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فيعطى؟ هل من داع فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ حتى ينفجر الصبح». وهذه الرواية في الصحيح مسلم كما أشار في التعليق وغيره، وقد مر معنا أن أصل هذا الحديث في الصحيحين، وألفاظه متقاربة، والشاهد منه إثبات نزول الرب جل وعلا نزولًا يليق بجلاله وعظمته. قال رحمه الله تعالى: وفي رواية سعيد بن مرجان عن أبي هريرة زيادة في آخره، وهي: «ثم يبسط يديه فيقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم». وهي في صحيح مسلم كذلك كما أشار في التعليق وغيره، وفي إثبات اليدين لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته، مع إثبات النزول على ما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: في رواية أبي حازم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الأخير، فينادي: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ فلا يبقى شيء فيه الروح إلا علم به إلا الثقلان: الجن والإنس». قال: وذلك حين يصيح الديوك وتنهق الحمير وتنبح الكلاب. والحديث بهذا الإسناد كما أشار ليس في شيء من الصحيحين، ولكن أصله -أصل الحديث- صحيح، ويحتاج الوقوف إلى الإسناد؛ لأنه قاله في رواية أبي حازم. وجاء معنا بعض رواية أبي حازم، لكن ليس فيها هذا اللفظ، فهذا اللفظ ليس من الألفاظ المعروفة المشهورة، فيحتاج إلى بحث. والباحث يقول هنا: لم يقف على إسناده، هل عندكم شيء؟ ذكر عندكم شيء؟ لا، هذا اللفظ الطريق تقدم، لكن ليس فيه نباح الكلاب ونهيق الحمير، هذا هو. قال رحمه الله: في رواية موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى عن عبادة بن الصامت زيادات حسنة، وهي التي أخبرنا بها أبو يعلى حمزة بن عبد الله العزيز المهلبي، قال: أنبأنا عبد الله بن محمد الرازي، قال: أنبأنا أبو عثمان محمد بن عثمان بن أبي سويد، قال: حدثنا عبد الرحمن يعني ابن المبارك، قال: حدثنا فضيل بن سليمان عن موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينزل الله تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: ألا عبد من عبادي يدعوني فأستجيب له؟ ألا ظالم لنفسه يدعوني فأغفر له؟ ألا مقتر عليه رزقه ويدعوني فأرزقه -يعني قصر أو ضاق عليه رزقه- قال: ألا من ظلوم يذكرني فأنصره؟ ألا مظلوم يذكرني فأنصره؟ ألا عان يدعوني فأفكه -العان: الأسير- قال: فيكون كذلك حتى يطلع الصبح، ويعلو على كرسيه». وهذه الرواية قال: ضعيفة، تقدمت. وتقدم معنا أنه من جامع الحديث عبادة بن الصامت في أوائل ما ذكر: أنه جاء عن عدد من الصحابة؛ لأنه ذكر أنه جاء عن جابر بن عبد الله وعن جبير بن مطعم وجماعة، قالوا: في رواية أبي الزبير عن جابر من طريق مرزوق أبي بكر الذي أخرجه محمد بن إسحاق بن خزيمة مختصرة -يعني بهذا الإسناد- وهو ضعيف كذلك. والأصل هو إثبات النزول، وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وجاء عن غيره، وهذه الزيادات لم تصح بهذا الحديث، وإن كان أصله في أحاديث أخرى صحيح. قال رحمه الله: ومن طريق أيوب عن نبي الزبير عن جابر الذي خرجه الحسن بن سفيان في مسنده، قال: ومن طريق هشام الدستوائي عن نبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن عشية عرفة ينزل الله فيه إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، ويقول: انظروا إلى عبادي شعثًا غبرًا ضاحين جاءوا من كل فج عميق -يعني في الشمس- قال: يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، فلم ير يوم أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة». وهذا الحديث بهذا الإسناد كما تقدم لم يصح من حديث جابر بن عبد الله، وقد جاء من غير حديث جابر وصح. وكما أن الحديث الأول من حديث جابر لم يصح، كذلك قال: وروى هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة -وفي نسخة: هلال بن ميمون، والصواب بن أبي ميمونة- قال: عن عطاء بن يسار عن رفاعة الجهني حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مضى ثلث الليل أو شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من يستغفرني فأغفر له؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يسألني أعطيه؟ حتى ينفجر الصبح». والمعنى: أن الله عز وجل يتقرب لعباده بالسؤال، فلا أحد يسأل عن عباده غير الرب سبحانه وتعالى الرحيم الكريم الذي يتودد إلى خلقه بطلب سؤالهم، وهو الغني سبحانه وتعالى، وهذا من عظيم فضله ورحمته وكرمه ومنته سبحانه وتعالى ورأفته بخلقه جل وعلا، وإلا فهو غني عن ذلك، ولكنه الكريم الرحيم المنان الرؤوف سبحانه وتعالى. وهذا حديث صحيح كذلك، وقد مر معنا، وكما أشار في التعليق: أنه قد جاء عند أحمد وغيره بأسانيد صحيحة. قال رحمه الله: أخبرنا أبو محمد المخلدي، قال: أنبأنا أبو العباس السراج، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي مسلم الأغر قال: أشهد على أبي سعيد وأبي هريرة أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أشهد عليهما أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول هبط إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مذنب؟ هل من مستغفر؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتى تطلع الشمس». وهذا الحديث أصله في الصحيح مسلم كما تقدم معنا، وأشار في التعليق، وفيه: أن الله سبحانه وتعالى يهبط إلى السماء الدنيا في الثلث الليل الأول. هذه الرواية في الصحيح مسلم، منهم من قال: أنها شاذة، ومنهم من قال: أنها صحيحة زيادة ثقة صحيحة، ولا تنافي الروايات الأخرى التي في الصحيحين، فيكون ذلك أن معناه: أحيانًا ينزل في ثلث الليل الأول، والغالب ينزل في ثلث الليل الأخير، ولا منافاة بين ذلك. ومن أهل العلم من رجح فقال: إنما الصواب الثلث الليل الأخير، ثلث الليل الأخير. قال رحمه الله: أخبرنا أبو محمد المخلدي، قال: حدثنا أبو العباس الثقفي، قال: حدثنا الحسن بن الصباح، قال: حدثنا شبابة بن السوار عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن أبي مسلم للأغر قال: أشهد على أبي، وأبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يمهل حتى إذا كان ثلث الليل هبط إلى هذه السماء، ثم أمر بأبواب السماء ففتحت، فقال: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأجيب؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من مضطر أكشف عنه ضرة؟ هل من نستغيث أو أغيثة؟ فلا يزال ذلك مكانه حتى يطلع الفجر في كل ليلة». وهذا كما تقدم: أصله في صحيح مسلم، لكن كما مر معنا: بعض أهل العلم جعل هذه الزيادات زيادات شاذة تفرد بها يونس عن أبي إسحاق، وليس هو بالقوة أن يخالف الثقات. وقد أشار الدارقطني رحمه الله إلى ذلك، ومن أهل العلم من قال: هذا من زيادة الثقة، وزيادة الثقة إذا لم تكن فيها مخالفة فهي مقبولة، فهي من جهة المعنى ليست فيها مخالفة؛ فالله عز وجل ينزل في الثلث الأخير من الليل، وجاء في هذه الرواية: أن ينزل في أول الليل، وهكذا جاء في بعض الروايات الأخرى كما تقدم معنا، ولكن ليست هي بالقوية كرواية حديث الصحيحين. فلذلك قال من قال: أن أصل المعنى ثابت، ولكن هذه الألفاظ شاذة، وقال بعضهم: هذا من زيادة الثقة، ولا منافاة بين هذه الزيادة وما جاء في الأحاديث الأصح، فيكون هذا يحمل على بعض الأحيان، وهو محتمل. فلذلك الأمر واسع في هذا، والله أعلم. قال رحمه الله: أخبرنا أبو محمد المخلدي، قال: أنبأنا أبو العباس -يعني الثقفي- قال: حدثنا مجاهد بن موسى، والفضل بن سهل، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا الشريك عن أبي إسحاق عن الأغر أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أنهما شهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا كان ثلث الليل نزل تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، فقال: ألا هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ ألا هل من تائب يتاب عليه». وهذه الرواية كذلك رواية ضعيفة من أجل شريك، وأصل الحديث بالصحيحين، ومعنى ليس بالبعيد، فهو حول المعنى. قال: حدثنا الأستاذ أبو منصور بن حمشاد، قال: حدثنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار ببغداد، قال: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينزل الله في كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: أنا الملك، أنا الملك -ثلاثًا- من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر». وهذا أصله في صحيح مسلم، وقد رواه هنا من طريق الحاكم، ومن طريق عبد الرزاق، ولا ينافي هذا ما سبق في الروايات الأخرى، فتكون رواية فيها اختصار، ورواية فيها بسط، ينزل الله سبحانه في كل ليلة، لم يذكر وقت النزول، لكن جاء في الرواية الأخرى: أنه بالثلث الأخير من الليل. قال رحمه الله: سمعت الأستاذ أبا منصور على إثر هذا الحديث الذي أملاه علينا يقول: سئل أبو حنيفة عنه، فقال: «ينزل بلا كيف». والمعنى كما تقدم من كلام الإمام مالك رحمه الله: أي بلا كيف معلوم أو معقول؛ لأن هذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. وبعضهم يضعف رواية معقول، ويقول: بل معلوم، ومن معقول فهو يعقل، ويقول: لا منافاة إن من مراد بالمعقول: أي الذي يعرف كيفيته، أما معقول المعنى: نعم، نحن نعلم أن هناك كيف، لكن كيف هذا الكيف؟ هذا من الغيب الذي لا نعلمه. فالخلاف لفظي. قال رحمه الله: وقال بعضهم: «ينزل نزولًا يليق بالربوبية بلا كيف، من غير أن يكون نزوله مثل نزول الخلق بالتخلي والتملي -يعني يخلي مكان ويملي مكان آخر-؛ لأنه جل جلاله منزه أن تكون صفاته مثل صفات الخلق، كما كان منزهًا أن تكون ذاته مثل ذوات الخلق، فمجيئه وإتيانه نزول على حسب ما يليق بصفاته من غير تشبيه وكيف». والمعنى: أن بعض أهل العلم أبى أن يتكلم في الكيف، فيقول: بلا كيف يذكر، ومنهم من قال: أنه ينزل نزولًا يليق بجلالته وعظمته، ولا يكون مثل نزول الخلق فيه تخلي وتملي. معناه: أنه لا تقول: يخل منه العرش، أو يمتلئ منه المكان الآخر الذي نزل فيه. فإذن هما قولان: قول بالسكوت، وهذا قول أكثر أهل العلم، فإن قيل: هل يخل منه العرش؟ من أهل العلم من يقول: الأصل في هذا السكوت عن الغيب، وهذا مما لا نعلمه، كيف نخوض فيه؟ والواجب السكوت عن هذا؛ لأن من عقيدة أهل السنة: ألا نتكلم في الغيب. وقال جماعة: وإن كنا لا نعلم الغيب، لكننا على يقين أنه لا يخل منه العرش؛ لأن أمره سبحانه ليس كأمر خلقه، فهو غني عن الزمان والمكان، ولا يخل منه مكان ويمتلئ به آخر جل وعلا؛ لأنه ليس كمثله شيء، لا يشبه شيئًا من خلقه، ولا يشبه شيئًا من خلقه. وكل الأمرين قال به جماعة من أهل السنة والجماعة، والأولى -الأول- والله أعلم؛ لأن هذا من الغيب الذي ينبغي الوقوف والسكوت عنده. قال رحمه الله تعالى: وقال الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب التوحيد الذي صنفه، وسمعت من حفيده أبي طاهر رحمه الله قال: باب ذكر أخبار ثابتة السند رواها علماء الحجاز والعراق في نزول الرب إلى السماء الدنيا كل ليلة من غير صفة كيفية النزول مع إثبات النزول. والشاهد قوله: «من غير صفة كيفية النزول» يعني: لا نتكلم في هذه الكيفية، نثبت النزول من دون كلام وتفصيل في الكيفية، لماذا؟ لأنه من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، فنمر هذه الصفة كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وهذه القاعدة التي دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، وكان عليها سلف الأمة والعلماء والأئمة. قال رحمه الله: فنشهد شهادة مقر بلسانه مصدق بقلبه مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر النزول، من غير أن نصف الكيفية؛ لأن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى السماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل، والله عز وجل ولا نبيه صلى الله عليه وسلم بيان ما بالمسلمين إليه الحاجة من أمر دينهم، فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول، غير متكلفين للنزول بصفة الكيفية؛ إذ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصف كيفية النزول. انتهى -يعني انتهى كلام ابن خزيمة رحمه الله مما ذكره في كتاب التوحيد- والشاهد: أراد أن يستدل المؤلف رحمه الله الصابوني بهذه الجملة التي اقتبسها من كتاب التوحيد لابن خزيمة على أن الإمام ابن خزيمة -الذي يسمى بإمام الأئمة- هذا هو مذهبه وطريقته في هذه المسألة: أي لا يتعرض للكيفية؛ لأنها من الغيب كما تقدم معنا في أحد القولين، وهو أشهر هذين القولين. قال: هذا الإمام رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو محمد الصيدلاني، قال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، قال: حدثنا أحمد بن صالح المصري، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أنبأنا مخرمة بن بكير عن أبيه حيوة، أخبرنا الحاكم، قال: حدثنا محمد بن عقوب بن الأصم -واللفظ له- قال: حدثنا إبراهيم بن منقذ، قال: حدثنا ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت محمد بن المنكذر يزعم أنه سمع أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: نعم، اليوم يوم ينزل الله تعالى فيه إلى السماء الدنيا، قالوا: أي يوم؟ قالت: يوم عرفة. وتقدم معنا: أنه بهذا الإسناد ضعيف لا يصح، وذلك لانقطاعه بين مخرمة وأبيه. قال: وروت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل الله تعالى في النصف من شعبان إلى السماء الدنيا ليلًا، إلى آخر النهار من الغد، فيعتق من النار بعدد شعر معزي كلب -يعني قبيلة- ويكتب الحاج، وينزل أرزاق السنة، ولا يترك أحدًا إلا غفر له إلا مشركًا أو قاطع رحم أو عاقًا أو مشاحنًا». وتقدم: أنه بهذا الإسناد ضعيف، وبعضه جاء من طرق يشد بعضها بعضًا، يرتقي إلى الحسن، لكن ليس فيه ذكر النزول. وهذه الخصائص في النصف من شعبان. قال رحمه الله: أخبرنا أبو طاهر بن خزيمة، قال: حدثنا جد الإمام، قال: حدثنا الحسن -يعني إمام الأئمة صاحب كتاب التوحيد- قال: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا إسماعيل بن علي عن هشام الدستوائي -حا وهو تحويل سند- قال: قال الإمام: وحدثنا الزعفراني، قال: حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، قال: حدثنا هشام الدستوائي. والمراد بالإمام: ابن خزيمة، قال: وحدثنا الزعفراني، قال: حدثنا يزيد -يعني ابن هارون- قال: أنبأنا الدستوائي -حا- وحدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون بالإسكندرية -وذكر المكان- غالبًا يذكرونه لتوثيق الرواية؛ لأجل يعلم أن هذه الرواية تمت في هذا البلد أو في هذا المكان، ويعلم مما ذكر في تراجمهم: أنه إنما كان في ذاك المكان في سنة كذا، فيكون فيه تأكيد حصول الرواية. قال: حدثنا الوليد عن الأوزاعي -جميعًا- عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار، قال: حدثني رفاع بن عرابة الجهني، قال: صدرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة -يعني انطلقوا متصدرين- قال: فجعلوا يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يأذن لهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بال شق الشجر الذي يلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبغض إليكم من الشق الآخر؟ فلا يرى من القوم إلا باكيًا»، قال: يقول أبو بكر الصديق: «إن الذي يستأذنك بعد هذا في نفسك لفيه»، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه، وكان إذا حلف قال: «والذي نفسي بيده، أشهد عند الله ما منكم من أحد يؤمن بالله واليوم الآخر، ثم يسدد إلا سلك به في الجنة، ولقد وعدني ربي عز وجل أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفًا بغير حساب ولا عذاب، وإني أرجو أن تدخلوها حتى تتبوؤوا -ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم- مساكنكم في الجنة»، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «إذا مضى شطر الليل أو قال: ثلثاه ينزل الله تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا، ثم يقول: لا أسأل عن عبادي غير، من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني فأجيبه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى ينفجر الصبح». قال: هذا حديث الوليد، وهو حديث صحيح كما أشار في التعليق، وله طرق قد رواه أحمد وابن خزيمة في كتاب التوحيد كما مر معنا من عدة أسانيد. ومعنى الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كره استئذانهم، وضرب هذا المثل: «ما بالو شق الشجر الذي يلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أباضي إليكم» يعني كراهية جلوسهم معهم، لا يريدون ذلك، فلذلك بكوا، ثم بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم: أي من صبر منهم فإنه يدخل الجنة، في هؤلاء السبعين ألف المتوكلين -المتوكلين- الذي جاء ذكر في الأحاديث الأخرى بغير حساب ولا عذاب. وفي هذا الحديث زيادة نافعة عظيمة: أن الله عز وجل يكرم هؤلاء السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب بإدخال من صلح من أزواجهم وذرياتهم، ولو كانت أعمالهم ليست كأعمال من هؤلاء الآباء، ويصدق هذا قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: لم يجعل فارق العمل سببًا في عدم لحوق الأزواج والذرية بالآباء. فلذلك ينبغي على كل مؤمن عرف مثل هذا الحديث العظيم أن يصلح؛ ليصلح ويكرمه الله بصلاح ذريته بالدنيا، وإلحاقهم به في الدار الآخرة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل كرامته، ويجعلنا وإياكم من هؤلاء السبعين الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، اللهم آمين يا رب العالمين. إلى هنا إن شاء الله، والله أعلم.