التعليق على عقيدة السلف للصابوني 10

التعليق على عقيدة السلف للصابوني 10

الدرس في التعليق على عقيدة السلف للصابوني 10، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الإيمان بمجيء الله ونزوله وتوضيح عقيدة السلف

يتناول شرح عقيدة السلف في الإيمان بمجيء الله ونزوله، ويؤكد على وجوب الإيمان بهذه الصفات دون تكييف أو تمثيل. يُبين أن إنكار هذه الصفات يُعتبر كفرًا.

وجوب التسليم للنصوص الشرعية وعدم التأويل

يجب التسليم للنصوص الشرعية وعدم التعرض للتأويل أو المجادلة بالباطل فيها، وإثبات الصفات لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته دون نفي أو تمثيل.

التحذير من الكلام في الأسماء والصفات وأهمية التسليم

يؤكد على أهمية الإيمان والتسليم في باب الأسماء والصفات وعدم الاعتراض على الأحاديث النبوية، ويحذر من اتباع طرق أهل البدع والضلال في التمثيل أو التعطيل للصفات الإلهية.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب عقيدة السلف أصحاب الحديث للإمام أبي إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني -رحمه الله تعالى- تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس العاشر. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذه رسالة شيخ الإسلام الإمام المجدد في زمانه -رحمه الله تعالى- إمام أهل السنة أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني -رحمه الله تعالى- المسمى بعقيدة السلف وأصحاب الحديث. وقد قرأنا منها جملًا، ونواصل -إن شاء الله تعالى- القراءة فيما تيسر، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. وكما تقدم في دروسنا السابقة نقرأ، ويكون التعليق على ما تيسر مما يحتاج إلى زيادة إيضاح أو بيان، بتعليق يسير بحسب ما يقتضيه المقام، والله الموفق للصواب. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام -عليه رحمة الله-: قلت: فلما صح خبر النزول عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم يعتقدوا تشبيهًا له بنزول خلقه، ولم يبحثوا عن كيفيته، إذ لا سبيل إليها بحال. وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق، تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوًا كبيرًا، ولعنهم لعنًا كثيرًا. قال -عليه رحمة الله-: وقرأت لأبي عبد الله من أبي حفص البخاري، وكان شيخ بخارا في عصره بلا مدافعة، وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن حسن الشيباني. قال أبو عبد الله -أعني بن أبي حفص هذا-: سمعت عبد الله بن عثمان -وهو عبدان شيخ مرب-: يقول سمعت محمد بن حسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة: قلنا لهؤلاء: أرأيتم قول الله عز وجل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وقولهم عز وجل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، فهل يجيء ربنا كما قال؟ وهل يجيء الملك صفًا صفًا؟ قالوا: أما الملائكة فيجيؤون صفًا صفًا، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنا بذلك، ولا ندري كيفية جيئته. فقلنا لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته، ولكن نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه. أرأيتم من أنكر أن الملك لا يجيء صفًا صفًا، ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب. قلنا: فكذلك من أنكر أن الله سبحانه لا يجيء، فهو كافر مكذب. وقال -عليه رحمة الله-: قال أبو عبد الله بن أبي حفص البخاري أيضًا في كتابه: ذكر إبراهيم، قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا قال لك الجهمي: أنا لا أؤمن برب يزول عن مكانه، فقل: أنت أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء. بسم الله الرحمن الرحيم، هذه الجمل تتم لما سبق الكلام عليه في مبحث النزول، وكلام الإمام الصابوني -رحمه الله تعالى- فيما نقله عن نبي عبد الله بن أبي حفص البخاري، وكان شيخ بخارا في عصره -رحمه الله-. ووجه ما نقل أنه أثبت ما يجب إثباته من أدلة الكتاب والسنة من إثبات نزوله سبحانه وتعالى، ومجيئه على ما يليق بجلاله وعظمته، وهذا هو الواجب أن نؤمن بكل ما أخبرنا الله عز وجل به في كتابه، أو أخبرنا به رسوله -صلى الله عليه وسلم- في سنته، ومن ذلك مباحث الأسماء والصفات أن نمرها كما جاءت، نثبتها إثبات وجود من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وكما أن الله عز وجل أخبر بجمجيء الملائكة، ومجيء الملائكة حقيقي يجب الإيمان به، فكذلك يجب أن نؤمن بأن مجيء الرب سبحانه وتعالى حقيقي على ما يليق به سبحانه وتعالى. فمن أنكر مجيء الملائكة كفر، ومن أنكر مجيء الرب سبحانه وتعالى كفر؛ لأنه كذب بشيء أثبته القرآن. فنثبت المجيء، وإن كنا لا نعلم الكيفية. ولهذا قال في الأثر الثاني: وهي من أوجه المحاجة، إذا كنت تؤمن بأن الملائكة تجيء، فيجب أن تؤمن بأن الله يجيء. وإذا كنت تؤمن بأن من كذب بمجيء الملائكة فهو كافر، فكذلك من كذب بمجيء الرب سبحانه وتعالى فهو كافر، بل تكذيب مجيء الرب أعظم من التكذيب بمجيء الملائكة. وهكذا كذلك الإتيان، نؤمن به كما أخبر الله عز وجل عن نفسه. فالذي قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وقوله: ﴿صَفًّا صَفًّا﴾ تأكيد أن المجيء حقيقي، وعطف هذا على نفس الفعل العامل يدل على أنه كذلك في حق الرب حقيقي. كذلك: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، فما دام أن الملائكة إتيانهم حقيقي، فكذلك إتيان الرب سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله وعظمة حقيقي. لا يجوز أن نقول: جاء أمر الرب، أو أتى أمر الله؛ فإن هذا تحريف لهذا اللفظ عن ظاهره، كما أنه لا يجوز أن يقال: أتى أمر الملائكة، أو جاء أمر الملائكة. وقد أدي وأكد بقوله: ﴿صَفًّا صَفًّا﴾، والأمر لا يأتي صفًا صفًا، وإنما الصف يكون للملائكة على كثرتها تعظيمًا وإجلالًا لله سبحانه وتعالى. فنثبت ذلك على ما يليق بالله سبحانه وتعالى من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وأما كيفية هذا المجيء، هذا من الغيب الذي لا نعلمه، ولا يمكننا العلم به، وهو مما استأثر الله عز وجل به عنده سبحانه وتعالى. وما أكثر الغيب الذي لا نعلمه، كما قال سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا﴾. وهكذا كذلك أمر النزول، وهل النزول هو المجيء والإتيان؟ قال بعض أهل العلم: ذلك، والصحيح أنها صفة أخرى. فالنزول صفة وفعل يليق بالله جل وعلا، يفعله متى شاء، كيف شاء، على ما يليق بجلاله وعظمته. وكذلك المجيء، وكذلك الإتيان، كل ذلك نؤمن به على ما يليق بجلاله وعظمته. وأثر الفضيل بن عياض فيه أن إنكار النزول كان قول الجهمية في زمن أئمتنا وعلمائنا. ما كان أحد من أهل الإسلام الصحيح ينكرون النزول، وإنما كان ينكره الجهمية. فما عليه اليوم الأشاعرة والماتريدية، ومن الكثير من المتصوفة، والمتأخرين من الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة، الكثير من متأخرين على طريقة الأشاعرة والماتريدية، ومن طريقتهم ومذهبهم في باب الصفات نفي صفة النزول. ولم يكن هذا طريقة سلفنا وأئمتنا وعلمائنا، بل كانوا يرون أن إنكار صفة النزول طريقة الجهمية. ولذلك قال الفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي -في نسخة-: أنا لا أؤمن برب يزول، وفي نسخة: إنا لا نؤمن برب يزول عن مكانه. قال: فقل: أنت أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء. نفي النزول تعطيل لسعة قدرة الله عز وجل ومشيئته. فالله عز وجل يفعل ما يشاء، متى شاء، كيف شاء، وهو على كل شيء قدير. وكون أحد من خلق الله ينفي عنه النزول بحجة عدم الزوال، هذا تعطيل لما هو أعظم منه، وهذا دليل عقلي. والواجب أن لا يعارض الشرع والنقل بالعقل، بل ينبغي أن يتابع العقل النقل؛ لأن العقل لا يدرك كل ما في النقل. وأمر الله أعظم من أن تحيط به مدارك وعقول المخلوقين؛ لأنه سبحانه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. المخلوق لضعفه ونقصه وعجزه هو الذي يزول بما يكون من أفعاله. أما الله العظيم سبحانه وتعالى لم يزل، ولا يزال في علوه سبحانه وتعالى، ويفعل ما يشاء، وهو في علوه. فهو في علوه، ومحيط بخلقه، ويأتي ويجيء وينزل، وينزل كيف شاء، متى شاء، ولا ينافي ذلك علوه سبحانه وتعالى على خلقه؛ لأنه الرب العظيم الذي على كل شيء قدير. وضرب العلماء بعض الأمثلة للتقريب، فقالوا: أنت تقول -وأنت مخلوق ضعيف- ومعك القمر في السفر تقول: ما سرنا نسير، ما زلنا نسير، والقمر معنا. وفي نفس الوقت، وفي مكان آخر يقول نفس قولك إنسان آخر. هل اقتضى هذا أن يكون القمر حين كان معك، وكان مع غيرك، أنه زال عن مكانه؟ هو في علوه الخاص الذي يليق به كمخلوق. فكيف بعلو الرب العظيم سبحانه وتعالى؟ فالله عز وجل شأنه أعظم من أن يحيط به أحد من خلقه، أو يفتقر إلى زمان أو مكان. فلا يجوز أن يشبه بشيء من خلقه. وإنما أتى التعطيل بسبب اعتقاد التمثيل، ففر هؤلاء من التمثيل، فواقعوا في التعطيل. ولو أنهم أثبتوا ربا خالقًا عظيمًا، له من الصفات الحسنى والصفات العلاء ما يليق بجلاله وعظمته، لم يقعوا في شيء من التمثيل ولا التعطيل؛ لأننا سنثبت له ذاتًا لا كالذوات، فكذلك سنثبت له صفات لا كالصفات. فكما أننا نثبت لله ذات لا كالذوات، على ما يليق بجلاله وعظمته، لا يخطر أبدًا بعقول المخلوقين ذات كذوات المخلوقين؛ لأنه ليس كمثله شيء سبحانه، وهو السميع البصير. فكذلك نثبت لله الصفات لا كالصفات. لا يجوز أن نفر إلى التعطيل فرارًا من التمثيل، فننفي الذات، فنقول: إثبات الذات يقتضي تمثيل الخالق بالمخلوق. الحل أن لا نثبت الذات. هل هذا صحيح؟ لو كان كذلك، إذن لن يثبت ربا موجودًا، وإنما سيثبت عدما. بل الواجب، وكل العقلاء ممن يؤمن بالله يثبت لله عز وجل ذات تليق بجلاله وعظمته. فكذلك يجب أن نثبت لله عز وجل صفات على ما يليق بجلاله وعظمته. لا يجوز أن ننفي الصفات خوفًا من الوقوع في التمثيل، كما أننا لم ننف الذات خوفًا من الوقوع في التمثيل. فالقول في الصفات فرع عن القول في الذات، كما بيّنه علماء الإسلام، وكذلك أئمة الأعلام. قال -رحمه الله-: ورووا يزيد بن هارون في مجلسه حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله في الرؤية، وقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنكم تنظرون إلى ربكم كما تنظرون إلى القمر ليلة البدر». فقال له رجل في مجلسه: يا أبا خالد، ما معنى هذا الحديث؟ فغضب وحرد، وقال: «ما أشبهك بصبيغ، وأحويك إلى مثل ما فعل به». ويلك، ومن يدري كيف هذا؟ ومن يجوز له أن يجاوز هذا القول الذي جاء به الحديث، أو يتكلم فيه بشيء من تلقاء نفسه؟ إلا من سفه نفسه، واستخف بدينه. إذا سمعتم الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاتبعوه، ولا تبتدعوا فيه، فإنكم إن اتبعتموه ولم تماروا فيه سلمتم، وإن لم تفعلوا هلكتم. وقصة صبيغ الذي قال يزيد بن هارون: «السائل ما أشباك بصبيغ، وأحويك إلى مثل ما فعل به»، هي ما رواه يحيى بن سعيد عن سعيد بن مسيب: أن صبيغًا التميمي أتى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾. قال: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾. قال: هي السحاب، ولولا أني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾. قال: الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾. قال: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقوله ما قلته. ثم أمر به فضرب مئة سوط، ثم جعله في بيت حتى إذا برأ دعا به، ثم ضربه مئة سوط أخرى، ثم حمله على قتب، وكتم إلى أبي موسى الأشعري: أن حرم عليه مجالسة الناس. فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى الأشعري، فحلف بالأيمان المغلظة: ما يجد في نفسه مما كان يجده شيئًا. فكتم إلى عمر يخبره، فكتم إليه: ما إخاله إلا قد صدق. خل بينه وبين مجالسة الناس. ورووا حماد بن زين عن قطن بكعب: قال: سمعت رجلًا من بني عجل يقال له: خالد زرعة يحدث عن أبيه: قال: رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة، كأنه بعير أجرب، يجيء إلى الحلق، فكلما جلس إلى قوم لا يعرفونه ناداهم أهل الحلقة الأخرى: عزمة أمير المؤمنين. ورووا حماد بن زين أيضًا عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار: أن رجلًا من بني تميم يقال له: صبيغ قدم المدينة، فكانت عنده كتب، فجعل يسأل عن متشابه القرآن. فبلغ ذلك عمر، فبعث إليه، وقد أعد له عراجين النخل. فلما دخل عليه جلس، فقال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ. قال: وأنا عبد الله عمر. ثم أهوى إليه، فجعل يضربه بتلك العراجين، فما زال يضربه حتى شجه، فجعل الدم يسيل على وجهه. فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد والله ذهب الذي كنت أجد في رأسه. قال -عليه رحمة الله-: أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بسلمي: قال: أخبرنا محمد بن محمود الفقيه المروزي بها: قال: حدثنا محمد بن عمير الرازي: قال: حدثنا أبو زكريا يحيى بن أيوب العلاف التجيبي بمصر: قال: حدثنا يونس بن الأعلى: قال: حدثنا أشهب بن عبد العزيز: قال: سمعت مالك بن أنس يقول: «إياكم والبدع». قيل: يا أبا عبد الله، وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، لا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون. هذه الآثار أوردها -رحمه الله تعالى- ليستدل بها على وجوب التسليم لما جاء في أدلة الكتاب والسنة، وما كان عليه السلف الصالح، ومن تبعهم بإحسان من العلماء والأئمة، من تعظيم هذه النصوص، وعدم الاستخفاف بها، والمجادلة بالباطل في قبولها، أو الاعتراض في شيء من لفظها أو معانيها. وذكر هنا حديث جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه-، هو في الصحيح، وقد تقدم معنا. وهذا الحديث أثبت النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الله عز وجل سيرى رؤية حقيقية تليق بجلاله وعظمته، لا ينافي رؤيته سبحانه وتعالى عظمته. وهذه الرؤية الحقيقية أكدها عليه الصلاة والسلام بعدة مؤكدات، وقد جاء معناها في الكتاب، وفي أحاديث كثيرة من صحيح سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-، وتقدم بعضها. قال الله عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. وإذا عدي النظر بإلى فإنه يحمل على نظر العين. وإذا قرن النظر بذكر الوجه حمل النظر إلى نظر العين. فمن الخطأ أن تفسر الآية: «ناظرة متفكرة». ومن الخطأ أن تفسر: «ناظرة من النظارة». فإنها من جهة المبنى والمعنى مختلف. «ناظرة» «ناظرة» من النظارة بالضاد، وليس بالضاء. ثم النظر إذا عدي بإلى، وقرن بذكر الوجه، أريد به نظر العين، وهو كذلك في الآية. قال الله عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. فاقتران النظر بذكر الوجوه، وبالتعدية بإلى، في العربية هذا من المؤكدات أنه النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى، فهو النظر حقيقي. وفي حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنكم سترون ربكم عيانًا» أي: بأعينكم. وهذا النظر لا ينافي عظمة الرب سبحانه وتعالى؛ لأنه نظر على من يليق بعظمته سبحانه. وفي الحديث: «إنكم سترون ربكم». وفي رواية: «إنكم تنظرون إلى ربكم كما تنظرون إلى القمر ليلة البدر». المراد تشبيه الرؤية بالرؤية، كونها حقيقية، وليس تشبيه المرئي بالمرئي. فرؤية القمر على ما يليق بالقمر، ورؤية الله على ما يليق بالله، بما لا ينافي عظمته سبحانه وتعالى. فهذا الرجل كأنه اعترض على الحديث، فقال سائلًا: «ما معنى هذا الحديث؟» وليس المراد الاستفهام فهم الشيخ أن الرجل معترض. فهنا غضب وحرد، يعني: اشتد في الغضب، وقال: «ما أشبهك بصبيغ، وما أحوجك إلى مثل ما فعل بصبيغ». والمعنى أن اعتراضك هذا مثل اعتراض صبيغ، وتتبعه للمتشابه من القرآن. وأدب -كما سمعنا في الآثار- عمر -رضي الله عنه- أرضاه صبيغ التميمي بأن جلده؛ لأجل أن لا يتجرأ، ولا يجر الناس في الاعتراض على القرآن؛ لأن الإنسان إذا لم يفهم، أو أشكل عليه شيء، فالواجب أن يسأل أهل العلم، وليس أن يدخل الشكوك في قلبه، وفي قلوب الناس. فهو إن علم سيرجع إلى الصواب، لكن من الذي سيرد الناس إلى الصواب بعد أن أدخل الشبه في قلوبهم؟ ولهذا أمر عمر -رضي الله عنه- أرضاه بجلد صبيغ؛ لأجل أن يتأدب، وأن لا يجاوز المنزلة التي تليق به. والأمر كما قال الله سبحانه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. والمتشابه من القرآن يعرفه أهل الرسوخ. فصبيغ اشتبهت عليه الآيات؛ لأنه جهل تفسيرها. أما عمر -رضي الله عنه- أجاب عن معنى هذه الآيات، وبيّن أنه لم يجب من رأسه وبعقله، وإنما أجاب بما سمع من النبي -صلى الله عليه وسلم-. فقال في: ﴿الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾: هي الرياح. وفي: ﴿الحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾: هي السحاب. وفي: ﴿المُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾: الملائكة. وهكذا: ﴿الجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾: السفن. وهذا تفسير بعض السلف، وجاء أمر آخر، فهو من التفسير ببعض المعنى. وقال في هذا كله: «لولا أني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقوله ما قلته». ومعناه أني لم أقله بالرأي، وإنما بعلم سمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم-. وصبيغ لم يكن عنده علم، ولم يكن عنده تمكن في معرفة اللغة العربية، حصل عنده الاشتباه واللبس في هذه الآيات. فكان الواجب عليه أن يسأل أهل العلم، وأن يقف حيث علم، وأن يسأل عما لا يعلم، وليس أن يورد الآيات على الناس، ويدخل في قلوبهم الشبه. فلذلك عمر أدبه -رضي الله عنه- أرضاه؛ لأجل أن لا يدخل الشبه في قلوب الناس، وأن يقف حيث يجب الوقوف عنده من ليس عنده علم. وكذلك قال هذا الإمام -رحمه الله تعالى- لهذا السائل حين اعترض بهذا الاعتراض: أنه لا يجوز أن يعترض على الأحاديث. فالاعتراض على الأحاديث ليس من طريقة أهل السنة والجماعة، التي طريقتهم الإيمان والتسليم في باب الأسماء والصفات. وليس معنى الإيمان والتسليم أنهم لا يفهمون ولا يعقلون، بل آمنوا وسلموا بعلم لما علموا من أدلة الكتاب والسنة فيما يجب اعتقاده في حق الله عز وجل. فهنا علم أهل السنة والجماعة أن المراد تشبيه الرؤية بالرؤية لإثبات حقيقتها، وليس المقصود تشبيه المرئي بالمرئي؛ لأن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. ثم أورد أثر الإمام مالك -رحمه الله- والذي فيه التحذير من البدع وأهلها: وأن من البدع وطريقة أهلها الكلام في الأسماء والصفات على غير الوجه الذي عليه أهل السنة والجماعة. فالواجب أن نثبت ونمر ما جاء في أدلة الكتاب والسنة، ولا نعترض عليها لا بقول ولا برأي. وهذا معنى قول السلف: «أمروها كما جاءت». اتركوها، لا تعترضوا عليها لا بتمثيل ولا بتعطيل. فإن من اعترض عليها بالتمثيل عطلها، ومن اعترض عليها بالتعطيل مثلها. ففر من التمثيل إلى التعطيل، أو فر من التعطيل إلى التمثيل. وكلا الطريقين من طرق أهل البدع والضلال. والواجب أننا نثبتها إثبات وجود، أثبتها الله لنفسه، وأثبتها رسوله -صلى الله عليه وسلم- ربه وخالقه. فالواجب علينا أن نثبتها إثبات وجود كما أثبتت في أدلة الكتاب والسنة، لا نتعرض لها بشيء من التحريف والتعطيل، ولا بشيء من التكييف والتمثيل، والله أعلم. قال -رحمه الله-: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن عمر الزاهد الخفاف: قال: أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الفقيه: قال: حدثنا الربيع بن سليمان: قال: سمعت الشافعي -رحمه الله- يقول: «لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خل الشرك أحب إلي من أن يلقاه بشيء من الأهواء». وقال -عليه رحمة الله-: أخبرني أبو طاهر محمد بن الفضل: قال: حدثنا أبو عمر الحيري: قال: حدثنا أبو الأزهر: قال: حدثنا قبيصة: قال: حدثنا سفيان عن جعفر بن مرقان: قال: سأل رجل عمر بن عبد العزيز عن شيء من الأهواء، فقال: «نزم دين الصبي في الكتاب والأعراب، والهى عما سوى ذلك». وقال -عليه رحمة الله-: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: قال: حدثنا محمد بن يزيد: قال: سمعت أبا يحيى البزار يقول: سمعت العباس بن حمزة يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: «كل ما وصف الله به نفسه، وفي كتابه، فتفسيره تلاوته، والسكوت عنه». وقال -عليه رحمة الله-: وروى أبو الحسين الخفاف: قال: حدثنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج: قال: حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث: قال: حدثنا الهيثم بن خارجة: قال: سمعت الوليد بن مسلم: قال: سألت الأوزاعي، وسفيان، ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث في الصفات والرؤية، فقالوا: «أمروها كما جاءت بلا كيف». قال الإمام الزهري: إمام الأئمة في عصره، وعين علماء الأئمة في وقته: «على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم». وعن بعض السلف: «قدم الإسلام لا يثبت إلا على قنطرة التس