المحاضرة بعنوان المنهجية في طلب العلم، والتي كانت بدار الحديث بمنطقة طيبة بالشحر ظهر يوم الأحد 13 جمادى الآخر 1443هـ الموافق 16 يناير 2022م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُشدد على أهمية الأخذ عن المشايخ الثقات في طلب العلم لتجنب الأخطاء وتقصير الطريق في تحصيل العلم. يُوصى الطلاب بمذاكرة العلم مع زملائهم وتثبيت المعلومات من خلال المراجعة والمذاكرة.
يؤكد على أهمية إتقان العلم ومذاكرته ومراجعته، ويشير إلى أهمية الاعتناء بعلم العقيدة والتوحيد وتكرار مذاكرته. كما ينصح بالتركيز على بناء الذات في مختلف العلوم مع الحفاظ على توازن المعرفة.
ينصح بالتركيز على بناء أنفسهم في مختلف العلوم وليس الاكتفاء بعلم واحد، ويحذر من التخصص الضيق الذي قد يؤدي إلى الإحباط أو التعالم فيما لا يعرفونه. يشدد على أهمية المنهجية والجد في طلب العلم.
يُنصح طلاب العلم بكتابة الفوائد التي يمرون عليها أثناء دراستهم وتنظيمها في أقسام مختلفة لتكون مرجعًا مفيدًا لهم. كتابة الفوائد تساعد على تذكر المعلومات وتسهل الرجوع إليها عند الحاجة.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم بعد، فنحمد الله عز وجل على أن يسر لنا هذا اللقاء مع شيخنا المبارك أبي عبد الرحمن عبد الله بالمرعي حفظه الله، ويتحفنا إن شاء الله تعالى بالفوائد والوصايا والنصائح. حفظه الله، كما عهدناه خيرًا. إن شاء الله تعالى نسمع شيخنا حفظه الله يتفضل ويجزينا خيرًا. ويجزينا الله خيرًا. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى الذي يسر بمثل هذا المجلس الطيب المبارك، وفي هذا المركز من مراكز العلم والصرح العلمي من الصروح العظيمة التي بفضل من الله سبحانه وتعالى آتت ثمارها، ورأى القريب والبعيد آثارها. وهذا فضل من الله سبحانه وتعالى. فنشكر الإخوة مشايخ الفضلاء والدعاة النبلاء ومن معهم في كل ما يقومون به من جهود مباركة في تدريس إخوانهم وأبنائهم وتعليمهم والاعتناء بهم. وهذا فضل من الله سبحانه وتعالى. والحمد لله قد وفقتم لنخبة مباركة من المشايخ الفضلاء الذين فتح الله عز وجل عليهم في علوم كثيرة. فعندكم أخونا أبو همام حفظه الله، والشيخ من إخواننا الكبار المشهورين القدامى الذين نفع الله عز وجل بهم في علوم كثيرة، وخصوصًا في جانب الحديث وعلومه. فهو في الحقيقة مرجع لإخوانه، بل أنا نفسي أحيانًا أستفيد منه. تشكل عليَّ بعض الأشياء ولا يسعفني الوقت، فأرجع إليه حفظه الله. وهكذا كذلك إخوانكم ومشايخكم الآخرون كأخينا الشيخ يوسف حفظه الله. وهو كذلك إخوانكم ومشايخكم القدامى قدامى في العلم والطلب والدعوة، وقد نفع الله عز وجل به في جوانب كثيرة وعلوم عديدة، وخصوصًا اعتناؤه كذلك بالحديث والفقه. وهكذا كذلك أخونا الفاضل الشيخ أبو معاد وغيرهم من المشايخ الذين يتعهدونكم ويتعاهدونكم في الدروس المباركة والنصائح المهمة. وهم قد فتح الله عز وجل عليهم كذلك في جوانب كثيرة، فلا تبخلوا على أنفسكم من الاستفادة منهم والاستزادة من علومهم ونصائحهم وتوجيهاتهم. فمن سبقك في العلم في الدعوة والتعليم لا شك أن عنده من الخير ما تفتقر إليه، فتستفيد من علومهم ومن خبراتهم ومن ما مضى من حياتهم وما استفادوه وأخذوه من مشايخهم، ما هو عون لكم في طريق طلب العلم. وهكذا طريق طلب العلمية أيها الأحبة ليس هو فقط المعلومات التي تجدها في الكتب، ولكن طلب العلم هو حصيلة ما جمعه المشايخ جيلًا بعد جيل. ولهذا يقول أهل السنة والجماعة: «علم أهل السنة مروي، وعلم أهل البدعة مستحدث». فعلم أهل السنة يتوارث جيلًا بعد جيل. ولهذا كان إمامنا وعلمان يقولون: «انظروا عن من تأخذون دينكم». إن هذا العلم دين، فانظروا عن من تأخذون دينكم. فأنت تأخذ معلومات، تأخذ عقائد، تأخذ عبادات، معاملات، أخلاق، سلوكيات، منهجية. لا تأخذها إلا من الثقات الأثبات. وتأخذ كذلك خبرة علمية ودراية، فتختصر على نفسك من العمر الشيء الكثير. رب حديث يبحث به الشيخ شهرًا كاملًا يتعب حتى يتأكد من صحته وثبوته، حتى يصل في نهاية الأمر إلى تحقيق ما عنده من علم غزير، لم يستطع إليه إلا بعد بحث وتعب وجد واجتهاد ومثابرة أكثر من شهر. فإذا أنت أردت أن تصل إلى هذه الفائدة وهذه القضية، كم سيحتاج لك من الوقت؟ وأنت الطالب المبتدئ سيأخذ منك الوقت الكثير، وقد تصيب وقد لا تصيب. فهو يختصر لك الطريق. وكم المسائل العلمية العقدية والحديثية والفقهية والأصولية والفرضية وغيرها من المسائل التي لا تعد ولا تحصى مما فيها إشكالات؟ فحين تدرس على المشايخ الذين لهم سابقة، أنت تختصر على نفسك عمرًا كثيرًا. وأذكر قصة ذكرها الخطيب البغدادي في كتابه «الكفاية في علم الرواية»: كان جماعة من طلاب شعبة رحمه الله مجتمعون عند بيته ينتظرون خروج شعبة ليحدثهم بحديث. فكانوا يتذاكرون ما عندهم من حديث. فمع خروج شعبة سمع أحدهم يحدث بحديث. فلما خرج قال: من حدثك بهذا الحديث؟ فذكر إسناده، فيه فضربه شعبة حتى بكى الطالب. ثم قال له: أتدري لما ضربتك؟ قال: لا. قال: يأتي أحدكم فيحدث بحديث لا يدري عن من يرويه. وإني والله -كما قال- قد سافرت لهذا الحديث المدينة والعراق والشام -أو كما ذكر- رحمه الله. ثم بدأ يذكر قصته مع هذا الحديث، كيف أنه وجده مدنيًا، ثم إذا به يجده عراقيًا، ثم يجده بعد ذلك شاميًا. وفي النهاية يصير الحديث ضعيفًا. يعني كأنه يقول: يا أيها الطالب، أنت تدرس عندي، الواجب أنك تتثبت فيما تحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم. فرحل رحلة عدة بلدان من أجل حديث واحد، لأجل أن يتثبت: هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يصح؟ ورحل جابر من المدينة شهرًا كاملًا ليسمع حديثًا في القصاص، ويتأكد منه. حديث عن عبد الله بن أنيس، وهو حديث واحد. فإذا كان هذا، فكيف بمسائل العلم الكثيرة؟ فهناك من الدقائق والخفايا من العلم، لا يستغني طالب العلم أن يستفيد من مشايخه. ولهذا يجمل بطالب العلم إذا سلك طريقه العلمي أن يجمع مع أخذه للعلم البحث والمسائلة. حفظ العلم، ذاكرته. كان السلف والعلماء والأئمة يحرصون على المذاكرة أعظم من حرصهم على أخذ العلم، لأنه تثبيت للمعلومات. وكذلك يصحح ما عنده من معلومات قد تكون سمعت شيئًا خطأ أو كذلك سمعت شيئًا فلم تفهمه، كتبت شيئًا لم تتقنه. فحين تراجع هذا العلم وتمر عليك إشكالات، فتسأل من هو أعلم منك. هكذا أنت تثبت هذا العلم، وتكون قد أضفت إلى ما عندك من العلم مع تثبيت ما أخذت عددًا من الفوائد التي تزيدك تمكنًا في هذا العلم. وهذا من الفوارق بين دراسة المساجد والدراسة النظامية. الدراسة النظامية قد يحصل فيها تراكمات، قليل من الناس من يستفيد مما يطرق. طبعًا هذا إذا حصل: حصل الشيخ صاحب الكفاءة العلمية، وحصل المنهج والكتب التي فيها الكفاءة العلمية، وحصل كذلك الرفقة التي فيها الكفاءة كذلك. فإذا توفرت هذه الثلاثة، يبقى عليه مذاكرة هذا العلم. وقليل من من يدرس بالدراسة النظامية يسعه الوقت لمذاكرة العلم. فلهذا الكثير منهم -إلا من رحم الله- يدخل إليه العلم جملة، ويفوته الكثير. لكن دراسة المساجد وحلق العلم عند المشايخ، يتأنى الطالب فيما يأخذ. وهذا التأني والرفق يجعل ما يدخل يدخل شيئًا فشيئًا، فيثبت بإذن الله. وهذا هو الغالب. ثم كذلك هو يذاكره مع زملائه، وهذا هو الغالب. ولذلك من كان من الطلاب مجتهدًا في المذاكرة، فإن العلم عنده يكون أثبت. فأنت يا أيها الطالب، راجع ما عندك من دروس، وذاكرها مع غيرك. وما أتى من إشكالات، اعرضها على من هو أعلم منك، حتى تثبت هذه المعلومات، حتى تثبت هذه المعلومات وتتقن هذا العلم. على سبيل المثال، مثلًا درست في العقيدة والمصطلح والأصول وغيرها، فحين تدرس كتابًا لا تنتقل إلى الكتاب الذي بعده حتى تكون قد أتقنت الكتاب الأول. لأنك إذا لم تتقن الكتاب الأول، يصعب عليك الكتاب الذي بعده. ففيه من المعلومات ما هي أصعب من الأول. مثلًا درس الإنسان الآجرومية فلم يتقنها، فانتقل إلى المتممة. المتممة كسمها، إذا لم تتقن الأصل كيف تتقن ما تمم الأصل؟ لابد أن تتقن الأصل حتى تتقن ذاك المتمم. فلابد إذا أن يكون عند طالب العلم عناية بإتقان ما يأخذ. ومما يعينه على إتقان ما يأخذ مذاكرة هذا العلم ومراجعته. وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يذاكرون العلم ويراجعونه. فما أخذوا من علم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيه بعضهم لبعض. وقد بوّب البخاري رحمه الله في صحيحه بابًا فقال: «باب التناوب في العلم». ثم ذكر قصة عمر رضي الله عنه مع الأنصار، كيف كانوا يتناوبون على مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيأتي الأول فيأخذ من العلم، والآخر يذهب يرعى غنمه. ثم يأتي الثاني فيأخذ، ويذهب الأول فيرعى. فإذا جاء أحدهما حدث من فاته بما سمع. وهكذا يفعل الثاني مع أخيه. كانوا يذاكرون العلم. هذا حرص منهم رضي الله عنهم أرضاهم على حفظ العلم، على حفظ العلم. حتى القرآن، حتى القرآن كانوا يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسمعونه غيرهم يسمعونه غيرهم، ويذاكرونه حتى يحفظونه. وكما جاء في حديث بن مسعود: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا لا يتعدون عشر آيات يتعلمونها حتى يأخذوا ما فيها من العلم والعمل. يعني معناه: ليس يحفظون ويرمون، يحفظون ويراجعون ويذاكرون ويعملون بما علموا، ثم ينتقلوا إلى غيره. وبهذا يزول الإشكال حين تسمع أن ابن عباس أخذ في سورة البقرة عشر سنين. كيف أخذ عشر سنين؟ لأنه ما كان يتعجل فيها، يأخذها شيئًا فشيئًا حتى يثبت عنده العلم. وهكذا كذلك فعل التابعون مع الصحابة. كما روى مجاهد عن ابن عباس: أنه ما مرت عليه آية إلا واستوقف ابن عباس فيها. ما من آية من كتاب الله إلا واستوقف عبد الله بن عباس فيها. وهكذا طاووس، وجماعة من التابعين فيما أخذوا عن الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. وهكذا أتباع التابعين حرصوا على أخذ هذا العلم ومذاكرته وإتقانه من مشايخهم. ولا يزال العلماء جيلًا بعد جيل يأخذ بعضهم من بعض، وينتفع بعضهم من بعض، ويستفيد بعضهم من بعض. بل وربما يرحل الرجل الواحد منهم ليسمع العلم من أكثر من شيخ، ليتقنه وليتمكن فيه. كما فعل الكثير من العلماء والأئمة، كانوا يرحلون في سماع العلم، ويكررون سماع ما تعلموه ليثبتوا هذا العلم ويتقنوه. ولذلك لو تأملت حصيلة كل حامل العلم، هو ما حفظ وما أتقن. ليس ما أخذ. أخذنا أشياء كثيرة، لكن الذي يبقى معنا هو ما حفظنا وأتقننا. فالعلم ما كان في صدرك، والذي في صدرك هو ما أتقنته وحفظته. وهذا يحتاج منك سيادت جهد. فليس الشأن كل الشأن أنك درست كتاب كذا وكذا وكذا. ولكن الشأن كل الشأن: ماذا أتقنت؟ وماذا حفظت؟ وأبقيت مما درست؟ ومما يعين على حفظ العلوم وإتقانها تكرار مذاكرة هذه العلوم. تكرار مذاكرة هذه العلوم. وأول العلوم وأعظمها اعتناء علم العقيدة، فالتوحيد ومسائله ومباحثه من أعظم ما يجب أن يعتني به طالب العلم. فهو من أول ما دع إليه ديننا. وديننا فيه أوليات وأولويات. ومن أول ذلك الاعتناء بكتب العقيدة. ولو قرأنا الأدلة في الكتاب والسنة في تأكيد هذا الباب، نجد الكثير والكثير. فما أرسل الله عز وجل من نبي ولا رسول إلا كان من أول ما دع إليه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام الدعوة إلى التوحيد: ﴿اعبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾. أول ما يدعو قومه. ﴿وَلَقَد بَعَثنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسولًا أَنِ اعبُدُوا اللَّهَ﴾. الأمر بعبادة الله. فأول واجب تحقيق العبودية لله عز وجل. ولا يمكن أن يحققها العبد في نفسه وأهله ومجتمعه إلا بتعلم ذلك. بل قال العلماء: العناية بهذا العلم ومباحثه ينبغي أن يكون من أولويات ما يعتني به العلماء وطلبة العلم. وما ينبغي أن يتكرر. إذا كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو إمام الموحدين يقول: ﴿وَاجنُبني وَبَنِيَّ أَن نَعبُدَ الأَصنامَ﴾. فكيف بمن دون إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ ولذلك كان الكثير من مشايخنا يقول: لا ينبغي لطالب علم أن يكون عنده وقت وليس عنده درس في العقيدة. لا ينبغي. الاعتناء بالعقيدة حياة للقلب. وتأكيد لأهمية هذا الواجب، لو لم يكن إلا هذان لكان هذان كافيان في أن لا يغفل الشيخ والطالب عن الاعتناء بهذا الباب. وكان بعض مشايخنا كذلك يقول: لا ينبغي لمسجد أن لا يكون فيه درس في العقيدة. لابد أن تكرر دروس العقيدة، دروس التوحيد. والعناية بهذا الباب لا يقف أبدًا. لابد أن لا يقف في حياة المسلم. حتى الأب مع أبنائه ينبغي أن يعتني بقراءة العقيدة وإسماعهم العقيدة على وجه الاستمرار، حتى ترسخ هذه العقيدة في القلوب، وحتى تتمكن القلوب من معرفة مسائل ودقائق العقيدة. كما كان يفعل السلف الصالح من الصحابة والتابعين واتباع التابعين ومن بعدهم. فالاعتناء بهذا الباب من أولويات وأوليات ما ينبغي أن يعتني به العالم والمتعلم. فلا ينبغي أن يغفل عن هذا الباب أبدًا، ولا ينبغي أن يفتر عن هذا الباب أبدًا. لا يزال في حرص على كتب العقيدة من كتاب إلى كتاب، من كتاب إلى كتاب. لا يقف أبدًا. مع ما يأخذ من العلوم الأخرى. لكن لابد أن نكون عندنا قوة في العناية بالعقيدة، تكون عندنا دراية بمعرفة مسائل العقيدة والتوحيد والإيمان، خصوصًا في هذا العصر. وقد تفش الإلحاد بصوره وأنواعه وفرقه المتنوعة، وقصد أربابه أن يدخل ذلك على المجتمعات المسلمة. فلابد أن يكون أهل الإسلام أهل التوحيد أهل السنة والجماعة على معرفة ودراية واعتناء بهذا الباب. وفي حديث النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين، لما عدد شعب الإيمان قال: «أعلاها قول لا إله إلا الله». وهو من أعلى وأهم ما يجب أن يعتني به المسلم. ليس قول لا إله إلا الله قول اللسان فقط. هذا هو الفرق بيننا وبين أهل الأهواء الذين يجعلون لا إله إلا الله قول اللسان. بل لا إله إلا الله كلمة عظيمة لها شروط وأركان وواجبات. لا يتحقق مقصدها إلا بتحقق شروطها وأركانها وواجباتها ولوازمها. فهي العقيدة والإيمان والتوحيد. قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان. يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. وبهذا تعرف أن مسائله كثيرة، ودقائقه عديدة. وخفية ما أكثر المسائل الخفية التي تتعلق بالأعمال القلبية مما تتعلق بالتوحيد والعقيدة والإيمان. ما أكثر المسائل الإيمانية والعقدية التي تتعلق بالأقوال والتي تتعلق بالأفعال وغير ذلك مما لا يخفى على الكثير منكم. وهكذا ترتب يا طالب العلم العلوم الأهم ثم المهم، الأهم ثم المهم. وبهذه المنهجية يحصل التمكن كذلك إن شاء الله تعالى. والمقصود أن طالب العلم لابد أن تكون عنده منهجية يستفيدها من نصائح العلماء والمشايخ، بما يكون به إن شاء الله نجاحه في سيره العلمي. ومع هذا يحتاج إلى شيء آخر يكون به نجاحًا، وهو جده واجتهاده وهمة طالب العلم التي تجعله ينشط ولا يفتر. ﴿يَا يَحيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾. فإذا كان الإنسان صاحب عزيمة وهمة عالية، فبإذن الله تعالى يأتي النجاح. ومما يعين على الهمة العالية الحرص على ملازمة أهل الهمم العالية، والقراءة والسماع لأهل الهمم العالية. فإنك إذا لازمت هذين الأمران -وهذا على وجه الاختصار- ستجد من نفسك همة عالية تعينك على الجد والاجتهاد في طريق طلب العلم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. هذه نصائح متفرقة وتوجيهات يسيرة، المقصود منها أن نتذاكر شيئًا ينفعنا في طريقنا العلمي. فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان. واستغفر الله. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وجزاكم الله خيرًا. يقول: هل يجوز فعل ابتسامة الأسنان، وهي التي تجعل الأسنان كبيضاء جدًا؟ يعني هل هذا دواء أو ماذا؟ أين السائل؟ دواء. إذا كان دواء لا يضر، لا بأس. إذا كان دواء لا يضر، لا بأس. لكن لماذا سموه ابتسامة؟ هل يجعلك مبتسمًا وأنت لا تريد أن تبتسم؟ يقول السائل: كيف تنصح الطالب المؤتدئ في الطلب أن يتخصص في فن؟ هل الأفضل يأخذ سلسلة هذا الفن مباشرة أو يأخذ كل كتاب ثم سلسلة؟ تكلمنا على هذا في مجال سابق. ينبغي لطالب العلم أن يعتني ببناء نفسه من كل العلوم، ليس يعتني بعلم واحد ويغفل العلوم الأخرى. هذا ليس بصحيح. يعني بعضهم يقول: يأخذ سلسلة في العقيدة مثلًا أو في اللغة أو في النحو أو في المصطلح والحديث، فيستمر على هذا سنوات ويترك العلوم الأخرى. هذا ليس بصحيح. لأنه يضعف قوته العلمية. الإنسان إذا قوي في العقيدة مثلًا وصار ضعيفًا في الفقه والحديث والعلوم الأخرى، اللغة، هذا يجعله عاجزًا على أن يكون عنده ملكة في بحوثه وفي كذلك مسؤولياته. فضلًا أنه قد يصيبه بالإحباط حين يجد نفسه عاجزًا على أن يعرف ما يعرفه المبتدئون من طلبة العلم. ولهذا المنهجية الصحيحة التي عليها المشايخ، وهكذا كذلك المدارس التي بإدارة وإشراف المشايخ: أن يدرس طالب العلم العلوم من كل علم أوله، ويرتقي درجة درجة في كل علم. وبهذا يبني بيتًا متكاملًا من كل جهاته. أما الذي يأخذ علمًا واحدًا، هذا مثل الذي يبني بيتًا بجدار من جانب واحد، ويترك أربعة جوانب. كيف يكون قوة هذا الجدار؟ يكون جدارًا ضعيفًا. جدارًا تقيمه لأربعة دور، ما شاء الله ارتفعت إلى الأعلى. الذي يرى من خلف هذا الجدار يقول: هذا الجدار ما شاء الله مرتفع. لكن إذا لفت التفت من خلف الجدار، وجده جدارًا خطيرًا يخيف. لماذا؟ لأنه ليس شيء يسنده، ثلاث جهات فاضية. وهذا حال الذي يأخذ سلسلة من علم واحد، يغتر بنفسه، يشوف نفسه ما شاء الله وصل إلى أعلى الكتب فيما هو فيه. لكن ينسى ويغفل أنه صفر في العلوم الأخرى. وهذا هو الداء. ولهذا الكثير منهم الذي يسلك هذا المسلك يصاب بالإحباط في طريق العلم، فيترك أو يبتل بالتعالم، يتعالم فيخوض فيما لا يعرفه. يقول: ما حكم من يجمع الأغنام في وقت القحط في يوم محدد في مكان، ثم يدعو بهن من أجل أن يرزقنا الله الغيث والمطر من دون إشراك والاعتقاد بأن هذه الأغنام بسببها يأتي المطر؟ ثم بعد ذلك تذبح هذه الأغنام فيأكل الناس بيوتهم ومن حضر معهم؟ هذا يعني من باب العادات. هذه عادة مشهورة في بعض البلاد. لكن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. صلاة الاستسقاء المشروع المأذون أن يخرج الناس كما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم. لم يخرجوا الأغنام والأبقار والبهائم، إنما خرجوا الناس يصلون الاستسقاء ويستغيثون الله عز وجل، وقلبوا الرداء تفاؤلًا بتغير الحال كما هو السنة التي فعلها النبي عليه الصلاة والسلام، وفعلها الصحابة من بعده. وهكذا جيلًا بعد جيل. ولا يزال العلماء محدثون وفقهاء يذكرون أحكام صلاة الاستسقاء وتفاصيل مسائلها. وليس فيها هذا الذي ذكر السائل. فالعادة التي تخالف العبادة ينبغي أن تترك، ينبغي أن تترك. خصوصًا أنهم يفعلونها على وجه التعبد والتقرب إلى الله بذلك. ولا يتقرب إلى الله إلا بما شرع وبما يحب سبحانه وتعالى. والدين قد أكمل ببعثة نبينا صلى الله عليه وسلم. وليس فيه مثل هذا. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». أتكلمنا عليها بدرس قبل فترة. وقلنا: أن ما كان فيه إنحناء معه شيء من التعظيم، فهذا محرم. وما كان احترامًا ومعرفة قدر مع عدم التعظيم كالكبير في السن أو نحو ذلك، فترفع يده ويكون الحناء بقدر رفع اليد. لكن بعضهم يتوطأ زيادة، هذا التوطي الزيادة هو الذي كان يسميه بعض العلماء السجدة الصغرى. فالصحيح التفصيل في هذا. والله أعلم. يقول: إيش عندكم؟ نعم. يعني الخلاصة: يجد ويجتهد في فترة وجوده بمنهجية تعينه على أن يتمكن من جوانب كثيرة كما تقدم في الخطة العلمية التي يسير عليها. إذا ضبطها بسؤال من هو أعلم منه، مثلًا يعرف أنه سيجلس للسنة فيضغط على نفسه في حفظ القرآن وحفظ ما تيسر من السنة، ودراسة ما تيسر من العلوم. فلابد أن يضغط على نفسه أكثر. ومن كان سيقعد أكثر: سنتين، ثلاث، فيأخذ ما يناسب هذا الوقت. فلذلك يختلف حال الطالب ووقته الذي سيجلس فيه. وبموجب ذلك يجلس مع مشايخه، يضعون له خطة في محفوظاته وفي الدروس التي يأخذها، حتى يرجع وقد أخذ بغيته على حسب المدة التي أخذها. لكن ما يرجع عنده شيء دون شيء. لا بد أن يكون أخذه متكاملًا قدر المستطاع. فيعتني بالقرآن، محفوظات السنة، محفوظات علمية، ويعتني بالدروس: عقيدة، فقه، وصول، حديث، وصول، فقه، لغة، وصول، تفسير. وإذا جمع وصول هذه العلوم، ويستطيع في السنة الواحدة يأخذ ما يجعله إن شاء الله مدرسًا مبرزًا في بلاده. في سنة واحدة يستطيع يأخذ هذه الأشياء التي ذكرتها لكم. لكن المستويات المتوسطة، أما المستويات العليا ما يستطيع يأخذها في سنة، يأخذها بأكثر من سنة. إذا ضغط على نفسه طالب العلم، ففي سنتين يستطيع أن يأخذ المستويات العليا في هذا الباب. مثل أن يأخذ مثلًا يحفظ القرآن، يعتني بتفسير مختصر كتفسير الجلالين مثلًا مع التدقيق على ألفاظه ومباحثه. ويأخذ ما تيسر من حفظ السنة: مثلًا «اللؤلؤ والمرجان» و«رياض الصالحين» و«بلوغ المرام» و«عمدة الأحكام». تدخل بسهولة. ويحفظ ما تيسر في المصطلح: الألفيتين، العراقي، بن مالك. ثم بعض المتون في العقيدة وفي الأصول. ويأخذ علومًا متوسطة. وإن استزاد في الوقت استطاع أن يتمكن أكثر بحسب ما سبق. يعني في كل علم يرتقي إلى درجات أعلى. سواء في أصول التفسير، أصول الفقه، أصول الحديث، العقيدة، الفقه، اللغة. هذه أهم العلوم التي ينبغي أن يعتني بها. وبإذن الله ستفتح عليه أبواب كثيرة. ثم يعتني كذلك بتعلم الخطابة. لا بد أن تكون هناك دروس بتعليم الخطابة، حتى تكون عنده كفاءة وملكة في هذا الباب. يقول: هل يجوز تغميض العينين في أثناء الصلاة؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح أنه إذا كان عنده ما يشغله، فلا بأس أن يغمض عينيه. وإذا لم يكن هناك ما يشغله، فالسنة أن ينظر إلى موضع سجوده. وما صحت به السنة. يقول: الابتسامة هي طبقة بلاط أو سيراميك فوق الأسنان لتسويتها وتبييضها. أحيانًا تكون طبية، وأحيانًا توضع للزينة. أنا لا أعرف. هذا يحتاج أني أبحث أكثر وأنظر فيها. لا، هذا غير هذا. تقويم الحديد يسمى تقويم، هذا لا بأس به. إذا كان شيء مقصود به تعديل أسنان معوجة. السيراميك هذا الذي ذكر يحتاج أننا نراجع إن شاء الله. الله أعلم. يحتاج إلى بحث. هذا نفسه. ليش يقول: ما نصيحتكم للطلاب الذين لا يهتمون بكتابة الفوائد؟ كتابة الفوائد مهمة. ورب فائدة لا تفهمها اليوم ستفهمها غدًا. وكان أئمتنا وعلماؤنا يعتنون بتقييد الفوائد وجعل الكراريس لما يكتبون. وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يكون عنده كراريس لذكر الفوائد. وإذا كانت مقسمة فهو أفضل. الفوائد الحديثية لحالها، الفوائد العقدية لحالها، الفوائد الفقهية لحالها، اللغوية لحالها. مثلًا عنده دفتر مقسم أربعة أو خمسة أقسام. إذا سمع فائدة عقدية كتبها في قسم العقيدة، فائدة حديثية في قسم الحديث، فائدة فقهية في قسم الفقه، فائدة أصولية في قسم الأصول، في التفسير في قسم التفسير. فائدة. هذا أنه غدًا سيكون مدرسًا، سيحتاج لهذه الفوائد. هذه الفوائد التي اليوم أنت تراها يسيرة، ربما ما وصل إليها الشيخ كما قلنا إلا بعد تعب ونصب. فستكون بالنسبة لك كنزًا. وأنا أذكر: كنا نسجل بعض الفوائد لشيخنا مقبل رحمه الله. وهكذا عدد من المشايخ. كنت أحتاج لبعض هذه الفوائد أثناء التدريس. تعرفون: كان الشيخنا رحمه الله يعتني بمباحث الحديثية، وذكر علل الحديث وأحوال الرجال والتفصيل في بعض الرجال. فأحيانًا يمر عليك حديث وبطول عهد تنسى. تقول: الشيخ فصل في فلان هذا. ولكن نسيت هذا التفصيل. ولا شك أن الإنسان سينسى مع طول الوقت. لكن إذا كنت قد سجلت هذه الفائدة، سيسهل عليك الرجوع إلى الكتاب وتنظر في هذه الفائدة. حديث معين يبلغك أو بلغك أن الشيخ الألباني رحمه الله حسنه، والشيخ مقبل رحمه الله أعله وضعفه. وأشار إلى بعض من أعله. بعض هذه الفوائد أحيانًا ما تجدها في مضانها. تبحث: علل الترمذي، علل بن أبي حاتم، تبحث في كتب العلل، تبحث في كتب التخاريج، ما تجد. تقول: سبحان الله، أين هذا؟ من أين أتى الشيخ بهذه الفائدة؟ فتحاول تبحث، ما تجد. العلة تعرف أن الحديث هذا قد انتقد، لكن نسيت ما هي علة هذا الانتقاد. إذا كنت سجلت الفائدة، كان مفيدًا. ولزبي مفيد. مفيد. فعند ذلك تفتقر وتحتاج لهذه الفائدة. فسجلوا هذه الفوائد التي تمر بكم في دروسكم في حياتكم العلمية. وستعرفون قدرها وأثرها ونفعها في المستقبل إن شاء الله. طيب إلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وجزاكم الله خيرًا.