الدرس في شرح تسهيل الفرائض 16، تابع العصبة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع توريث الولد الذي لا أب له شرعًا مثل ولد الزنا والمنفي بلعان، حيث تُحدد عصبة هذا الولد وعرض الخلاف بين المذاهب في هذه المسألة. يُرجح القول الأول بالأدلة الشرعية.
في حالة الملاعنة، يرث المولود من جهة الأم وتكون عصبة الأم هم عصبة هذا المولود، وهو القول الصحيح الذي استدل به بحديث صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام.
ينقسم الورثة إلى خمسة أقسام باعتبار الإرث بالفرض والتعصيب، وتم توضيح كل قسم مع ذكر الأمثلة والشروط.
يخلص المتحدث إلى عدم وجود القسم السادس من الورثة ويختتم كلامه بالاكتفاء بما تمت مناقشته، مع الإشارة إلى أن الله تعالى أعلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا، رحمه الله تعالى: الفائدة السابعة، قال: من لا أب له شرعًا، كولد الزنا والمنفي بلعان، فعصبته عصبة فروعه، فإن عدموا، فأمه، فإن عدمت، فعصبتها، على الترتيب السابق. والمذهب أن عصبته عصبة فروعه، فإن عدموا، فعصبة أمه المتعصبون بأنفسهم، ولا عصبة للأم، ولا لغير العاصب بالنفس من عصبتها. فالخلاف في العصبة الزائدة عن العصبة بالنفس. والصحيح كما قال الشيخ، رحمه الله، وقدم الأول. قال رحمه الله تعالى: والأول أصح لحديث عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها، رواه أبو داود. وسبق حديث واثل بن الأسقع، أن المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، ولدها الذي لاعنت عليه. ولأن الولادة انقطعت شرعًا من جهة الأب، فانحصرت في الأم، فكانت الأم بمنزلة الأم والأب. ولأن قاعدة الفرائض ألا يدلي عاصب بصاحب فرض محض، فلا يدلي العاصب إلا بعاصب، فإذا كان عصبة الأم عصبة، فهي عصبة أيضًا، وهي أقرب منهم، فتكون أولى بالتعصيب. وهذا القول هو قول ابن مسعود، وإحدى الروايتين عن أحمد، واختيار الشيخ تقي الدين. فلو هلك منفي بلعان عن بنت وأمه وخاله وخالته، فللبنت النصف، وللأم السدس فرضا، والباقي تعصيبا على القول الأول. أما على القول الثاني، فللبنت النصف، وللأم السدس فرضا، والباقي للخال تعصيبا، ولا شيء للخالة لأنها عاصبة بالغير. هذه الفائدة تتعلق بكل ولد ليس له أب شرعي، كولد الزنا والمنفي بلعان والمدعى من الأم، وما كان بمعناه ممن هو مجهول الأب. فكل هؤلاء يلحقهم هذا الحكم الذي أشار إليه شيخنا، رحمه الله. فيقول: عصبة هذا النوع من الأولاد هم عصبة فروعه، فإن عدموا، فأمه، فإن عدمت، فعصبتها، على الترتيب السابق. فصار فروعه كفروع غيره، وأصوله أصول أمه. لأن أصوله الآن كل إنسان له أصول من جهة أبيه ومن جهة أمه، فلما كان التعصيب من جهة الأصول في الشرع إنما هو من جهة الأب، وليس من جهة الأم، وقع الخلاف في ولد الزنا والمنفي بلعان والمدعى ومن كان بمعنى هؤلاء ممن هو مجهول الأب، في قضية تعصيب الأصول. قالوا: هذا ليس له أصل من الذكور، فسقط هذا بمقتضى القياس. يعني المذهب والرواية التي رويت عن بعض الصحابة، وهكذا كذلك هي رواية عن إمام أحمد، أن هذا سقط، ليس له أب، فسقط تعصيبه من جهة الأصول. تبقى الأم ترث إرث الأم فقط، ولا زائد على ذلك. هذا مقتضى القياس على غيره. لكن الصحيح لصحة هذا الحديث، وقد تقدم معنى أن الحديث مختلف فيه. فقد جاء في بعض الروايات أنه من طريق ابن لهيعة، لكن جاء من طريق العلاء بن الحارث، والعلاء بن الحارث وإن كان قد تكلم فيه بعض أهل العلم، لكن الصحيح أنه صحيح الرواية، وقد وثقه أحمد وجماعة. وقد روى عنه أكثر من رجل، عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، بهذا الحديث، وهو صريح في توريث من بعد الأم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث: أنه جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها. فقوله: «ولورثتها من بعدها» دليل على دخول التعصيب بالأب في جهة الأم، ما دام أنه ليس له أب، فيدخل عصبة الأم عصبة لهذا المولود الذي ليس له أب، أو الذي يجهل أبوه. فما علم له أب، ولا يعني ذلك أن يسقط عصبته من جهة الأصول، فتبقى عصبة الأم هم عصبة هذا المولود أو هذا الولد. وهذا هو القول الصحيح كما ذكر رحمه الله، وأنه قول ابن مسعود، وأحد الروايتين عن أحمد، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. والدليل هذا الحديث، والصحيح أنه حديث صحيح، وقد صححه جماعة من الأئمة والحفاظ، منهم الإمام أحمد، رحمه الله، وهكذا جماعة، ومن المتأخرين العلامة الألباني، رحمه الله، في مواضع من كتبه. وأما حديث واثل بن الأسقع، فقد تقدم معنى أن فيه ضعف، والشاهد منه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ولدها الذي لاعنت عليه تحوز عتيقها ولقيطها ولدها الذي لاعنت عليه». فإذا حازته، قالوا: الأصل أنها ترثه وورثتها من بعدها. والحديث في إسناده عمر بن رؤبة، ويقال: رؤيبة التغلبي، قال فيه الإمام البخاري: فيه نظر، فهو فيه ضعف. ولهذا قال جماعة من الحفاظ: أن هذا الحديث ليس بثابت، كما قال البيهقي وابن المندر وجماعة. ولكن معناه صحيح، وجرى عليه عمل الصحابة، ويؤيده الحديث المتقدم، وحديث سهل بن سعد في الصحيحين، فإنه جرت السنة -يعني في الملاعنة- جرت السنة أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها. فإذا كانت ترث منه، فالصحيح أن ورثتها كذلك يرثون من بعدها. ثم علل الشيخ هذا من جهة الدليل، أي ترجيح القول الأول، ومن جهة التعليل. قال رحمه الله: ولأن الولادة إن قطعت شرعًا من جهة الأب، فانحصرت في الأم، فكانت الأم بمنزلة الأم والأب، حتى لا يحرم هذا الولد حقه الذي هو له، ولا يحرم ورثته من جهة أمه كذلك الحق الذي لهم. فكما أن الأب تبرأ من نسبه، فاستحق أن يحرم من إرثه، وقبل أولياء الأم انتسابه لهم، الآن نسبه إلى من سيكون؟ إلى الأم. فما دام أن النسب لهم، مقتضى القياس أن يكون كذلك الإرث لهم. وبعضهم استأنس بقول الله عز وجل: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، قالوا: الآية في ذكر المولود والنفق عليه وكسوته، فإذا كانت النفقة كانت سببًا في الإرث، النفقة كانت سببًا في الإرث، والإرث سبب في النفقة. حتى وضع العلماء هذه القاعدة: وهي أن كل من كان له نصيب في الإرث، كان كذلك على وارثه النفق عليه إن افتقر، سواء بالفرض أو بالتعصيب. واستدلوا بهذه الآية، وروي هذا عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. ونقل بعضهم إجماع السلف في تفسير هذه الآية: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. فمثلًا إذا كان لك عم -فضلا عن ابن أو جد- إذا كان لك عم، هذا العم فقير وأنت غني، يجب عليك شرعًا أن تنفق على هذا العم الغني الفقير. لأنك غني يجب شرعًا، ليس فقط استحباب بل وجوب يجب، كما أنك ترثه وهو يرثك. فكذلك يجب عليك أن تنفق عليه لو كان لك أختًا فقيرة وأنت غني، يجب عليك أن تنفق عليها ما دمت غنيًا: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. فإذا كان كذلك، فكذلك كما قام أولياء هذا الميت، أولياء هذا المولود بالنفق عليه وكسوته وقبول نسبه، استحقوا كذلك ماذا؟ على الصحيح أن يرثوه، استحقوا أن يرثوه، فهم بمثابة عصبة الأب. لأن النسب صار إليهم، وهذا هو مقتضى القياس الصحيح، ودل عليه الحديث، وعليه فتوى الصحابة، رضي الله تعالى عنهم. قال رحمه الله: فانحصرت في الأم، فكانت الأم بمنزلة الأم والأب. ولأن قاعدة الفرائض ألا يدلي عاصب بصاحب فرض محض، فلا يدلي العاصب إلا بعاصب، فإذا كان عصبة الأم عصبة، فهي عصبة أيضًا، وهي أقرب منهم، فتكون أولى بالتعصيب. وهذا القول هو قول ابن مسعود، إلى آخر ما ذكر رحمه الله تعالى. وهذا واضح أنه قياس صحيح، وتقتضيه العمومات كما سمعنا. ثم مثل بهذا المثال، قال: فلو هلك منفي بلعان عن بنت وأمه وخاله وخالته، فللبنت النصف، لماذا؟ لأنها فرع وارث أنثى لها النصف. وللأم السدس فرضا، والباقي تعصيبا على القول الأول، لأنها تنزل منزلة من؟ الأب، تنزل منزلة الأب، فهي ترث أولًا السدس ما فرض الله لها، وترث بعد ذلك التعصيب لأنها تحملت نسبه، صار فيه أم وأب. فكما تحملت هذه المسؤولية، كان لها كذلك هذا الفضل، وكان لها هذا الفضل، ولم يكن هذا للأب لأن الأب تبرأ منه. وهذا هو على القول الصحيح كما تقدم. قال: والباقي تعصيبا على القول الأول. أما على القول الثاني، فللبنت النصف، وللأم السدس فرضا، والباقي للخال تعصيبا، ولا شيء للخالة لأنها عاصبة بالغير. والصحيح الأول كما تقدم، الصحيح الأول كما تقدم. قال: الفائدة الثامنة، علم مما سبق أن الورثة ينقسمون باعتبار الإرث بالفرض والتعصيب خمسة أقسام. ينقسمون باعتبار الإرث بالفرض والتعصيب خمسة أقسام. قال: الأول من يرث بالفرض فقط، وهم الزوجان وأولاد الأم، وإناث الأصول كالأم والجد وإن علت. فهؤلاء كلهم أصحاب فرض فقط، الزوجان وأولاد الأم، وهم الإخوة لأم، وإناث الأصول أي البنات. قال: وإناث الأصول يعني الأم والجد ونحوهما. نعم، سبق لسان، قال: كالأم والجد وإن علت. قال: الثاني من يرث بالتعصيب بالنفس، وهم الأبناء وأبناؤهم، والإخوة لغير أم وأبناؤهم، والأعمام لغير أم وأبناؤهم، ذكورًا وإناثًا. وهؤلاء يرثون عصبة بالنفس، الأبناء وأبناء الأبناء وإن نزلوا، ابن الابن وابن ابن الابن إلى ما شاء الله من النزول إذا وجد. والإخوة لغير أم، لأن الإخوة لأم كما تقدم يرثون بالفرض فقط. ولكن هنا الأشقاء أو لأب وأبناؤهم، يعني أبناء الأشقاء أو أبناء الإخوة لأب. والأعمام لغير أم كذلك، الأعمام لغير أم يرثون بالعصبة، وأبناء يعني الشقيق ولأب وأبناؤهم كذلك، ابن العم الشقيق وابن العم لأب. قال: وذكورًا وإناثًا، كما تقدم أن الأنثى بالولاء صارت تعصب، تأخذ عصبة بالنفس. قال: الثالث من يرث بالفرض تارة، وبالتعصيب بالنفس تارة، ويجمع بينهما تارة، وهو الأب والجد وإن علت. وقد تقدمت معنا أمثلته. قال: الرابع من يرث بالفرض تارة، وبالتعصيب بالغير تارة، ولا يجمع بينهما، وهن البنات وبنات الابن وإن نزل، ولم يقل: وإن نزلنا، لأن النزول يكون بمحض الذكور، بنت البنت ما ترث. لكن بنت الابن، وبنت ابن الابن، وبنت ابن ابن الابن إلى ما لا نهاية بنزول الذكور. فهؤلاء يرثن بالفرض، وبالتعصيب بالغير مع الابن. قال: الخامس من يرث بالفرض تارة، وبالتعصيب بالغير تارة، وبالتعصيب مع الغير تارة، ولا يجمع بين ذلك، وهن الأخوات الشقيقات. ومعنى لا يجمع في هذا الموضع، وفي الذي قبله، أي أنه لا يمكن أن يأخذ فرض وتعصيب في نفس الوقت، بخلاف الأب والجد، فالأب والجد يرث فرضا وتعصيبا ممكن، مثاله المسألة التي مرت معنا: بنت وأب. فإنه سيرث أولًا بعد النصف نصيبه فرضا، ثم يأخذ الباقي تعصيبا. وأما البنات والأخوات فهن لا يرثن الفرض والتعصيب مع بعض، بل يرثون فقط إما فرض، وإما تعصيب. قال: «ولا يجمع بين ذلك وهن الأخوات الشقيقات والأخوات لأب». وقوله: بالتعصيب بالغير تارة، بالتعصيب مع الغير، كما تقدم معنا، المراد بالتعصيب بالغير يعني أخوها. فالأخت الشقيقة مع الأخ الشقيق، والأخت لأب مع الأخ لأب. وبالتعصيب مع الغير يعني مع البنات كما تقدم، مثاله: «والأخوات إن يكن بنات فهن معهن معصبات». وهذا على قول جمهور الصحابة ومن بعدهم، وهو الصحيح. وخالف بذلك بعض أهل العلم، وروي عن ابن عباس، وهو قول مرجوح. قال: هذه الأقسام التي قامت عليها الدليل، وبقي قسم سادس لا دليل عليه، وهو من يرث بالفرض أولًا ثم يقسم عليه بالتعصيب، وهو الجد والأخت بالأكدرية. وقد سبق الكلام عليها، وبيان ضعفها ومخالفتها للدليل وقواعد الفرائض. وتقدم على وجه الإجمال أنه على القول الصحيح الجد يكون بمنزلة الأب، فهو يحجب الإخوة، فهو يحجب الإخوة، وهذا هو الصحيح. فإذن لا وجود لهذا القسم السادس، لا وجود لهذا القسم السادس. طيب نكتفي بهذا وإلى هنا، والله تعالى أعلم.