الدرس في كتاب الصيام 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
القُبلة والمباشرة في الصوم جائزة إذا لم يكن فيها إنزال أو جماع، مستدلًا بحديث عائشة رضي الله عنها. يُبين الشيخ أبي عبد الرحمن العدلي حكم هذه المسألة من كتاب 'اللؤلؤي والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان'.
صيام من طلع عليه الفجر وهو جنب صحيح إذا لم يجامع أهله في وقت الصيام، وتغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان يستوجب الكفارة الكبرى. يُبين المقطع أحكام هذه المسائل ووجوب الكفارة على من يجامع في نهار رمضان.
يجوز للمسافر الفطر إذا كان سفره مباحًا وبلغ مرحلتين فأكثر، ويستدل بحديث ابن عباس عن خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة في رمضان. كما يناقش متى يجوز للصائم أن يفطر في السفر.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب الصيام من "اللؤلؤي والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان" للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، رحمه الله تعالى، شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الباهي بن عمر بن مرعي العدلي، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الرابع. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: "باب بياني أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته". عن عائشة رضي الله عنها قالت: "إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقبل بعض أزواجه وهو صائم، ثم ضحكت". قال: "وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه". قوله رحمه الله تعالى: "باب بيان" إلى آخره، أي هذا مدخل. وقد تقدم معنا أن الباب لغة ما يدخل منه ويخرج، والمراد الدخول والخروج المعنوي هنا، أي هذا مدخل في معرفة حكم القبلة في الصوم، وأنها ليست محرمة ما لم تحرك الشهوة. والمراد بالشهوة الإنزال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: "يدعو طعامه وشرابه وشهوته من أجلي". وليست الشهوة اللذة، ولا كذلك ما يجده المباشر؛ لأن عائشة رضي الله عنها -كما سيأتي معنا ذكرها- قالت: "إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل ويباشر"، ولا شك أن المقبل والمباشر يجد من الأحاسيس ما هو من طبيعة البشر، ولكن -كما قالت في الحديث- وهذا يفسر ما قبله: "وكان أملككم لإربه"، أي لشهوته، أي لا ينزل ولا يجامع. فإذا تحقق هذا الشرط، وهو عدم الإنزال وعدم الجماع، فإنه لا بأس ولا حرج في القبلة والمباشرة. ثم أورد -مدللًا على هذا الحكم وهذا التبويب- حديثين عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها. أولهما قولها رضي الله عنها: "إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليقبل بعض أزواجه -ولم تسمِ حياءً وأدبًا- وهو صائم، ثم ضحكت". وفي رواية: "سئلت إن كانت هي -أي هذه الزوجة- فتبسمت أو ضحكت إقرارًا أنها هي" رضي الله عنها وأرضاها. والحديث الثاني فيه معنى الأول، وزيادة المباشرة، ومعناه أنه يفعل كل شيء إلا أنه لا ينزل ولا يجامع. وهذا هو قولها: "وكان أملككم لإربه". وبهذا استدل أهل العلم -مع قوله في حديث أبي هريرة: "يدعو طعامه وشرابه وشهوته من أجلي"- على أن من المفطرات الإنزال والجماع، فمن أنزل فقد أفطر. المفطرات التي ذكر أهل العلم -المتفق عليها- الأكل والشرب وما كان بمعنى الأكل والشرب عمدًا، وكل ما دخل من طريق الفم أو كذلك الأنف، وفيه معنى الغذاء أكلًا أو شربًا، فإنه مفطر من المفطرات، ويفطر صاحبه به؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: "يدعو طعامه وشرابه". وهكذا كذلك الثالث، وهو من أعظم المفطرات حفظ الشهوة، وهو الإنزال والجماع، فيه كفارة مغلظة كما سيأتي معنا. فلا يكون فيه فقط الفطرح ووجوب القضاء، بل فيه كفارة زيادة على ذلك -بخلاف الإنزال-؛ فإن الإنزال فيه القضاء، وإن تعمد ذلك أثم، لكن ليس فيه كفارة -بخلاف الجماع-؛ ففيه كفارة كما سيأتي معنا كذلك. وذكر العلماء أشياء أخرى من المفطرات، مثل حصول الردة؛ فإنه مفطر من المفطرات؛ لأنه فعل ما ينافي شروط صحة الصوم. وقد ذكروا للصوم شروطًا -أي لصحته-، أولها الإسلام؛ فلا يصح الصوم من كافر. فإذا دخل الكفر والردة على الصائم أبطل عليه صيامه. ومن شروط الصحة التمييز والعقل؛ فلا يصح الصيام من الصبي، ويؤجر على ذلك إذا كان مميزًا. وأما إذا كان غير مميز فمنعه من الطعام والشراب ليس فيه أجر -لا له ولا لأهله-. أما إذا كان مميزًا فإنه يؤجر، ولأهله أجر على ذلك. وكذلك العقل من شروط الصحة؛ فلا يصح من مجنون، ولا معتوه، ولا من كان بمعناهما، ومنهم الشيخ الهرم الذي يزول عقله. ولهذا كان -على القول الصحيح- أن الهرم إذا فقد عقله في أثناء النهار فإنه ماذا؟ مفطر؛ لأن وجود العقل شرط لصحة الصوم. وهكذا كذلك النية؛ لابد من تبييت النية لعموم أحاديث النية: "إنما الأعمال بالنيات". وعلى قول من حسن حديث: "من لم يبيت النية بالصيام". وكذلك من شروط الصحة انقطاع الحيض، وهكذا النفاس. وعليه: إذا وقع الحيض أو النفاس أثناء النهار فإن الصائمة تفطر، ولا يجوز لها أن تمسك؛ لأن الصوم لا يقبل منها. فهذه هي شروط صحة الصيام. أما المفطرات فقد تقدم معنا: الأكل والشرب وما كان بمعناه، هذان اثنان. والثالث الإنزال أو الجماع. والرابع بلع ما ليس بطعام -من مجر الطعام- على وجه العمد، وهذا فيه خلاف. والصحيح أنه إذا كان على وجه العمد الذي فيه حاجة فليس بمفطر -مثل إدخال النواظير وما كان بمعناها- إذا لم يكن معها شيء من الأدوية والدهون ونحوها. والأفضل أن يفعل ذلك خروجًا من الخلاف في غير وقت الصيام. ومما اختلف فيه الحجامة والقيء. والصحيح -والمسألة فيها خلاف- أن الحجامة تضعف الصائم ولا تفطره. وأفطر الحاجم والمحجوم على الصحيح، معناه أن هذا من مضاعف إفطاره -كما أن الحاجم لا يفطر؛ لأنه إنما يفطر إذا دخل إلى جوفه شيء من الحجامة-، فكذلك المحجوم -على الصحيح- لا يفطر إلا إذا وقع ما يقتضي إفطاره من إضعافه وعدم تحمله للصيام. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم -من حديث ابن عباس- أنه احتجم وهو صائم، وهو محرم عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك القيء، فيه خلاف. والراجح أنه لا يفطر إلا إذا دخل إلى جوفه شيء من الراجع عمدًا -أي من القيء-، وجاء عن ابن مسعود وغيره: "إنما الفطر مما خرج، لا مما دخل". فدخول شيء من القيء يفطر. وأما إذا لم يكن فإنه لا يفطر، وهذا على الصحيح -سواء أكان درءه القيء أو هو تقيء-. والأحوط ألا يفعل ذلك خروجا من الخلاف، وألا يقع في سبب يقتضي فطره. وفي هذا الباب وهذين الحديثين كذلك فوائد. من هذه الفوائد حسن عشرته عليه الصلاة والسلام مع أهله -حتى في وقت الصيام-، حتى في وقت الصيام، فلا ينافي الصيام -وهي عبادة لله عز وجل- أن يكون بين الرجل وأهله حسن عشرة. وهذا من محاسن هذا الدين ومواضع جماله وكماله -بخلاف أهل الكتاب الذين حرموا مثل هذا العدل وهذا الرفق؛ فإنهم يظنون أن العبادة والتعبد تنافي الدنيا تمامًا-، ولذلك جعلوا من الأحكام ما ليس من دين الله عز وجل. وهذا من مواضع التغيير والتبديل لدين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؛ جعلوا أن التعبد لله يلزمه العزوف عن الدنيا. ولهذا يصير عندهم القسيس لا يتزوج، والقسيسة لا تتزوج؛ لظنهم أن الزواج ينافي التعبد لله. وهذا خطأ، ولم يكن هذا دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل كان الأنبياء لهم أزواج وذرية -كما أخبر الله عز وجل بذلك-. قال رحمه الله تعالى: "باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب". أي هذا مدخل في معرفة صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، ما دام أن فعل الجنابة لم يحصل في وقت الصيام، فما دام ما حصل في وقت الإفطار فلا حرج في ذلك -كونه دخل عليه الفجر وهو جنب-. والمسألة فيها خلاف، لكن هذا هو الراجح. والدليل هذه الأدلة التي سيأتي معنا ذكرها -إن شاء الله-. قال: "عن عائشة وأم سلمة، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أن أباه عبد الرحمن أخبر مروان أن عائشة وأم سلمة أخبرتاه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم". فقال مروان لعبد الرحمن بن الحارث: "أقسم بالله لتقرعنا بها أباه". ومروان يومئذ على المدينة. "لتقرعنا" يعني تظهر له هذه الحجة. فقال أبو بكر: "فكره ذلك عبد الرحمن". ثم قدر لنا أن نجتمع بذي الحليفة -اسم مكان معروف، وهو أحد المواقيت المكانية للحج أو العمرة، أي للإحرام، وهو يبعد عن مكة بضعة كيلومترات-. قال: "وكانت لأبي هريرة هناك أرض -يعني بذي الحليفة-". فقال عبد الرحمن لأبي هريرة: "إني ذاكر لك أمرًا، ولولا مروان أقسم علي فيه لم أذكره لك" -يعني كره أن يذكر شيئًا من العلم لمن هو أكبر منه وأعلم، وفيه حسن الأدب مع الأكبر سنًا وعلما-. قال: "فذكر قول عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما". فقال: "كذلك حدثني الفضل بن عباس، وهو أعلم". أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث وهذه القصة ليشير رحمه الله تعالى أولًا إلى ما في هذه المسألة من خلاف؛ فقد كان أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه يرى أن من أصبح جنبًا من جماع لا يصح صومه -لحديث الفضل بن عباس، والحديث الصحيح في مسلم-، وهكذا جاء معناه -كما أشار في التعليق- من حديث أسامة. وقد وجه حديث الفضل بن عباس بعدة توجيهات، من أحسنها وأهمها أنه كان في أول الأمر ونسخ، وهذا ضعيف. والثاني: أنه إذا كان مع طلوع الفجر، وليس قبل طلوع الفجر. وهذا هو الصحيح. فلذلك يجب على المسلم أن لا يوقع نفسه في هذا الموضع، يعني أن يكون إتيانه لأهله في وقت تحين الأذان؛ لأن هذا يقتضي منه أن يقع في وقت الإمساك. فإن وقع خطأ، فهل يكون عفوًا؟ أخذًا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". في هذا خلاف. والصحيح الذي عليه أهل العلم التفصيل في ترك المأمور واقتراف المحظور. فمن ترك مأمورًا لا يسقط عنه تركه للمأمور بسبب الخطأ -بخلاف فعل المحظور-، ويدل على هذا أحاديث ونظائر كثيرة. والشرع لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق. فمن أكل أو شرب ناسيًا أو مخطئًا -الأكل والشرب اقتراف محظور أو ترك مأمور- ها؟ اقتراف محظور. فهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما طعمه الله وسقاه". بخلاف من ترك مأمورًا -كحديث ابن هرير في الصحيحين في قصة المسيء في صلاته-؛ فإنه بسبب جهله أخطأ في صلاته. وهكذا حديث معاذ بن الحكم السلمي: "تكلم". فعلى محظور. ففي حديث معاذ بن الحكم لم يأمره بإعادة الصلاة لما تكلم في الصلاة. وفي حديث المسيء أمره ماذا؟ بإعادة الصلاة. ولهذا كان الصحيح من أقوال أهل العلم التفريق بين فعل المحظور وترك المأمور -فيما يتعلق بهذه الخصال-. وإتيان الرجل لأهله خطأً من اقتراف المحظور. وبهذا يكون الصحيح أنه كذلك عفو -بشرط أن لا يكون مفرطًا في ذلك-. مثلا الإنسان نظر إلى الوقت، ظن أن بقي للأذان نصف ساعة، فأتى أهله، فإذا بالأذان يؤذن. فعليه أن ينزع مباشرة من حين أن يسمع الأذان الصحيح الذي أذن فيه المؤذن. وإذا فعل ذلك، فالصحيح أنه ليس عليه في صيامه شيء. وإذا وقع كذلك: أنه ظن -وهو نائم- أن الأذان لم يؤذن، نظر إلى الوقت ظن أن الساعة الرابعة هي الخامسة، فأكل أو شرب أو حتى أتى أهله، ثم تبين له أنه أخطأ في الوقت. هل يكون مفطرًا؟ الصحيح: الصحيح لا يكون مفطرًا. وهذا هو الضابط بهذا الباب. وإذا كان كذلك، فمن باب أولى إذا كان الجماع قبل وقت الأذان الصحيح، فإنه إذا أصبح جنبًا فلا حرج عليه -لحديث أم سلمة وحديث عائشة رضي الله عنهما وأرضاهما-. وفي هذا كذلك ما تقدم من أن من المفطرات الجماع، ولكن ليس من المفطرات أن يصبح الرجل جنبًا -على الصحيح-. قال رحمه الله تعالى: "باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم، ووجوب الكفارة الكبرى فيه، وأنها تجب على الموسر والمعسر، وتثبت في ذمة المعسر حتى يستطيع". كما تقدم معنا. قوله: "باب" أي هذا مدخل في تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم. وهذا فهم من الحديث الذي سيأتي. والتغليظ بوجود الكفارة -بوجود الكفارة فوق ما يجب عليه من القضاء- على الصحيح. وقوله: "ووجوب الكفارة الكبرى" وهو ما سيأتي ذكرها في حديث أبي هريرة. "وأنها تجب على الموسر والمعسر"؛ لأن الرجل صاحب القصة كان معسرًا، ومع ذلك لم يسقط عنه النبي صلى الله عليه وسلم الكفارة. فإذا كان موسرًا -أي غنيًا- فمن باب أولى أنها لا تسقط عنه. وقوله: "وتثبت في ذمة المعسر حتى يستطيع"؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أبقاها في ذمته حتى جاء ذاك التمر -وهو العرق من التمر أو الزنبيل من التمر-، فأمره أن يتصدق به عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلك الآخر. قال: ما له؟ قال: وقع على امرأته في رمضان. قال: أتجد ما تحرر رقبة؟ قال: لا. قال: فتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فتجد ما تطعم به ستين مسكينًا؟ قال: لا. قال: فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر -وهو الزبيل، ويقال الزنبيل لغة-". قال: "أطعم هذا عنك". وفي هذا دليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسقط عنه هذا المعسر، بل أبقاه في ذمته حتى جاء هذا التمر الذي هو صدقة، فأمره أن يطعم. قال: "على أحوج منا". "ما بين لا بيتيها أهل بيت أحوج منا". وفي رواية حلف: "والله يا رسول الله ما بين لا بيتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي" -يعني هو يحلف يمينًا أنه أفقر أهل المدينة-، فما دام أنه أفقر أهل المدينة، فإذن هو أولى من يستحق بهذه الصدقة. قال: "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأعطمه أهلك". وهذا الحديث فيه ما أشار إليه رحمه الله تعالى أولًا: الكفارة المغلظة أو الكفارة الكبرى، وهي -على الصحيح- على هذا الترتيب: أن يعتق رقبة. فإذا لم يجد يصوم شهرين متتابعين. فإذا لم يستطع يطعم ستين مسكينًا. قالوا: "عن عائشة رضي الله عنها قالت: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد فقال: احترقت. قال: مما ذاك؟ قال: وقعت بامرأتي في رمضان. قال له: تصدق. قال: ما عندي شيء. فجلس. وأتاه إنسان يسوق حمارًا ومعه طعام. قال عبد الرحمن -أحد رواة الحديث-: ما أدري ما هو إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: أين المحترق؟ فقال: ها أنا ذا. قال: خذ هذا فتصدق به. قال: على أحوج مني. ما لأهلي طعام. قال: فكلوه". وهذه الرواية في حديث عائشة رضي الله عنها وارضاها اختلف أهل العلم: هل هي قصة أخرى أم هي نفس القصة؟ وليس هناك شيء صحيح صريح يرجح أنها نفس القصة. ولكن ما ذكر فيها من ذكر الصدقة وعدم ذكر عتق الرقبة والصيام وجه بعدة توجيهات. أولها: أن ذلك كان على وجه الاختصار، أي ذكرت عائشة منتهى إليه حال الرجل -يعني أنه عليه الصلاة والسلام قال له ما قال للأول-، فانتهى الأمر أنه لا يستطيع الرقبة -ليس عنده-، ولا يستطيع الصيام، ولا يجد كذلك الإطعام. فلذلك قال في الأخير: "خذ هذا فتصدق به" لما جاءه الطعام. وهذا وجه. ووجه آخر وجهه بعض شراح الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى من حاله -أي من فقره ومن كبر سنه وضعفه- ما يدل أنه لا يستطيع عتق الرقبة، ولا يستطيع الصيام. فأعطاه الصدقة؛ لأن هذا آخر ما يصل إليه الحكم. وهو كذلك فقير -ليس عنده ذلك-. وفي هذا -على هذا التوجيه- جواز عدم عرض خيارات الكفارة لمن علم من حاله أنه لا يستطيعها -يعني ما يلزم أن تعرض على الإنسان خيارات الكفارة إذا علمت أنه لا يستطيعها-. وفي هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح أنه يجوز -إذا كان ذلك على وجه اليقين-، إذا كان ذلك على وجه اليقين. ولم يذكرها هنا الطعام. وقيل: أنه على القول الأول -بأنه نفس القصة الأولى- فيكون التمر. وعلى القول أنها قصة أخرى فيكون طعامًا مبهما. ومعناه: يجوز إطعام ستين مسكينًا أي نوع من أنواع الطعام -سواء كان التمر أو غير التمر-. وهذا هو الصحيح: أنه يجوز أن يطعم المساكين أي نوع من أنواع الطعام. وفيه دليل لما سبق كذلك: أن صاحب الكفارة يجوز أن يُعطى من الكفارة -أسوة بغيره من الفقراء والمساكين- ما دام أن وصف الفقر والمسكنة يلحقه، فكذلك الحكم يصح له. وفيه وفيه من المسائل كذلك: فضل الصدقة، وما كان عليه الصحابة -على فقرهم وفاقتهم- من الحرص عليها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه كذلك: الاتيان بها إلى ولي الأمر أو من يقوم مقامه ليوزعها على من يراه يصلح لها من المسلمين. وفيه كذلك: الجلوس لتعليم الناس والفتوى. وفيه كذلك من المسائل: الاجتماع للعلم في المساجد؛ لأنه جاء في بعض الروايات: "أنه جاء إلى المسجد". وفيه من المسائل: فضل العلم والاحتفاء بمجالسه وأهله. فهذه الأحاديث قليل من كثير من فضل العلم الذي أخذه الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فنقل إلينا. وفيه من المسائل كذلك: فضل تفقد الفقراء والمساكين والمحتاجين. وفيه من المسائل: جواز تسمية الشخص بما يكره -إذا كان على وجه لا يكره-، إذا قيل الإنسان "المحترق" ربما كان ذمًا، ولكن إذا كان قد عرَّف الشخص نفسه به -مثل يأتي إنسان فذا يقول من معي؟ يقول: أنا فلان، لعلك لا تذكرني، لكنني فلان الأصلع، فلان الأعمى، فلان الأعرج-، فصار لأجل ماذا؟ التعريف. فصار لأجل التعريف. ولما صار هذا الرجل واحدًا من كثير ممن يسألون، لو قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "أين صاحب المسألة والسؤال؟" سيقول من كثير الذين جاءوا فسألوك -يا رسول الله-. لكن سمع الحضور في السؤال: "احترقت يا رسول الله". فعرَّف النبي صلى الله عليه وسلم بما يعرِّف الرجل -كأنه قال: أين الأعمى السائل؟ فهل قوله "الأعمى" يعتبر ذمًا؟ لا تعريفًا؟ وهذا مما استثناه العلماء. هذا وجه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أين المحترق؟" أي الذي قال عن نفسه: "احترقت". لأنه لو قال: "أين السائل؟" أهل الأسئلة كثير. فكيف سيعرفه الصحابة؟ لكن كأنه قال: "أين الذي قال في سؤاله احترقت؟" هذه جملة طويلة تختصر. وهذا من بلاغة اللغة العربية: "أين المحترق؟" معنى: "أين الذي قال في سؤاله احترقت؟" فأتوا به. فيكون هذا من باب التعريف. هذا من باب التعريف. قال رحمه الله تعالى: "باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية، إذا كان سفره مرحلتين فأكثر". قوله: "باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر" إلى آخره، أي هذا مدخل في معرفة جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية. وفي هذه الجملة خلاف: هل من سافر السفر معصية يجوز له أن يترخص برخصة الصوم فيفطر أم لا؟ في هذا خلاف. والصحيح أنه يجوز له، وهو آثم على معصيته وعلى سفره لأجل المعصية، وفطره جائز. وقوله: "إذا كان سفره مرحلتين فأكثر" سبب ذلك ما سيأتي معنا الإشارة إلى أن الفطر يكون بعد الشروع في السفر وتحقق وجود السفر. والغالب أن السفر يتحقق بهذا المعنى -كما دلت عليه الأحاديث-، وسيأتي معنا أمر هذه الأحاديث. قال: "عن ابن عباس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، فأفطر الناس". والكديد -كما أشار- موضع بين مكة والمدينة على قدر سبع مراحل. وبينه وبين مكة نحو مرحلتين. اختلف أهل العلم: كم مراحل بين مكة والمدينة؟ والمدينة منهم من قال: تسع. ومنهم من قال: عشر. والمراحل هي المسافة التي ينزل فيها المسافر فيرتاح ويريح الإبل في ذاك الزمان؛ لأن الإبل لا تتحمل المشي المتواصل. فكانوا يريحونها على مراحل معروفة عند المسافرين. والغالب أن هذه المراحل فيها المكان المهيئ للراحة -كأن تكون هناك بئر ماء وموضع فيه مزرعة أو نحو ذلك- فينزلون فيها. ولذلك تجد هذه المراحل غالبًا في مناطق مثل هنا: المرحلة السابعة نزل النبي صلى الله عليه وسلم في الكديد، وتسمى "قديد" -وهي قبل أن تصل مكة- كما قال: "بمرحلتين". وقال بعضهم: "ثلاث". وكم مقدار هذه المرحلة بالمسافة في زماننا المعاصر؟ قدرها بعض أهل العلم قدر أربعين كيلو متر تقريبًا. أو تزيد قليلًا بين الأربعين إلى الخمسين. بين الأربعين إلى الخمسين هذه قدر المرحلة. وهذه المسافة الذي يستطيع البعير غالبًا أن يتحمل المشي فيها. وبعد هذا احتاج ارتاح، وإلا فإن صاحبه سيهلك هذا البعير -كما جاء في الحديث الضعيف معناه صحيح في النهي أن لا يكون الإنسان منبثًا -لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى- يعني لا تستمر في السفر فتهلك راحلتك. فاستدل العلماء -بعض أهل العلم- بهذا الحديث أن الفطر يكون بعد قطع مسافة مرحلتين أو أكثر. استأنسوا بهذا الحديث. والصحيح أن هذا الحديث خبر، وهذا الخبر لا يفيد الإنشاء -كونه أفطر في سبع مراحل لا يعني أنه لا يجوز أن يفطر في أقل من سبع مراحل-. فإن قال قائل: متى يجوز للصائم أن يفطر؟ اختلف أهل العلم في ذلك. من أهل العلم من قال: إذا شرع في السفر. ويدل عليه ما جاء في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين. ومعناه أنه دخل في حكم المسافر بعد أن فارق بنيان المدينة؛ لأن ذا الحليفة -على الصحيح- ليست من المدينة، فهي خارج حدود المدينة. ولهذا كان قول الصحيح من أقوال أهل العلم: أن من دخل في معنى السفر فقد ترخص برخصة السفر. فإذا كانت المدينة متواصلة فيقال: من حين أن يخرج من حدود منطقته. مثلا الآن الذي سيخرج من الشحر إلى مكة أول ما يخرج من نقطة الشحر يكون فارق بنيان الشحر. وإذا كان سيذهب إلى المهرة أول ما يخرج من نقطة الشحر -من بعد الشحر- فيكون قد فارق بنيان الشحر. فيكون بهذا يجوز أن يترخص برخصة السفر -من القصر ومن الفطر-. ولا فرق بين القصر والفطر -على الصحيح من أقوال أهل العلم-. ومن أهل العلم انفرد بين القصر والفطر، فقال: القصر يجوز قبل، والفطر لا يجوز قبل. والصحيح: لا فرق. لا فرق بين القصر والفطر. ما هو الدليل؟ ها؟ ما هو الدليل؟ هم؟ من يعطينا الدليل؟ نعم. هذا من حيث المعنى. ولقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ وجود وصف السفر تتحقق به حكم الرخصة. ووصف السفر إذا تحقق قبل مرحلتين فإنه يجوز الفطر قبل ذلك. فإن قال قال: كيف نتأكد أنه تحقق؟ نقول: هذا الحديث: "قصر النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة". قال رحمه الله تعالى: "عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأى زحامًا ورجلًا قد ضلل عليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم. فقال: ليس من البر الصوم في السفر". وهذا الحديث أفاد أولًا ما تقدم من الرخصة في الفطر في السفر. بل وفيه تفضيل الفطر على الصوم. ولكن في هذا خلاف: هل يستوي حكم الصوم والفطر في السفر؟ أم يقدم الفطر على الصوم؟ أم يقدم الصوم على الفطر؟ ثلاثة أقوال مشهورة عند أهل العلم. والصحيح من أقوال أهل العلم أن الجواب بحسب حال الصائم. فإن كان يستطيع القضاء ولا يشق عليه، فالصوم في حقه أفضل؛ ليبرئ ذمته ويتعبد الله عز وجل في شهر الصيام. وتعبد الله عز وجل في شهر الصيام أفضل من غيره. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله -كما صحت عنه أحاديث كثيرة-. والثاني: أن لا يكون في ذلك رفقًا بالصائم، فهنا يكون البر به هو الفطر. وهذا هو قول النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى هذا الرجل وقد تعب في سفره بسبب الصيام: "ليس من البر الصوم في السفر". فيكون هذا الحديث في حكم من كان هذا حاله، ومثله. ومن استوى عنده الأمران استوى في حقه الحكم -على الصحيح-. قال رحمه الله تعالى: "وفي حديث جابر من المسائل: الرفق بالنفس؛ فإن المسلم ينبغي أن يرفق بنفسه". وفيه موضع من مواضع محاسن الدين ومواضع جماله وكماله؛ إذ أنه أمر بالواجبات، وجعل لهذه الواجبات رخصًا. بل ألزم بهذه الرخص في مواضع المضرة. ولهذا كان -على القول الصحيح من أقوال أهل العلم- يحرم الصيام على من يتحقق الضرر عليه، ويكره على من كان مضنة الضرر عليه. قال: "وعن أنس بن مالك قال: كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم". وهذا يرجح ما تقدم: أنه عند استواء الأمرين فيستوي الحكم. فلم يعب المفطر على الصائم، ولا الصائم على المفطر. طيب نقف إلى هنا، ونترك الباقي -إن شاء الله- في درس اللاحق. والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. شكرًا.