حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 25

حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 25

الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 25، تابع : رسالته صلى الله عليه وسلم. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الهجرة ووجوبها من بلاد الكفر

يناقش أهمية الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام استنادًا إلى أقوال العلماء والتابعين، ويُفصّل في وجوب الهجرة وعدم انقطاعها حتى تقبل التوبة.

أحكام وعلاقة الهجرة ببلاد الكفر والإسلام

الهجرة باقية ما دام هناك قتال بين المسلمين والكفار، ولا تنقطع الهجرة طالما تقبل التوبة، وقد أمر النبي ببقية شرائع الإسلام بعد استقراره في المدينة.

حكمة التدرج في التشريع الإسلامي وتفسير إتمام الدين

يشرح حكمة الله في نزول القرآن مفرقا لتثبيت قلوب المؤمنين، ويتطرق إلى فرضية بعض العبادات، ويبرز أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودين الله باق ومحفوظ.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله تعالى في حاشيته على ثلاثة الأصول: قال قول المؤلف رحمه الله: قال البغوي رحمه الله تعالى: قال هو الملقب بمحج السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء، صاحب التفسير وشرح السنة وغيرهما، المتوفى سنة خمسمائة وست عشرة. سنة مكرر، سنة عندكم، سنة مرتين؟ واحدة، الثانية زائدة. طيب، هذا مر معنا، قرأناه. قال: قوله: سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين بمكة لم يهاجروا، ناداهم الله باسم الإيمان. قال: حكاه عن جماعة من التابعين. يعني: من الذي حكاه البغوي؟ حكاه عن جماعة من التابعين. والمقصود أن الله عز وجل جعل الهجرة مما يتحقق به العبادة، وأن من لم يهاجر من بلاد الكفر، فعبوديته لربه وخالقه ومولاه ناقصة. قال رحمه الله تعالى: فأفاد أن تارك الهجرة بعدما وجبت عليه ليس بكافر، لكنه عاص بتركها، فهو مؤمن ناقص الإيمان، عاص من عصاة الموحدين المؤمنين، وناقص في عبوديته لربه. ﴿إِنَّهُ قَالَ سُبْحَانَهُ وَإِيَّاكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. قال: قوله: والدليل على الهجرة من السنة، أي: على وجوب الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، من سنة محمد صلى الله عليه وسلم التي أمرنا باتباعها. والمؤلف رحمه الله في عدد من مؤلفاته أذكر أكثر من ذكر مسألة الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ومن بلاد الشرك إلى بلاد التوحيد، وهو رحمه الله يريد ما اشتهر في بعض القرى في زمانه مما فيه آثار الشرك، فصارت تلك القرى بمثابة بلاد الكفر وبلاد الشرك، فيجب الهجرة منها إلى بلاد الإيمان والتوحيد والسنة، وإلى موضع العلم. فإذا كان هذا فيما هو أصله بلاد إسلام، فكيف بما هو أصله بلاد كفر؟ فهذا أشد وأشد. وكما قال العلماء: ليس بعد الكفر ذم، فبلد فيها كفر، فتوقع كل أنواع المعاصي والمخالفات والسيئات. قال رحمه الله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة»، قال: أي لا تنقطع الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام حتى تنقطع التوبة، أي: حتى لا تقبل التوبة من من تاب، وهذا إما بموت الإنسان، ومعناه: يجب أن يهاجر إلى أن يموت، أو بقيام الساعة. قال: فدل الحديث على أن التوبة ما دامت مقبولة، فالهجرة واجبة بحالها، أي: لا تنقطع. وأما حديث ابن عباس: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية»، وهذا الحديث الذي أشار إليه حديث ابن عباس الصحيحين، والحديث الذي قبله كذلك هو حديث صحيح، وفيهما الأمر بالهجرة والتعجيل بها قبل أن يدركك الموت وأنت على هذه المعصية والكبيرة من الكبائر. قال: فالمراد لا هجرة بعد فتح مكة منها إلى المدينة، حيث كانت مكة بعد فتحها بلد إسلام. فإن أناساً أرادوا أن يهاجروا منها إلى المدينة ظنًا منهم أنهم مرغب فيها، فبين لهم صلى الله عليه وسلم أنه إنما حث عليها لما كانت مكة بلد كفر، أما وقد كانت بلد إسلام فلا. ولأن مكة على الصحيح أفضل من المدينة، ففي المدينة فضائل، وفي مكة فضائل، وقد اختلف أهل العلم أي البلدين أفضل، والصحيح أن مكة أفضل من المدينة، فلكونها أفضل، ولكونها بلد إسلام، فلا هجرة من مكة إلى المدينة. لكن لو أراد إنسان أن يهاجر إلى المدينة لسكنى المدينة، ولفضلها، ولكونها بلد إيمان يأرز الإيمان إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من استطاع أن يموت في المدينة فليفعل، فإني شفيع له يوم القيامة»، وغير ذلك من الأحاديث، لا قيل أنه جائز، وخصوصاً إذا كان البلد الذي هو فيه، ولو كان بلاد إسلام، يقل العلم ويقل الدين، فيتأكد؛ لأن الهجرة أقسام ودرجات. قال رحمه الله تعالى: قال: ضنًا منهم أنه مرغب فيها، فبين لهم صلى الله عليه وسلم أنه إنما حث عليها لما كانت مكة بلد كفر، أما وقد كانت بلد إسلام فلا. فالمعنى: لا هجرة من مكة إلى المدينة. وأما ثبوت الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام وبقاؤها، فمعلوم بالنص والإجماع، يعني: بالأحاديث الكثيرة التي سبقت، وسيأتي إن شاء الله بعضها. قال رحمه الله تعالى: قوله: ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها. قال: فإذا طلعت الشمس من مغربها، فهو أوان قيام الساعة، وهي أقرب علاماتها، وإذا طلعت لم تقبل التوبة. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾. وجاء في ذلك أحاديث كثيرة، وهذا يفسر بقيام الساعة. فدل على أنها تقبل قبل طلوع الشمس من مغربها، وما دامت تقبل التوبة، فلا تنقطع الهجرة للحديث. وفي الحديث: «أنا بريء من مسلم بات بين ظهراني المشركين». وقد تقدم معنا حديث جرير بن عبد الله البجلي، رواه داود وغيره، وهو صحيح. قال: «وقال: لا ترى نارهما»، يعني: المسلم والمشرك، لا تترى نارهما، يعني: لا يصلح أن يكون سكن المسلم قريب من سكن الكافر والمشرك، فالنار كناية عن السكن. قال: «وقال: الهجرة باقية ما قوتل العدو»، وهو حديث عبد الله سعدي، رواه النسائي وغيره، وصحيح. وفي هذا دليل على استمرار الهجرة من بلاد الكفار أعداء الإسلام بجميع أنواعهم إلى بلاد الإيمان والإسلام، حيث تكون كلمة الله العليا. قال: «وقال: لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر من شاهق إلى شاهق»، ومعناه: إلا من حرص على دينه، ولو تكلف أن ينتقل في رؤوس الجبال من جبل إلى جبل. والحديث طويل، رواه الديلمي والحارث بن أبي أسامة وأبو نعيم في الحلية من حديث ابن مسعود، لكنه ضعيف؛ لأنه من رواية الحسن عن ابن مسعود ولم يسمع منه، وفيه عبد الرحمن بن واقد ضعيف. قال الخطيب: أحاديثه مناكير. وقد ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الضعيفة المجلد السابع. لكن عموم أحاديث الهجرة تغني عنه. قال رحمه الله: قوله: فلما استقر بالمدينة أمر ببقية شرائع الإسلام. قال: أي لما هاجر من مكة إلى المدينة واستقر بها، وشَرَع التوحيد، ودان به أولئك، وأقام الصلاة، أمر ببقية شرائع الإسلام التي تعبد الله خلقه بها، إذ عامة شرائع الإسلام لم تشرع إلا في المدينة. وفي هذا حكمة الله سبحانه وتعالى في تدرج التشريع أن يأتي شيئا فشيئا، بما يكون به ثبوت الإيمان في قلوب أهل الإسلام، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. من حكمة نزول القرآن والتشريع مفرقا أن يثبت الله قلوب أهل الإيمان، ويكون كذلك أدعى لقبوله والعمل به. قال رحمه الله: قوله: مثل الزكاة والصوم والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. وهذه صفة بالكتب المتقدمة. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام، وفرض على كل أحد بحسبه. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. وقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. وأعلاه باليد، فمن لم يقدر فبلسانه، فمن لم يقدر فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. والأمر بالمعروف من أعظم شرائع الإسلام، وأعظمه الجهاد الذي هو ذروة الإسلام. وأمر به هو والزكاة والصوم سنة ثنتين من الهجرة. وأما الحج، فسنة تسع عند الجمهور. وذهب بعض أهل العلم أن الزكاة فرضت أول ما فرضت بدون تقديرات في السنة الثانية، كما ذكر، ثم فرضت بهذه التفاصيل المعروفة في السنة الثامنة، فرضت في السنة الثامنة. كما أن الصيام فرض أول ما فرض بصيام أيام معلومات، ثم بصيام شهر رمضان بعد ذلك، قيل في الثامنة، وقيل قبل ذلك. كما قال هنا الثانية. وأما الحج، فكما تقدم، قيل التاسعة، وقيل العاشرة. فإن كان التاسعة، فتأخر حجه لأجل أن يهيأ الحرم ومواضع مناسك الحج؛ لأن يؤدى الحج على التوحيد والسنة. ولهذا أمر أبا بكر أن يحج بالناس في السنة التاسعة، وأمر عليا أن ينادي: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا عريان، وغير ذلك مما أمر به، حتى يبقى على التوحيد حجته صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة. قال رحمه الله: وغير ذلك من شرائع الإسلام أخذ على هذا عشر السنين. قال: أي كبر الوالدين، وصلة الأرحام، وأداء الأمانات، وسائر مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، كما هو معروف من شريعته صلى الله عليه وسلم، كلها توحى إليه في الشرائع أركانها، واجباتها، ومستحباتها، وما ينافي ذلك. وهو من العلم الذي بثه في الناس عليه الصلاة والسلام، وبلغه أمته، وهو الذي قال الله عنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾. قال رحمه الله: قوله: وبعدها توفي صلوات الله وسلامه عليه. قال: أي بعد ما أكمل الله به الدين، وبلغ البلاغ المبين. قال أبو ذر: ما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وما طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لنا منه علما. ومعناه: بلغنا كل شيء نحتاجه في أمر ديننا. والله عز وجل يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. نزلت هذه الآية في حجة الوداع، إذانا بإكمال الدين، وانتهاء الرسالة. ولما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك، واستغفره، إنه كان توابا. أكثر من التسبيح والاستغفار، حتى في ركوعه وسجوده، يقول: «سبحانك اللهم ربي اغفر لي وتُب علي»، وغير ذلك مما جاء عنه عليه الصلاة والسلام. وقال أبو بكر وغيره في هذه السورة: أنها إخبار من الله بقرب أجل النبي صلى الله عليه وسلم بإكمال الدين. قال: ودينه باق. قال: أي موجود، وهو ما تضمنه الكتاب والسنة، مؤيد محفوظ إلى قيام الساعة، كاف لمن تمسك به. وقال صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنتي». تقدم معنا حديث جابر في مسلم. إلى هنا ونكمل إن شاء الله في درس اللاحق، والله تعالى أعلم.