المحاضرة بعنوان العمل الصالح في عشر ذي الحجة، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
عشر ذي الحجة هي أفضل أيام الدنيا كما ورد في القرآن والحديث النبوي، وقد اختارها الله عز وجل لتميزها. الأعمال الصالحة فيها أفضل من غيرها من الأيام.
يُشجع على الاجتهاد في الطاعات والقربات خلال العشر من ذي الحجة، مع المحافظة على الفرائض وأداء النوافل. أداء الفرائض من أحب الأعمال إلى الله.
يُستحب الإكثار من الطاعات والقربات في العشر الأوائل، مثل إطعام الطعام وإفشاء السلام، وهما من الأعمال التي تجلب الأجور العظيمة.
قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، فربنا جل وعلا يخلق ما يشاء ويختار ما يشاء، ومن ذلك أن اختار من أشهر العام أربعة أشهر هي من الأشهر الحرم، المحرم المعظم عنده سبحانه وتعالى. وخص من هذه الأشهر الحرم عشر أيام هن من أعظم أيام الدنيا شرفًا وفضلًا. ومن عظيم فضلها أن جعل الله عز وجل الأعمار الصالحة فيها مضاعفة مكاثرة، فحث العباد على الاجتهاد فيها باستغلالها وإعمارها. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. جاء عبد الله بن عباس ومجاهد رحمه الله تعالى أنهما قالا: «هن عشر ذي الحجة». فإن العشر المذكورة في هذه السورة جاء تفسيرها أنها عشر العشر الأخيرة من رمضان عن بعض الصحابة والتابعين، وجاء كذلك أنها عشر ذي الحجة، وكله صحيح. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «خير ليالي الدنيا ليالي العشر الأخيرة من رمضان، وخير أيام الدنيا أي في النهار أيام عشر ذي الحجة». وبهذا يُعلم أن كل من فسَّر هذه العشر بالعشر المذكورات كان تفسيره صحيحًا، إذ أن عشر ذي الحجة أفضل أيام الدنيا بنص القرآن والحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. ففي البخاري وغيره عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام الأعمال الصالحة فيهن خير من هذه العشر». قالوا: «ولا الجهاد في سبيل الله؟» قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بماله ونفسه ولم يرجع من ذلك بشيء». فدل هذا الحديث، معاشر المسلمين، على عظيم فضل عشر ذي الحجة، وما يُضاعف الله عز وجل فيه الأعمال الصالحة من الحسنات المضاعفات الكثيرة، حتى أن العمل الصالح فيها أفضل من الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بماله ونفسه ولم يرجع من ذلك بشيء. والمراد بالجهاد في سبيل الله: أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. فإذا علمنا ذلك، علمنا، معاشر المسلمين، عظيم فضل عشر ذي الحجة، وهي العشر التي تكون في أول شهر ذي الحجة. عباد الله، هذه العشر تضمنت أصنافًا من الطاعات والقربات، يجتهد فيها المجتهد بأصناف الطاعات والقربات، فيكون سببًا لمضاعفة حسناته في أيام معدودات كما أخبر الله عز وجل عنها. وأنت، يا من لم يتيسر لك حج بيت الله الحرام، تأمل كيف يجتهد المجتهدون من حجاج بيت الله الحرام بأنواع الطاعات والقربات، فأنت كذلك اجتهد في هذه العشر بأنواع الطاعات والقربات. إن تيسر لك من نافلة صلاة فنافلة صلاة، أو نافلة صيام فنافلة صيام، أو نافلة صدقة فنافلة صدقة، أو كذلك ما يتيسر من الأضحية التي شرعها الله عز وجل كذلك، وهي من الأعمال الصالحة في العشر. وأعظم ما يجتهد فيه المسلم في هذه العشر أن يحافظ على فرائض الله بأن يؤديها على أكمل وجوهها وأحسن أوصافها، على الوجه الذي يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه. فإن من أحب وأفضل الأعمال إلى الله يتقرب بها العباد أن يتقربوا إليه بفرائضه وواجباته التي فرضها وأوجبها. فلنكن، معاشر المسلمين، من أحرص الناس على الواجبات والفرائض، خصوصًا في هذه العشر. وبعد ذلك نستكثر ما يتيسر من أصناف الطاعات والقربات المتنوعة المتيسرة، بما يكون فيه كذلك الأجور العظيمة. ومن ذلك، معاشر المسلمين، إطعام الطعام وإفشاء السلام، فإنه من أبواب الطاعات والقربات التي تستحب مطلقًا، ويتأكد العمل بها خصوصًا في هذه العشر.