الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 123، الدرس الثالث والعشرون بعد المائة:من( قال البخاري رحمه الله:حدثني محمد حدثنا عبدالصمد ... فقالوا:كذبت فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي الشيخ قصة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وملاحقة سراق بن مالك لهما، ودعاء النبي على سراق فصرع فرسه، وإسلام سراق بعد ذلك. يبين الشيخ دور أبي بكر في حماية النبي أثناء الهجرة.
يتناول المقطع قصة إسلام عبد الله بن سلام عند وصول النبي إلى المدينة، وموقف اليهود من نبوءة النبي، حيث كانوا يعرفون صفاته لكنهم لم يسلموا لتعصبهم. يبرز المقطع معرفة اليهود بوجود النبي.
يستخلص المقطع العديد من الدروس والفوائد من حديث هجرة النبي، منها فضل أبي بكر والأنصار والمهاجرين، والأخذ بالأسباب، وإكرام الأقربين، وحسن خلق النبي، وخطر اليهود وحقدهم. يبين هدي النبي في مناظرة أهل الباطل.
يشرح المقطع كيف يُعامل صاحب البدعة بسوء الظن بسبب تصرفاته، ويستدل بحديث هجرة النبي وأدلة أخرى على هذا المفهوم. يُنهي الكلام بالاكتفاء بهذا القدر من الشرح.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادي، رحمه الله تعالى، في كتابي "الصحيح المسند من دلائل النبوة". قال رحمه الله تعالى: قال البخاري، رحمه الله، قال: حدثني محمد، قال: حدثنا عبد الصمد، والظاهر أن محمدًا هاهنا هو الذهلي، قال: حدثنا عبد الصمد، وعبد الصمد ابن عبد الوارث التنوري، قال: حدثنا أبي - أي عبد الوارث - قال: حدثنا عبد العزيز بن الصهيب، كذلك هو تنوري، وكلهم من الثقات ممن أخرج له في الصحيحين. قال: حدثنا أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، ونبي الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف. وليس معنى شاب أي أنه صغير بالسن، لكن يظهر عليه من القوة ما يظن الظان أنه صغير، وهذا هو ما أشير إليه في الدرس السابق. ولم يكن فيه عليه الصلاة والسلام من شيء بالرأس واللحية ما يكون به معنى الشيخوخة، بل توفي صلى الله عليه وسلم ولم يكن به إلا شعرات يعدها - يعني البيضاء - قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل - يعني الطريق - رضي الله عنه وأرضاه، لا يريد أن يقول: إنه النبي عليه الصلاة والسلام حتى لا يؤذى ولا يقصده أحد، وقد وضعت قريش المال الكثير لمن أتى به صلى الله عليه وسلم. قال: فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير. وفي هذا عمل بقول النبي عليه الصلاة والسلام: "المعاريض مندوحة عن الكذب". والمعاريض: أن يعرض بشيء له أصل، ليس الكذب الصريح. فالإنسان أحيانًا يحرج، فلا بأس أن يكون له بالمعاريض ما هو مندوحة عن الكذب. قال: فالتفت أبو بكر، فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا رسول الله، هذا فارس قد لحق بنا. والظاهر أنه نفس الذي ورد في القصة السابقة والحديث الماضي: سراق بن مالك، رضي الله عنه. قال: فالتفت نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «اللهم صرعه» فصرعه الفرس. وفي هذا تأكيد أنه سقط عن الفرس مرة. وفي بعض الروايات أن أرجل الفرس انغرزت في الأرض. قال: ثم قامت تحمحم، فقال: يا نبي الله، مرني بما شئت. قال: «قف مكانك، لا تتركن أحدًا يلحق بنا». ومعنى أن الفارس هو الذي قال: يا نبي الله، مرني بما شئت - يعني علم أنها آية نبوة - إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليه فصرع في مكانه من دون أن يمسه النبي عليه الصلاة والسلام بيد ولا غيرها. وكان هذا سبب إسلامه على ظاهر هذه الرواية. وقوله: «قف مكانك، لا تتركن أحدًا يلحق بنا» - يعني اصرف الناس عنا من خلفك. وهذا الذي جاء معناه في الرواية السابقة في الحديث الماضي. قال: فكان أول النهار جاهدًا على نبي الله صلى الله عليه وسلم، وكان آخر النهار مسلمًا له - يعني كالسلاح يحميه ويدفع عنه - قال: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم جانب الحرة، ثم بعث إلى الأنصار. وجاء إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر، فسلموا عليهما، وقالوا: ركبوا آمنين مطاعين. فركب نبي الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وحفوا دونهما بالسلاح - أو وحفوا دونهما بالسلاح - يعني من حواليهم يحمون النبي عليه الصلاة والسلام وأبا بكر. فقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم. فأشرفوا ينظرون، ويقولون: جاء نبي الله. فأقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب. فإنه ليحدث أهله، إذ سمع به عبد الله بن سلام، وهو في نخل لأهله يخترف لهم، فعجل أن يضع الذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى أهله. فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «أي بيوت أهلنا أقرب؟» فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري وهذا بابي. قال: «فانطلق فهيئ لنا مقيلًا». والمقيل هو نوم ما قبل الظهر أو بعده، وكان وصولهم قبل الظهر. قال: قوما على بركة الله. فلما جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم، جاء عبد الله بن سلام، فقال: أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بحق. وقد علمت يهود أني سيدهم، أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم. فادعهم، فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت، قالوا: فيَّ ما ليس فيَّ. فأرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم، فأقبلوا، فدخلوا عليه. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر اليهود، ويلكم، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أني رسول الله، وأني جئتكم بحق، فأسلموا». قالوا: ما نعلمه. قالها للنبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، يكررها عليهم، وبهذا قامت الحجة عليهم. قال: «فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟» قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا. وقول النبي عليه الصلاة والسلام لهم: «إنكم لتعلمون أني رسول الله» توطئة منهم عليه الصلاة والسلام، وهكذا كذلك، لأنه جاء في بعض الروايات أن عبد الله بن سلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم أسئلة، فأجابه فيها، فشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًا، ونظر خاتم النبوة فرآه. وكان في هذا تأكيد أن اليهود كانوا يعلمون في مبعث النبي عليه الصلاة والسلام وصفاته، فمن كان منصفًا منهم أسلم كعبد الله بن سلام، رضي الله عنه وأرضاه، وكان من أحبار اليهود وعلمائهم. ومن كان منهم ليس بمنصف، وإنما يتبع الهوى، لم يسلم، وإنما عاند وكابر وزعم غير الحق. قال: قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمُّنا. قال: «أفرأيتم إن أسلم؟» قالوا: حاش لله، ما كان ليسلم. كررها عليهم ثلاثًا عليه الصلاة والسلام، تأكيدًا وزيادة في إقامة الحجة عليهم وعلى غيرهم. قال: يا ابن سلام، أخرج عليهم. فخرج، فقال: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه جاء بحق. فقالوا: كذبت. فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث بهذا اللفظ والسياق، وللحديث ألفاظ وسياقات كثيرة في الصحيحين وخارج الصحيحين في قصة هجرة النبي عليه الصلاة والسلام وذكر إسلام عبد الله بن سلام. فقد ذكر في فضائل عبد الله بن سلام تفاصيل أكثر من حديث أنس، ومن غير حديث أنس، وفيها تفصيل ما وقع مع اليهود في هذه الحادثة وإسلام عبد الله بن سلام، رضي الله عنه وأرضاه. والشاهد من هذا الحديث الذي أورده شيخنا رحمه الله في هذا الموضع هو ذكر إجابة الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام في دعائه على الفارس، وهو سراقة بن مالك، الذي سبق الكلام على معنى هذه القصة في الحديث السابق. وفي هذا دليل من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام، وبها أسلم سراقة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فكان هذا من أعلام نبوته ودلائل صدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث مسائل أخرى من أهمها فضل أبي بكر، رضي الله عنه وأرضاه، وما عرفت الناس لمنزلته، فقد علم الناس قبل الهجرة وبعد الهجرة منزلة أبي بكر من النبي صلى الله عليه وسلم، بل وفي الإسلام، فإنه لم يحط أحد في أول الإسلام مع النبي عليه الصلاة والسلام إلا أبا بكر. وفيه من المسائل كذلك فضل أهل سراق بن مالك بن جعشم، وقد كان رضي الله عنه وأرضاه حريصًا على أن يؤذي النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رأى بعينه دلائل الحق انصف نفسه فأسلم. وكونه ورد في بعض الروايات أنه كرر ذلك لا ينافي فضيلته، فإن الإنسان قد يتأكد ويحتاج أن يتثبت: هل ما يسمعه ويراه حقًا آية أم أنها موافقة؟ فلما علم أنها آية أسلم، رضي الله عنه وأرضاه. وفيه من المسائل كذلك فضل الأنصار، وهكذا كذلك فضل المهاجرين، المهاجرون بهجرتهم وصبرهم وبذلهم، والأنصار بنصرتهم وإيوائهم وكلاءتهم وحمايتهم. وفيه كذلك من المسائل الأخذ بالأسباب، فإن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، بل من التوكل الأخذ بالأسباب. فهذا نبي الله عليه الصلاة والسلام هاجر وأخذ أسباب النجاة والسلامة في هجرته، ووصل إلى الأنصار وأخذوا بأسباب كذلك السلامة كما رأينا في هذا الحديث. ومن معاني الأخذ بالأسباب وهي كثيرة. وفيه من المسائل كذلك إكرام الأقربين، سواء المكرم فالإكرام يكون بمعاني كثيرة، ومن معانيه حتى نزول الرجل عند ذوي قرابته. فكما أن الأقربون أولى بالمعروف، فكذلك هم أولى بالإحسان. فالضيافة إذا وقعت على مثل هذا النحو كان الأقربون أحق بها. ولهذا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أي بيوت أهلنا أقرب؟» فقدم القرابة المعنوية بقرابة النسب، ثم القرابة الحسية. وفي التنبيه لهذين المعنيين هذا الأدب، وكذلك هذا الترتيب الذي هو أدب من آداب الإسلام. وفيه من المسائل كذلك جواز السؤال فيما هو من معاني المكرمة للمنقصة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ طلب المقيل. فإن ذلك من زيادة فضله عليه الصلاة والسلام وحسن خلقه. فإن من حسن خلق المرء لينه وتواضعه، وهذا من معاني الليِّن والتواضع. وهكذا كذلك فيه معنى آخر من معاني الحزم التي لا تتم الأمور إلا بها. فإن المرأة قد تغلب عليها العاطفة، وكذلك تضغى عليها المجاملة على حساب ما هو أهم وأنفع. فمن كان هذا حاله لن تمضي أموره بما يكون به نفع نفسه والمجتمع. فهذا الحديث يدلنا على شيء من حزم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو كذلك من معاني حسن خلقه عليه الصلاة والسلام. فإن احتفاء الناس بالضيف أمر يحصل في كل زمان ومكان، ولكن ينبغي أن يكون هذا الاحتفاء له حد. وفيه من المسائل كذلك خبث اليهود، وكذلك شدة حقدهم ومكابرتهم إلا من وفقه الله وكان منصفًا منهم، وقليل ما هم. وقصة عبد الله بن سلام وغيرها كثير مما هي بمعنى هذه القصة مما تدلنا على تأكيد هذا الوصف عن اليهود، بل وأدلة الكتاب والسنة كثيرة في الدلالة والإشارة إلى هذا المعنى. وفيه كذلك من المسائل شيء من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام في عرض الحق ومناظرة أهل الباطل. فانظروا كيف كان هذا السياق بهذا النسق حتى كان فيه إقامة الحجة على اليهود وظهور ذلك حتى لغيرهم. وفيه كذلك أسلوب إقامة الحق على أهل البهتان، فإن من عرف بالبهت يعامل بمثلي ما يعامل به الناس، ولا ينافي ذلك الصدق والجزاء من جنس العمل، لكن لا ينبغي أن يكون إلا بحق وصدق. فكون النبي عليه الصلاة والسلام وعبد الله بن سلام ومن كان من الصحابة أخفوا إسلام عبد الله بن سلام لم يكن كذبًا على اليهود، لكن كان تربصًا بهم لعلمهم بحالهم. ولهذا ذكر أهل العلم أن أهل الباطل لباطلهم يعاملون بسوء الظن، وأهل الحق لفضلهم يعاملون بحسن الظن. أولئك يساء بهم الظن، وهؤلاء على العكس الأصل هو حسن الظن. ولهذا فمن شؤم صاحب البدعة أنه يساء به الظن في خفي وملتبس عباراته، وكذلك ما يكون من سلوكه وتصرفاته فيعامل على ما كان عليه. وهذا المعنى دل عليه هذا الحديث، وكذلك أدل أخرى. نكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم.