الدرس في شرح مختصر السيرة 85، الدرس الخامس والثمانون:من( غزوة حنين ... رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
غزوة حنين كانت بعد فتح مكة، حيث اجتمعت هوازن وتقيف لقتال المسلمين، وخرج النبي عليه الصلاة والسلام لهم بجيش كبير، ولكن المسلمين اغتروا بكثرتهم فانهزموا في البداية. ثم تماسكوا بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم وانتصروا في النهاية.
مالك بن عوف قائد هوازن أخطأ بإحضار النساء والأطفال والأموال إلى ساحة المعركة، ونصحه دريد بن الصمة بعدم جدوى ذلك. انتهت المعركة بهزيمة هوازن وخوفهم عند رؤية جيش النبي صلى الله عليه وسلم.
هزم المسلمون في البداية بسبب كمين من هوازن، ثم تماسكوا بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم وانتصروا. استعار النبي صلى الله عليه وسلم سلاحًا من صفوان بن أمية المشرك آنذاك.
شيبة بن عثمان الحجبي كان ينوي الإغارة على النبي يوم الفتح، وروى قصة نيته هذه في كتاب ابن إسحاق. هذه القصة تظهر جانبًا من الأحداث التي حدثت يوم فتح مكة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: غزوة حنين. قال ابن إسحاق: لما سمعت هوازن -يعني هوازن بفتح الهاء والواو- بالفتح، جمعها مالك بن عوف النصري مع هوازن تقيف كلها، يعني اجتمعت هوازن تهامة مع هوازن تقيف، وتقيف هي من قبائل الطائف، والمعنى أن جيشًا عظيمًا اجتمع لقتال من كان مع النبي عليه الصلاة والسلام. فخرج لهم النبي عليه الصلاة والسلام، وكان ما سيأتي ذكره مما ذكره أهل السير والتاريخ، وذكر كذلك أصله في الأحاديث الصحيحة. فإن أصل هذا نقل في الصحيحين من حديث جماعة من الصحابة، وإن كان ليس بهذا التفصيل الذي ذكر في هذا الفصل. وأكثر هذا الفصل ذكره ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد»، والمؤلف كما مر معنا ينقل كثيرًا عن ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد». وابن القيم ينقل عن ابن سعد، ينقل عن ابن سعد في «الطبقات»، وابن سعد يروي شيئًا متصلًا ويروي شيئًا مرسلًا، وأخرى بلاغات ومنقطعات ونحوها. فالكثير منه صحيح، وبعضه لا يصح، لكن لا يضر إذا ثبت أصل القصة. وكما مر معنا أصلها جاء في الصحيحين عن جماعة من الصحابة، منهم البراء بن عازب، وجاء كذلك في الصحيحين من حديث مروان والمسور، وهكذا جاء في الصحيحين من حديث أنس، ومن حديث سلمة بن الأكوع في صحيح مسلم. وفي كل حديث من أحاديث أولئك الصحابة شيء كثير مما وقع في هذه الغزوة، وما يلحق به مما قبله وبعده. قال رحمه الله تعالى: فلما أجمع مالك السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ساق مع الناس أموالهم ونساءهم وذراريهم، يعني أخرج كذلك المال والنساء والذرية، يعني الأطفال. أراد أن يكون ذلك أشد لهم للقتال. وكانت هوازن مشهورة من أشد قبائل العرب ومن أكثرها، وكانوا أهل رمي، كما جاء في حديث البراء بن عازب في الصحيحين: أنهم انهزموا في أول الأمر، ولكنهم كانوا قومًا رماة، يعني يحسنون الرمي، فرموا جيش المسلمين فأصابوا منهم كثيرًا، ابتلاء من الله. وذلك أن المسلمين في ذلك الوقت اغتروا بكثرتهم، خرجوا بمن خرج مع النبي عليه الصلاة والسلام، ولحق بهم من لحق من قريش، حتى خرج مع من خرج من أهل قريش، ليس فقط من أسلم عام الفتح، بل بعضهم ممن كان مشركًا كما سيأتي. قال رحمه الله: فلما نزل بأوطاس اجتمعوا إليه، وفيهم دريد بن الصمة الجشمي، وهو شيخ كبير ليس فيه إلا رأيه، يعني ليس فيه قوة للقتال. قال: وكان شجاعًا مجربًا. فقال: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس -وأوطاس اسم وادي الذي وقعت فيه هذه الغزوة-. قال: نعمة مجال الخيل، لا حزن ضرس ولا سهل دهس، يعني أن أحسن ما يكون فيه القتال ويستعمل فيه الخيل هي مثل هذه الأرض التي يكون فيها بعض المرتفعات ينفع للرمي والكر والرجوع، فتستطيع أن تجري فيه الخيل، وليس هو كذلك بالمكان المستوي تمامًا فتدهس فيها الخيل، يعني بالإبل وغيرها، ولكنه مكان معتدل. والحزن هو الصعب، لا حزن ضرس، يعني ليس هو بأرض شديدة وعرة، ولا كذلك سهلة. قال: ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء؟ يعني استغرب أن سمع أشياء ليس مثلها يكون مع المقاتلين. قالوا: ساق مالك مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم. قال: أين مالك؟ فدعي له، فقال: إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم له ما بعده من الأيام. فلما فعلت هذا -يعني لماذا أردت النهاية لقومك حتى أخرجت كل شيء لم تترك شيئًا- ومعناه: إذا انهزمت تنهزم انهزامًا لا يكون بعده حياة. ومعناه أن مثل هذا خطأ. قال: وإن هذا يوم له ما بعده من الأيام. فلما فعلت هذا، قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم. قال: راعي ضعن -والله وهل يرد المنهزم- وهي كلمة ظاهرها المدح وحقيقتها الذم، يعني كما يقال مثلًا: بطل، ولكن ليس هو مقام الثناء الآن. راعي ضعن لمن يحسنه وفي مقامه مدح، لكن في هذا الموضع موضع القتال ليس بمدح. قال: راعي ضعن -والله وهل يرد المنهزم شيء- يعني إذا قد انهزم الإنسان ماذا ينفع وجود المال والنساء والأطفال؟ قال: وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك -يعني أنك غنمت وغلبت- إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، يعني ما ينفعك النساء والأطفال والأموال، بل هو عبء عليك يحتاج نفقة وتعب وغير ذلك. قال: لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، يعني مقاتلين أنت تحتاج إلى مقاتلين. وإن كانت عليك -يعني انهزمت- فضحت في أهلك ومالك؛ لأنك لو تركتهم في بيوتهم كان هذا أسلم لهم، خصوصًا أنه جمعهم من أماكن كثيرة، ليس فقط من تهامة، أتى بهم من تهامة وأتى بهم من هوازن ثقيف، يعني جمعهم من كل مكان. قال: ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب -يعني من قبائل العرب- هل جاء معهم أحد منهم؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد، يعني لم يقاتلوا معنا. قال: غاب الحد والجد؛ لأنها قبائل معروفة بالشدة كذلك. قال: لو كان يوم علاء ورفعة لم يغيبوا، يعني لم يتأخروا. فعلم أن تأخرهم وعدم خروجهم للقتال كان هو الصواب؛ لأنهم لم يخرجوا لعلمهم أن هذا هو الأصلح. قال: ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، يعني لم تخرجوا كما أنهم لم يخرجوا. قال: فمن شهدها؟ قالوا: عمر بن عامر وعوف بن عامر. قال: ذانك الجذعان من عامر، يعني الصغيران، الجذع الصغير من الضعن لا ينفعان ولا يضران، يعني لا يفرح أحد بخروجهما. يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم البيضة -بيضة هوازن- إلى نحور الخيل شيئًا. ارفعهم إلى ممتنع، إلى ممتنع بلادهم وعليا قومهم، ثم ألق الصباء على متون الخيل. فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذاك وقد أحرست أهلك ومالك. والمعنى أمره أن يبعد أهله وماله -وهي البيضة- ويقاتل بالرجال الذين معه، فإن غلب رجع فأخذهم، وإن انهزم سلموا من المضرة. قال: والله لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر عقلك. والله لو تطيعني يا معشر هوازن أو لأتقن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري. وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي، يعني أصر وعاند مالك بن عوف وهدد بقتل نفسه إنهم لم يطيعوه. قالوا: أطعناك. فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني -والمعنى أنه لم يؤخذ برأيه فوجوده مثل عدمه-. قال: يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع أقود أقود وطفاء الزمع، كأنها شاة صدع. والمعنى يتمنى أنه لو أنه شاب فيكون له شأن في هذا القتال، وتكون له القيادة، ليس لمن يرى أنه ليس أهل وهو مالك بن عوف. قال: ثم قال مالك: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ثم شدوا شدة رجل واحد. والجفن هو المخبأ الذي يدخل فيه السيف، والمعنى أن السيف لا رجوع له إلا بقتل وقتال. هذا المعنى في كسر الجفون، إما هزيمة يكون معها موت المقاتل، وإما نصر، وهذا الذي يطمعون. قال: ثم بعث عيونا من رجاله، فأتوه وقد تفرقت أوصالهم من الرعب والهلع. والعيون هم الجواسيس، أرسلهم ليتفقدوا خبر من أتى مع النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فقال لهم: ويلكم ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى. وهذا يدل أنهم كانوا يلبسون البياض، أي المسلمون. وقيل: أنهم رأوا الملائكة تقاتل معهم أو تخرج معهم. وسواء هذا أو هذا فكلاهما المقصود منه أنهم أصابهم الذعر والخوف من مقدم الجيش. قال: فوالله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد. ولما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عبد الله بن حدرد الأسلمي، وأمروا أن يداخلهم حتى يعلم علمهم، يعني يدخل بين قرى هوازن أو أماكن وجود هوازن لينظر الخبر، يعني كم تجهزوا وكم الجيش وأين ذهبوا وأين سينزلون وهكذا. قال: فانطلق فداخلهم حتى علم ما هم عليه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر. فلما أراد المسير ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعًا وسلاحًا، وهو يومئذ مشرك. فقال له: يا أبا أمية أعرني سلاحك هذا نلقى فيه عدونا غدًا. فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة حتى نردها إليك. والحديث أصله صحيح. قال: فأعطوه مئة درع بما يكفيها من السلاح. فخرج صلى الله عليه وسلم ومعه ألفان من أهل مكة وعشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله بهم مكة، فكانوا اثني عشر ألفًا. واستعمل عتاب بن أسيد على مكة. فلما استقبلوا وادي حنين انحدروا في واد من أودية تهامة أجوف في عماية الصبح، يعني في أول الصبح دخلوا هذا الوادي. وقد ذكر الله عز وجل بعض هذه الغزوة: ﴿يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ الآيات في ذلك. قال رحمه الله: قال جابر: وكانوا قد سبقوا إليه، يعني هوازن، فكمنوا في شعابه ومضايقه، شعاب الوادي؛ لأن الوادي من أودية تهامة وتهامة أرض فيها ارتفاع. قال: قد تهيأوا، فوالله ما راعنا إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد، يعني فاجأوهم بالقتال مع أول الصبح؛ لأنهم كانوا قد اختبأوا في ذلك الوادي في الليل. قال: فانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد، يعني كل واحد يفر إلى جهة. قال: وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين، يعني من الوادي. ثم قال: أيها الناس، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله. وبقي معه نفر من المهاجرين وأهل بيته. فاجتلد الناس، فوالله ما رجعت الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني من بعض من أتاهم من الجيش من جيش هوازن. قال: وكانوا حين رأوا كثرتهم قالوا: لن نغلب اليوم عن قلة. قال بعض المسلمين ذلك. قال: فوقع بهم ما وقع من ابتلاء الله لقولهم ذلك، كما أخبر الله عز وجل في كتابه. قال ابن إسحاق: لما وقعت الهزيمة تكلم رجال من جفاة أهل مكة بما في أنفسهم من الضغن، يعني مما يخفيه من التحامل. فقال أبو سفيان: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، يعني سخر أن الهزيمة ستكون قوية سيطاردونكم حتى تصلون إلى البحر. ومعناه إلى قرب مكة. قال: وصرخ جبلة بن الحنبل -وهذا لا أعلمه جاء بإسناد صحيح- قال: وصرخ جبلة بن الحنبل: ألا بطل ألا بطل السحر اليوم. ومعناه يريد أن ما حصل يوم فتح مكة سحر، وإلا فهم شجعان هكذا الزعم، وأن ما حصل اليوم هو فيه إظهار الشيء على حقيقته، فكأن ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام سحر. وهذا فقط توضيح للعبارة، وإلا مثل هذا يحتاج إلى إسناد صحيح ليثبت. قال: فقال له أخوه صفوان بن أمية -وكان بعد مشركًا-: أسكت فض الله فاك، يعني يدعو عليه بإنفضاض فمه. قال: فوالله لأن يربني رجل من قريش -ومعنى يربني يهزمني وأقع بين يديه- أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن، يعني كون أني أقع في يد أحد من أهلي ويريد النبي عليه الصلاة والسلام من معه خير من أن أقع في يد أحد من هؤلاء الغرباء. قال: وذكر ابن إسحاق عن شيبة بن عثمان الحجبي قال: لما كان يوم الفتح قلت: أسير مع قريش لهوازن لعلي أصيب من محمد غرة. طيب نقف هنا ونترك هذا في الدرس اللاحق، والله تعالى أعلم.