الدرس في شرح مختصر السيرة 53، الدرس الثالث والخمسون : فيه :( وأصبح كما قال أبو قيس صرمة بن أبي أنس ... وفيهم عائشة فنزلوا في بيت حارثة بن النعمان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بشرح أبيات شعرية عن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واستقبال الأنصار له، مع توضيح المعاني والدلالات الواردة في هذه الأبيات. يذكر أن النبي مكث بمكة فترة قبل أن يهاجر إلى المدينة حيث آواه الأنصار وشاركوه أموالهم.
يتناول المقطع قصة هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، حيث أمر الله تعالى النبي بالهجرة وأعطاه سلطانًا نصيرًا، واستقبل الأنصار المهاجرين وعلموهم القرآن. يروي المقطع أيضًا تفاصيل وصول المهاجرين إلى المدينة وفرحة الناس بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم.
يناقش صحة رواية استقبال الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم بقولهم 'طلع البدر علينا' ويشير إلى أن الحديث الصحيح عن أنس بن مالك يصف يوم دخول النبي المدينة بأنه كان يومًا مشرقًا ومباركًا، ويوضح أن المقصود بالنور والإضاءة هو النور المعنوي وليس الحسي.
يتم ختام الدرس الحالي مع الإشارة إلى وجود درس لاحق سيغطي المواضيع المتبقية بإذن الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، بكتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم»: وأصبح كما قال أبو قيس: صرمتَ حبلَ ابن أبي أنس، وكان ابن عباس يختلف إليه ليحفظها عنه. أولًا، قصة بأيوب، كما مر معنا، إن كان قد مر، أن أصلها في الصحيح، أصلها بصحيح البخاري، وبعض تفاصيلها رويت في مواضع، منها ما جاء في المستدرك، ومنها ما جاء في السيرة، وهي بمجموع طرقها حسنة. قال: يعني فيما جاء في شعر أبي قيس: توافق ريش بضع عشر تحت حجة، يذكر لو يلقى حبيبًا مواتيًا، ويعرض في أهل المواسم نفسه، فلم يرَ من يؤوي، ولم يرَ داعيًا. فلما أتانا واستقرت به النوى، وأصبح مسرورًا بطيبة راضيًا، وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم بعيد، ولا يخشى من الناس باغيًا، بدلنا له الأموال من جل مالنا، وأنفسنا عند الوغى والتآسية، نعاد الذي عاد من الناس كلهم جميعًا، وإن كان الحبيب المصافية، ونعلم أن الله لا رب غيره، وأن كتاب الله أصبح هادية. والمراد أن هذه الأبيات فيها شيء من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام، وحال الأنصار معه عليه الصلاة والسلام، وأنه قعد بمكة عشر سنين -عشر حجة- يعني عشر سنين ثم انتقل إلى المدينة، وهذا على وجه التقدير، وإلا فكم قعد في مكة ثلاثة عشر سنة، ولكن العرب تحذف الكسور كثيرًا، خصوصًا بالشعر. قال: وكما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه: قوم الذين هم آووا نبيهم وصدقوه، وأهل الأرض كفار إلا خصائص أقوامهم، تبع في الصالحين مع الأنصار أنصار مستبشرين بقسم الله، قولهم لما أتاهم كريم الأصل مختار: أهلًا وسهلًا، ففي أمن، ففي أمن، وفي سعة نعم، النبي ونعم القسم والجار، فأنزلوه بدار لا يقاه بها من كان جارهم دارًا هي الدار، وقاسموه بها الأموال إذا قدموا مهاجرين، وقسم الجاحد النار. وكما قال: نصرنا وآوينا النبي محمدًا على انفِراض من معد وراغم. وهذه الأبيات كذلك أوردها رحمه الله ليذكّر بها شيء من كلام الشعراء الذين حكوا شيء من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام، وحال المهاجرين والأنصار في هذه الهجرة. قال: قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فأمر بالهجرة، أو فأمر بالهجرة، وأنزل الله عليه: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾. قال: والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل الله سلطانًا نصيرًا فأعطاه. وأصل هذا الذي حكاه ابن عباس في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح، وهكذا رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو كما قال. وقد ذكره ابن كثير رحمه الله في تفسير سورة الإسراء عند هذه الآية، مصححًا له. ومعنى أن الله عز وجل أمره أن يخرج مخرج صدق، فحصل له ذلك، فأخرجه مخرج صدق، فهي المدينة كما روي عن ابن عباس وحسن وقتادة وجماعة، وروي غير ذلك، أي الموت والخروج من الدنيا، ولا مانع أن يكون اللفظ الواحد يحتمل أو يصح التعبير عنه في أكثر من معنى. وجعل الله له فرجًا ومخرجًا وسلطانًا ونصيرًا، بما كان من هجرته مع أبي بكر، وإيواء الأنصار له وللمهاجرين. قال: قال البراء: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجعل يقرئان الناس القرآن، ثم جاء عمار بن ياسر -يعني وعبد الله بن مسعود- يعلمان الناس القرآن -يعني من الأنصار- فالبراء كما مر معنا من الأنصار. وكان الناس -أي لا يعرفون القرآن- فجاء المهاجرون وأول من هاجر، فعلموهم القرآن. قال: ثم جاء عمار بن ياسر وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين راكبًا، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيت الناس فرحوا بشيء كفرحهم به، حتى رأيت النساء والصبيان والإماء يقولن: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحديث في البخاري كما أشار إليه المعلق. وأما ما يروى من أنهم استقبلوه بقولهم: «طلع البدر علينا من ثنيات الوداع» إلى آخره، فهذا لم يروَ بشيء صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه وقع له مع الأنصار. قال: قال أنس: شهدته يوم دخل المدينة، فما رأيت يومًا قط كان أحسن ولا أضوأ من اليوم الذي دخل المدينة علينا، وشهدته يوم مات، فما رأيت يومًا قط كان أقبح ولا أظلم من يوم مات. وأصل هذا الحديث حديث أنس، رواه الترمذي بإسناد صحيح، وصححه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله بهذا المعنى، ولكن ليس فيه دليل لعباد القبور والمتصوفة وأهل الغلو في الصالحين، بأن نبينا عليه الصلاة والسلام كان له نور حسي -يعني كالمصباح إذا دخل الغرفة المظلمة صارت مضيئة- ولما كان موجودًا كانت المدينة مضيئة كما يظنون. وإنما المراد النور والإضاءة المعنوية بنور الإيمان والعلم والعبادة والعمل الصالح وغير ذلك. قال: فأقام في بيت أبي أيوب حتى بنى حتى بنى حجرته ومسجده. وهذا كما مر معنا أن أصله في صحيح البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم بقي في بيت أبي أيوب إلى أن يبنى المسجد، لأنه قال: «دعوها فإنها مأمورة»، فنزلت في تلك الأرض بني النجار، وكانت لغلامين يتيمين من بني النجار، فاشتراها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبنى المسجد هو وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، وسيأتي إن شاء الله الكلام على بناء المسجد وذكر حجرته عليه الصلاة والسلام فيما يلحق. قال: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في منزل أبي أيوب زيد بن حارثة وبراء -أو برفع- وعطاهما بعيرًا أو بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة، فقدم عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسودة بنت زمعة زوجة، وأسامة بن زيد، وأم أيمن. وأما زينب، فلم يمكنها زوجها أبو العاص بن الربيع من الخروج -يعني منعها- وخرج عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، وفيهم عائشة، فنزلوا في بيت حارثة بن النعمان. وهذا كذلك أصله في الصحيح، كما حكت عائشة رضي الله عنها بعضه، وبعضه روي في كتب السيرة، فهو من حيث الجملة معناه حسن طيب. نقف إلى هنا، ونترك الباقي في درس لاحق إن شاء الله تعالى.