شرح مختصر السيرة 69

شرح مختصر السيرة 69

الدرس في شرح مختصر السيرة 69، الدرس التاسع والستون:من( غزوة أحد ... ومعه رجلان ياقتلان عنه عليهما ثياب بيض كأشد القتال وما رأيتهما قبل ولا بعد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في غزوة أحد وأحداثها

يتحدث عن غزوة أحد واستعراض شرح شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب حول الغزوة والأحداث والقتال فيها. استشهد ببعض الأحاديث الصحيحة لتوثيق الأحداث.

تفاصيل المعركة وموقف المسلمين والمشركين

يصف خروج النبي صلى الله عليه وسلم لملاقاة قريش وانشقاق عبد الله بن أبي، وتحول النصر لصالح المسلمين ثم هزيمتهم بسبب مخالفة الرماة لأمر النبي. كما يصف إصابة الرسول صلى الله عليه وسلم وقتل عدد من المسلمين.

قتال الملائكة ودورهم في غزوة أحد

ذكر أن الملائكة قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غزوة أحد، واستدل بحديث سعد بن أبي وقاص في الصحيحين برؤية رجلين يقاتلان عن النبي عليهما ثياب بيض.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «مختصر سيرة الرسول» صلى الله عليه وسلم، قال: غزوة أحد، قال: وفيها كانت وقعة أحد في شوال، يعني من السنة الثالثة. وهنا تنبيه، وهو أن الصحيح أن غزوة أحد كانت قبل غزوة بني قينقاع، ويدل على ذلك ما جاء من حديث بحميد الساعدي وخبيب بن يساف، أن عبد الله بن أبي بن سلول خرج بستمائة من مواليه من بني قينقاع من اليهود، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد تعدى موضعًا في المدينة خارج أحد، وهو ما يسمى بجبل أو عقبة الوداع، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم كتيبة خشنة أو خشناء قادمة عليه، فقال: من هؤلاء؟ قالوا: هذا عبد الله -يعني ابن أبي- ومعه بعض مواليه من يهود بني قينقاع، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أأسلموا؟» قالوا: لا، فقال: «أخبروهم فليرجعوا، فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين». والحديث قواه الطحاوي، وكذلك ابن سعد، وله طرق وشواهد صححها بها الشيخ العلامة الألباني، رحمه الله، في «الصحيحة» حديث 1101. والشاهد أن هذا وقع في غزوة أحد، فدل على أن إجلاء بني قينقاع كان بعد ذلك. قال رحمه الله تعالى: وذلك أن الله تبارك وتعالى لما أوقع بقريش يوم بدر، وترأس فيهم أبو سفيان لذهاب أكابرهم، أخذ يؤلب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى المسلمين، ويجمع الجموع، فجمع قريبًا من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش -يعني الحلفاء من القبائل الأخرى حول مكة، والأحابيش إما الحبشة أو من كان من جهتهم- قال: وجاءوا بنسائهم لألا يفروا، ثم أقبل بهم نحو المدينة، فنزل قريبًا من جبل أحد. وقد جاءت تفاصيل غزوة أحد في كتب السنة في الصحيحين وغيرهما، وكتب السيرة بتفاصيل لذكر هذه الوقائع، فأصل هذه القصة وكثير من وقائعها ثابت صحيح في الأحاديث الصحيحة. فجاء -على سبيل المثال- في الصحيحين بقصة أبي موسى ورؤيا النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا قبل أحد، حين رأى أن سيفه اهتز في يده، ورأى فيه ثلمة -إلى آخر الرؤيا- فأولها وفسرها النبي صلى الله عليه وسلم في رؤية طويلة، أنه ما وقع يوم بدر من النصر، ثم ما يكون يوم أحد من الابتلاء، ثم ما يكون بعد ذلك من النصر العميم بعد ذلك، وفتح مكة، ووقع بمثل ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث في الصحيحين. وهكذا أيضًا ما جاء في تفاصيل أخرى، فمن ذلك ما جاء في البخاري وغيره من حديث عقبة، في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على أموات أحد كالمودع لهم. وهكذا أيضًا ما جاء بحديث ابن عباس في الصحيحين، في قصة ذكر خبر قتال بعض الملائكة -أي في غزوة أحد- وأنه ذكر النبي عليه الصلاة والسلام جبريل، وهو آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب، وما ذكر عن عبد الرحمن بن عوف أنه قاتلت معه الملائكة كذلك. وهكذا كذلك قصة الجيش وترتيبهم، ووضع من وضع من الرماة على جبل الرماة، وعليهم عبد الله -أي أميرًا عليهم- ابن جبير، والحديث في الصحيحين في قصة البراء. وهكذا كذلك ما وقع في صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله، أنه قال: «استبح الخمر يوم أحد ناس، ثم قتلوا شهداء». وهذا ذكر بعض ما وقع في يوم أحد، ومعنى «استبح» -يعني شربوا في صباحهم الخمر- يعني قبل تحريمه، وأصبحوا بعد ذلك شهداء يوم أحد. وهكذا كذلك ذكر بعض ما وقع من تفاصيل أو قتال يوم أحد، ومن قتل فيه، كقصة مصعب بن عمير، والنظر عم أنس، وكذلك حمزة وغيرهم، وأحاديث هؤلاء في الصحيحين، من حديث عبد الرحمن بن عوف، ومن حديث كذلك خباب بن الأرث، وحديث أنس. وهكذا كذلك قصة جراحة النبي عليه الصلاة والسلام، وما وقع له يوم أحد، حتى أنه لما لم يقف الدم، أحرقت فاطمة رضي الله عنها الحصير، ووضعته موضع الجرح حتى وقف الدم. وهكذا كذلك ما وقع من ردي عين قتادة بن النعمان، وغير ذلك مما وقع في هذه الغزوة. قال رحمه الله تعالى: فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالخروج إليهم، وكان رأيه أن لا يخرجوا، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه السكك، والنساء من فوق البيوت، ووافقه عبد الله بن أبي -رأس المنافقين- على هذا الرأي، فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته بدر، وأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج، وألحوا عليه، فنهض ودخل بيته ولبس لامته -وقلنا اللامة ما هي؟ فيما مر معنا عدة الحرب- قال: وخرج عليهم، فقالوا: «استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج»، ومعنا «استكرهنا» -يعني أخرجنا وهو غير طيب النفس في الخروج- ثم قالوا: «إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل»، فقال: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه». وهذا أصله في الصحيحين. قال: فخرج بألف من أصحابه، واستعمل على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا، رأى أن في سيفه ثلمة، وأن بقرة تذبح، وأنه يدخل يده في درع حصينة، فتأول الثلمة برجل يصاب من أهل بيته، والبقر بنفر من أصحابه يقتلون، والدرع بالمدينة، فخرج، وقال لأصحابه: «عليكم بتقوى الله والصبر عند البأس، إذا لقيتم العدو، وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا». وقد هيأ الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام أسباب هذا اللقاء والتصبر له، بما يسر الله عز وجل له من أخبار العدو، فقد أرسل له أولًا العباس عمه بخبر اجتماع قريش على قتاله، فأرى بعض أصحابه ذلك، واستكتمهم أن لا يفشوا هذا السر. ثم لما خرج أرسل النبي عليه الصلاة والسلام بعض العيون -يعني من ينظر كم عدد القوم وأين وصلوا- فأخبروه، وأرسل عينًا ثم عينًا ثم عينًا عليه الصلاة والسلام، يتبعهم حتى قاربوا من المدينة، وكل ذلك يستكتمهم السر، ولا يريد أن يروع على أصحابه، وأمرهم بتقوى الله والصبر. قال: فلما كان بالشوط بين المدينة وأحد، انخزل عبد الله بن أبي بنحو ثلث العسكر، وقال: «عصاني وسمع من غيري، ما ندري على ما نقتل أنفسنا ها هنا -أيها الناس-» فرجع، وتبعهم عبد الله بن عمر والد جابر، يحرضهم على الرجوع، ويقول: «قاتلوا في سبيل الله وادفعوا»، قالوا: «لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع»، فرجع عنهم مسبهم. وسبب ذلك -كما ذكر أهل السير- أن بعض المنافقين خرج وفيهم بعض اليهود، خرجوا إلى مكة وأخبروا قريشًا، وفيهم أبو عامر الفاسق -عبد عمرو بن صيفي صيفي- ومعه أكثر من خمسين رجلًا من المنافقين، وواعدوا أهل مكة -وكانوا مشركين- أنهم إن خرجوا أنهم سيلاقونهم ويخذلون النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ما كان من المنافقين. قال: وقال -قال- وسأل نفر من الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعينوا بحلفائهم من يهود، فأبى، وقال: «من يخرج بنا على القوم من كثب؟» فخرج به بعض الأنصار حتى سلك في حائط لمربع بن قيظي من المنافقين، وكان أعمى، فقام يحثث ترابًا في وجوه المسلمين، ويقول: «لا أحل لك أن تدخل في حائطي إن كنت رسول الله»، فابتدروه ليقتلوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقتلوه، فهذا أعمى القلب أعمى البصر». قال: ونفذ حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي الدنيا، وجعل ظهره إلى أحد، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم. فلما أصبح يوم السبت تعبأ للقتال، وهو في سبعمائة، منهم خمسون فارسًا، واستعمل على الرماة -وكانوا خمسين- عبد الله بن جبير، وأمرهم أن لا يفارقوا مركزهم، ولو رأوا الطير تختطف العسكر -يعني ولو وقع ما وقع- وأمرهم أن ينضحوا المشركين بالنبل لألا يأتوا المسلمين من ورائهم، وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين -يعني لبس درعين، والدرع هو ما يلبس على أعلى الجسد ويكون من السلسلة أو بعض الصفائح الحديد- قالوا: أعطى اللواء مصعب بن عمير، وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بن العوام، وعلى الأخرى المنذر بن عمر. واستعرض الشباب يومئذ، فرد من استصغر عن القتال -كابن عمر وأسامة بن زيد والبراء وزيد بن أرقم وزيد بن ثابت وعرابة الأوسي- وأجاز من رآه مطيقًا -يعني رد الصغار وقبل الكبار- قال: وتعبأت قريش، وهم ثلاثة آلاف، وفيهم مئتا فارس، فجعلوا ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل. ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه إلى أبي دجانة، وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر -عبد بن عمرو بن صيفي الفاسق- وكان يسمى الراهب، وهو رأس الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام شرق به وجاهر بالعداوة، فذهب إلى قريش ألبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه، فلما ناداهم وتعرف إليهم، قالوا: «لا أنعم الله بك عينًا يا فاسق»، فقال: «لقد أصاب قومي بعدي شر»، ثم قاتل المسلمين قتالًا شديدًا، ثم أرضخهم بالحجارة، وأبلى يومئذ أبو دجانة وطلحة وحمزة وعلي والنضر بن أنس وسعد بن الربيع بلاءً حسنًا -يعني من القتال وما أصيب به- قال: وكانت الدولة أول النهار -يعني الغلب للمسلمين- فانهزم أعداء الله وولوا مدبرين حتى انتهوا إلى نسائهم. فلما رأى ذلك الرماة، قالوا: «الغنيمة الغنيمة»، فذكرهم أميرهم عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يسمعوا، فأخلوا الثغر -يعني الموضع الذي كانوا فيه، فهو يعتبر ثغرًا -يعني منفذ ينفذ منه العدو ولو كان جبلًا، لكن ينفذ من تحته العدو- قال: وكر فرسان المشركين عليه، فوجدوه خاليًا، فجاءوا منه، وذلك أن خالد بن الوليد دار بمن معه خلف جبل أحد، فأتى الرماة من الخلف، وقد خلى الجبل وليس فيه أحد. قال: وأقبل آخرهم حتى أحاطوا بالمسلمين، فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة، وكان الفرسان -كما سمعنا- مئتي فارس، ليس بقليل، قال: فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة، وهم سبعون، وولى الصحابة -يعني تفرقوا- وهذا ما كان فيما يسبق من خبر جبريل، وتخيير النبي صلى الله عليه وسلم أن يخير أصحابه أن يأسروا سبعين على أن يقتل منهم مثلهم بعد ذلك، فوقع ما قد أخبر به جبريل عليه الصلاة والسلام نبينا عليه الصلاة والسلام أن يخبر أصحابه. قال: وخلص المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجرحوه جراحات، وكسروا رباعيته، وقتل مصعب بن عمير بين يديه، فدفع اللواء إلى علي بن أبي طالب، وأدركه المشركون يريدون قتله، فحالدونه نحو عشرة حتى قتلوا، ثم جالدهم طلحة بن عبيد الله حتى أجهضهم عنه، وترس أبو دجانة عليه بظهره، والنبل يقع فيه وهو لا يتحرك، وأصيب يومئذ عين قتادة بن النعمان، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فردها بيده، فكانت أحسن عينين. وصرخ الشيطان: «إن محمدًا قد قتل»، فوقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين، فمر أنس بن النظر يقوم بقوم من المسلمين قد ألقوا بأيديهم، فقالوا: «قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فقال: «ما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه»، ثم استقبل الناس، ولقي سعد بن معاذ، فقال: «يا سعد، إني لأجد ريح الجنة من دون أحد»، فقاتل حتى قتل، ووجد به سبعون جراحة، حتى جاء -كما جاء في الصحيحين- أنه ما عرف إلا بشامة بين بنانه، عرفته به أخته. قال: وقتل وحشي حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، رماه بحربة على طريقة الحبشة. قال: وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو المسلمين، فكان أول من عرفه تحت المغفر كعب بن مالك، فصاح بأعلى صوته: «يا معشر المسلمين، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فأشار إليه أن اسكت، فاجتمع عليه المسلمون، ونهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه -وهو موضع في طرف جبل أحد وهو معروف ليومنا هذا- شعب ضيق، وينتهي إلى مغارة بين الجبل وصخرة عظيمة، وهي التي دخل فيها النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، وبقي تحتها أبو سفيان ومن معه من المشركين، فنادى، ووقع الذي سيأتي -إن شاء الله- ذكره. قال: فلما أسند إلى الجبل أدركه أبي بن خلف على فرس، كان يزعم بمكة أنه يقتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما اقترب منه طعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترقوته، فكر منهزمًا، فقال له المشركون: «ما بك من بأس؟» فقال: «والله لو كان ما بي بأهلي ذي المجاز -يعني أهل ذلك السوق- لمات أجمعين» -يعني من شدة ألم الطعنة التي وجدها من طعن النبي عليه الصلاة والسلام- قال: فمات بسرف، وسرف اسم موضع بالقرب من مكة إلى جهة التنعيم -كما أشار المعلق- قال: وشد حنضل بن أبي عامر على أبي سفيان، فلما تمكن منه حمل عليه شداد بن الأسود، فقتله، وكان حنضل جنبًا، فإنه حين سمع الصيحة وهو على بطن امرأته، قام من فوره إلى الجهاد، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تغسله. وأكثر هذه التفاصيل أصولها في الصحيحين، أو خارج الصحيحين في أحاديث صحيحة. قال: وكان الأصيرم -عمر بن ثابت بن وقش- يأبى الإسلام، وهو من بني عبد الأشهل، فلما كان يوم أحد قذف الله الإسلام في قلبه، للحسنى التي سبقت له، فأسلم وأخذ سيفه، فقاتل حتى أثبتته الجراح، ولم يعلم أحد بأمره، فلما طاف بنو عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم، وجدوا الأصيرم وبه رمق يسير، فقالوا: «والله إن هذا الأصيرم»، ثم سألوه: «ما الذي جاء بك؟ أحبًا على قومك أم رغبة في الإسلام؟» فقال: «بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت»، ومات من وقته، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «هو من أهل الجنة، ولم يصل سجدة قط» -يعني أسلم وقاتل فمات- رضي الله عنه أرضاه. قال: ولما انقضت الحرب أشرف أبو سفيان على الجبل -يعني المكان الذي دخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم- قال: ﴿وَنَادَى فِيكُمْ مُحَمَّدٌ﴾ [آل عمران:153] ﴿فَلَمْ يُجِيبُوهُ﴾ [آل عمران:153] ﴿فَقَالَ فِيكُمْ أَبْنُ أَبِي قُحَافَةَ﴾ [آل عمران:153] ﴿فَلَمْ يُجِيبُوهُ﴾ [آل عمران:153] ﴿فَقَالَ فِيكُمْ أَبْنُ الْخَطَّابِ﴾ [آل عمران:153] ﴿فَلَمْ يُجِيبُوهُ﴾ [آل عمران:153] وفيه منزلة هؤلاء بعد النبي عليه الصلاة والسلام عند المشركين، فضلًا عند المسلمين، قال: فقال: «أما هؤلاء فقد كفيتموهم»، فلم يملك عمر نفسه -يعني يظن أنهم قد قتلوا- قال: فلم يملك عمر نفسه أن قال: «يا عدو الله، إن الذين ذكرتهم أحياء، وقد أبقى الله لك منهم ما يسوءك» -يعني مما سيأتيك بعد ذلك- ثم قال: «أعلوه»، بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا تجيبوه؟» قالوا: «ما نقول؟» قال: «قولوا: الله أعلى وأجل»، ثم قال: «لنا العزة ولا عزة لكم»، قال: «ألا تجيبوه؟» قالوا: «ما نقول؟» قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم»، ثم قال: «يوم بيوم بدر، والحرب سجال»، فقال عمر: «لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار». وأنزل الله عليهم النعاس في بدر وفي أحد، والنعاس في الحرب من الله، وفي الصلاة ومجالس الذكر من الشيطان -يعني في الحرب في وقت الاسترخاء من الله- لأنه سبب للراحة، وكذلك النشاط بعد ذلك، فهي استراحة مقاتل، والغالب على المقاتل أنه لا يجد النوم من الخوف والقلق، وشدة ما يجد من أمر القتال، فإذا ألقي النعاس كان ذلك سببًا لحصول الضد من الطمأنينة وراحة الجسد واستقرار الأعضاء وصحة التفكير، وغير ذلك من المحاسن الأخرى. قال: وقاتلت الملائكة يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين عن سعد، قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بيض، كأشد القتال، وما رأيتهما قبل ولا بعد». وهكذا كذلك جاءت أحاديث أخرى تدل على هذا. طيب، نكتفي بهذا، ونترك الباقي -إن شاء الله- إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.