فضائل شهر رمضان للعلامة ابن باز 7

فضائل شهر رمضان للعلامة ابن باز 7

الدرس في فضائل شهر رمضان للعلامة ابن باز 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مراتب الناس في صلاة القيام وأهمية الخشوع

يُناقش المقطع مراتب الناس في صلاة القيام حسب درجة حضور القلب وإكمال الصلاة. يُبين أن الناس في الصلاة على درجات متفاوتة، فمنهم المعاقب ومنهم المثاب ومنهم المقرب.

أسباب تحقيق الخشوع في الصلاة

يتناول المقطع أسباب الخشوع في الصلاة، مثل حضور القلب ومراقبة الله وفهم وتدبر الأقوال والأفعال. هذه الأسباب تعين على تحقيق الخشوع وتحول الصلاة إلى عبادة حقيقية.

أهمية إصلاح الظاهر والباطن في الصلاة والحفاظ عليها

يؤكد النص على أهمية إصلاح الظاهر والباطن في الصلاة والحفاظ عليها من الشيطان. يجب على المسلم الحفاظ على صلاته بإكمال أركانها وشروطها وتحقيق الخشوع فيها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى في كتابه، وفي رسالته «فضائل شهر رمضان»: قال: وينبغي أن يعلم أن المشروع للمسلم في قيام رمضان، وبسائر الصلوات، الإقبال على صلاته والخشوع فيها والطمأنينة في القيام والقعود والركوع والسجود، وترتيل التلاوة وعدم العجلة؛ لأن روح الصلاة والإقبال عليها في القلب والقالب، والخشوع فيها، وأداؤها كما شرع الله بإخلاص وصدق ورغبة ورهبة وحضور قلب، كما قال الله سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجعلت قرة عيني في الصلاة». وقال للذي أساء في صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها». وكثير من الناس يصلي في قيام رمضان صلاة لا يعقلها ولا يطمئن فيها، بل ينقرها نقرًا، وذلك لا يجوز؛ بل هو منكر لا تصح معه الصلاة؛ لأن الطمأنينة ركن في الصلاة لابد منه، كما دل عليه الحديث المذكور آنفًا؛ فالواجب الحذر من ذلك. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته»، قالوا: يا رسول الله، كيف يسرق صلاته؟ قال: «لا يتم ركوعها ولا سجودها». وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر الذي نقر صلاته أن يعيدها. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل بعد أن ذكر كلامه رحمه الله تعالى على صلاة التراويح، صلاة القيام في رمضان، وسبق الكلام على ذلك؛ ناسب أن يذكر رحمه الله هنا صفة هذا القيام، وأن المقصود ليس هو إقامة الصلاة في الظاهر مع عدم إقامتها في الباطن. فالمطلوب من إقامة الصلاة الإقبال عليها بالقلب والقالب؛ يعني بالجوارح في الظاهر، وبحضور القلب في الباطن. وأعظم من هذا أن لا يؤدي المسلم هذه الصلاة على الوجه الذي يكون به كمالها وتمامها. وأفضل هذه الصلاة أن تكون على أعلى مراتبها، بأن يكون صاحبها قد أقبل بجوارحه، وأدى هذه الصلاة بشروطها وأركانها واجباتها، وكذلك حدودها على أكمل وجوهها. وهكذا في باطنها بإقبال قلبه وخشوعه وخضوعه، وحسن تعبده لربه وخالقه، حتى تنتهي وتنقطع تلك الوساوس والخواطر التي تعكر الباطن، كما أنها ربما تؤثر على الظاهر. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «الوابل الصيب» أن الناس مع هذه الصلاة على أربعة مراتب: فمنهم من هو المعاقب، ومنهم من هو المحاسب، ومنهم من هو مكفر عنه، ومنهم المثاب، ومنهم المقرب من ربه سبحانه وتعالى في هذه الصلاة. فأما المعاقب: فهو الظالم لنفسه المفرط فيها في طهورها ووقتها وحدودها وصفاتها، وربما في واجباتها. وهؤلاء المعاقبون درجات في دركات بقدر تفريطهم ونقصهم وتقصيرهم في تلك الواجبات والشروط والأركان وغيرها مما هو من ظاهر هذه الصلاة. وأما المرتبة الثانية: فهو الذي حرص على الظاهر من الطهارة والشروط والحدود وغيرها، ولكن ربما فرط في بعضها، أو كذلك حصل له تفريط أكثر بكثرة الوساوس والأفكار وغير ذلك. وهؤلاء كذلك درجات بحسب ما يكون من تسليط الشيطان على صلاتهم. وعلى هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «يكتب للعبد من صلاته ربعها، عشرها، إلى آخره». وذلك بحسب حضور قلبه، وإكمال هذه الصلاة في ظاهرها وفي باطنها. وأما المرتبة الثالثة: المكفر عنهم، من حرص على المحافظة على ظاهرها وحدودها وشرائطها واجباتها وغير ذلك، واجتهد وجاهد في إصلاح الباطن؛ فهذا بهذه المجاهدة المستمرة يحصل على أجر ومرتبة أعلى من صاحب المرتبة الثالثة. وأما المثاب: وهو الذي قام بهذه الصلاة فأكملها في ظاهرها، واجتهد في إكمال باطنها، فاستغرق قلبه شأن الصلاة، وحرص على عبودية ربه سبحانه وتعالى، لكنه لا يزال يجاهد، ولم يرتقِ به يقينه وعمله أن يكون مع المرتبة الخامسة. وأهل المرتبة الخامسة هم الكمل من عباد الله من النبيين والصديقين، ومن وفق إلى ذلك من صالح عباد الله الصالحين الذين صاروا من المقربين من ربهم؛ لما كان من ثمرة جدهم واجتهادهم في إصلاح هذه الصلاة، فقد اجتهدوا اجتهادًا عظيمًا في إصلاح ظاهرها بالإخلاص والمتابعة، وكذلك إصلاح باطنها بحسن الخضوع والذل والقيام بمعاني العبودية؛ حتى صارت صلاتهم كلها شهادة. فعندهم من الشهود والحضور واليقين وحسن المراقبة والوصول إلى مرتبة الإحسان ما يجدون به لذة لهذه الصلاة؛ فإنهم يستشعرون استشعار يقين أنهم بين يدي الله عز وجل في ركوعهم وسجودهم ومناجاتهم؛ فلذلك يجدون لذة في تلك المناجاة. وعند ذلك يحصل لهم من قرة العين وراحة البال والسرور والحضور ما يجعل هذه الصلاة راحة لهم. وهذا الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أرحنا بها يا بلال». وبه نعرف أن أهل هذه المراتب الخمسة يتفاوتون بقدر إقبالهم على هذه الصلاة في ظاهرها وفي باطنها. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الحارث الأشعري عند أحمد والترمذي بإسناد حسن، والحديث فيه قصة في وصية يحيى بن زكريا، وذكره شيخنا مقبل بالصريح المسند مما ليس بالصريحين، وفيه قوله: «إذا صليتم فلا تلتفتوا؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت». وهذا الالتفات فسره العلماء بالالتفات الحسي بما يكون من لفت الوجه والرأس والعين وحركة الجوارح، والالتفات المعنوي من التفات القلب والخروج عن الصلاة إلى خارجها، أو الخواطر أو كذلك الهواجس وغير ذلك مما يهجم بها الشيطان على القلب. فمتى ما أقبل العبد على ربه ولم يلتفت إلى غيره كملت صلاته. وعند ذلك نعلم معنى قول الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِدُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. فمرتبة الخشوع مرتبة عليّة؛ ولهذا كانت لهم الدرجة العلية في الجنة، وهي الفردوس؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى؛ فإنه أعلى الجنة وأوسطها». فالفردوس أعلى الجنة، وهي أعلى مراتب أهل الإيمان بما كان من تلك أخصال الإيمان الكثيرة، ومن أعظمها التي ذكرت في أول صفاتهم خشوعهم في الصلاة. ومن أسباب جلب الخشوع في الصلاة أولها: حضور القلب. كلما كان القلب حاضرًا فإنه بإذن الله سبحانه وتعالى يصل بذلك إلى الخشوع. ومما يعين على حضور القلب مراقبة الله عز وجل ومناجاته في أقواله وأفعاله؛ فكلما حرص على هذه المناجاة وهذه المراقبة فإنه بإذن الله سبحانه وتعالى يكون قلبه حاضرًا غير شارد، وكذلك منتبهًا غير غافل. ومن هذه الأسباب الفهم التدبر للأقوال والأفعال؛ وكلما انتقل من ركن إلى آخر، ومن فعل إلى آخر، ومن ذكر إلى آخر تدبر هذه الأقوال والأفعال وفهمها، وقام بمقتضاها بما يعينه بإذن الله تعالى على الوصول إلى الخشوع. وهكذا ثالثها: القنوط بالإقبال على الله والانصراف عما سوى الله إذا دخل في الصلاة. ولهذا كان الصالحون من عباد الله إذا دخلوا في الصلاة نسيوا ما حولهم. وقد ذكر العلماء من القصص الغريبة والعجيبة في هذا القنوط الذي كان عليه سلفنا وإمامنا وعلماؤنا؛ حتى إنهم ربما ما شعروا بما يدور حولهم من شدة إقبالهم على ربهم وقنوطهم له في صلاتهم؛ حتى إن بعضهم -كما يروى عن عروة بن الزبير- احتاج إلى طباء أن يقطعوا رجله، وما استطاعوا أن يستخدموا له المخدر؛ فاستأذنوه فقال: إذا دخلت في الصلاة فافعلوا ذلك. فدخل في صلاته فقطعوا رجله وما أحس بذلك؛ لما كان من شدة انشغاله وإقباله على الله وإقامته إليه في صلاته، رحمه الله رحمة واسعة. وكما ذكر عن بعضهم: إن هدم جدار المسجد وهو في صلاته، شعر من في المكان، وجاءوا هرعين يخافون عليه ويعلمون أنه يتعبد الله في تلك الساعة، فما وجدوا قطعه صلاته. فلما سألوه قال: «والله ما شعرت أن الجدار قد انهد»؛ بشدة إقباله على صلاته ومناجاته لربه سبحانه وتعالى ما شعر بانهدام الجدار. وخاف من في المكان وهو منشغل بهذه العبادة. ورابعها: الحياء مع الله، والأدب معه في هذه الصلاة؛ فإن من استحضر هذا في صلاته من أولها إلى آخرها أثمر ذلك حسن أداء لهذه الصلاة. وخامسها: حسن المناجاة؛ فإنه يستحضر هذه المناجاة في أفعالها وفي أقوالها. ومما يعين على ذلك ما جاء في صريح مسلم وغيره في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وفيه أنهم سألوه عن الرجل يصلي خلف الإمام: أيقرأ الفاتحة؟ قال: «يقرأ بها؛ إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الله عز وجل: أثنى علي عبدي». وجاء الحديث وفيه كيف أن الله عز وجل ينادي المصلي إذا قرأ الفاتحة جملة جملة؛ حتى إذا وصل: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: «هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل». فهذه المناجاة إذا استحضرها العبد جاءه من الخشوع ما يورث له القرب من الله سبحانه وتعالى والإقبال على هذه الصلاة، ويجد لها حلاوة وتأثيرًا؛ وربما دفعت عينه وخشع قلبه، وحصل له من السكون والانكسار بين يدي الله ما لا يجده إذا لم يكن مع هذه المناجاة. ومنها كذلك: تنوع العبادات؛ فينوع الأذكار وينوع الأفعال بما وردت به السنة؛ فهذا التنويع يخرجه من أن تكون الصلاة عادة إلى أن تصير عبادة. وأما إذا كرر شيئًا يكرره بكل وقت وحين تنقلب العبادات إلى عادات. وأما إذا نوع الأفعال -وهذا من أسباب وحكم هذا التنويع- فإنه تنقلب هذه العبادة إلى عبادة أعظم منها، وتخرج من كونها عادة. وآخرها وأهمها: حراسة هذه الصلاة من أولها إلى آخرها، مثل المصلي مع صلاته كمثل التاجر مع تجارته، وحوله السراق واللصوص يريدون غفلته ليسرقوا ماله وتجارته؛ فهو حريص على أن يلفت يمنة ويسرة وأمامًا وخلفًا مع قيامه بما يقوم به في تجارته؛ فهو حريص أن لا يسرق أحد منه شيء من تجارته ومن ماله. والمسلم مع صلاته ينبغي أن يكون أبخل وأحرص على صلاته؛ أن لا يسرق منها الشيطان شيئًا لا من ظاهرها ولا من باطنها، لا من أقوالها ولا من أفعالها، لا من كذلك حسها ولا من معانيها؛ يحرص على ذلك أشد الحرص. وبذلك بإذن الله تعالى يوفق إلى صلاة كاملة. ومن أحوال الناس مع الصلاة كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: أنهم على ثلاثة أحوال: فمنهم مثلهم كمثل الملك المحروس، ومنهم من مثله كمثل الفقير الذي لا مال له، ومنهم مثله كمثل الغني الذي هو بلا حراسة. وذلك أن المصلي إذا صار منشغلًا بالشهوات فإنه يكون كالملك الذي بلا حراسة؛ يهجم عليه الشيطان؛ لأنه علم أنه بغير حراسة. وأما إذا كان ملكًا محروسًا -يعني يجتهد ولكن ما زال قلبه معلقًا بتلك الشهوات- صار كالذي يأتي لنفسه بمن يسرقه؛ لأنه أوجد سبب ما يسرق. أما الذي أزال عن نفسه الشهوات والتعلق بها -وهو كالفقير الذي لا يجد السارق ما يسرق منه- عن اليهود وأنهم لا تأتيهم الوساوس كما يأتي أهل الإسلام؛ فقال رضي الله عنه وأرضاه: «ما يصنع السارق أو قال الشيطان في بيت خرب؟ مثل اليهود كالبيوت الخربة التي ليس فيها ما يسرق؛ فما يدع أن يأتي السارق فيسرق من البيت الخرب». ما يأتي إليهم. وهكذا كذلك بالنسبة للمسلم؛ فإن الشيطان يحرص عليه؛ فإذا حرس صلاته أعانه الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك من الأمور العظيمة التي تعين على إصلاح هذه الصلاة: أن يقرأ في حال سلفنا وإمامنا وتعظيمهم لهذه الصلاة. فقد جاء عن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه كان يقول ويخطب في خطبته: «إن الرجل لا يشيب رأسه حتى يضعف إسلامه». قالوا: كيف ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: «لا يتم خشوعه». تأمل هذه الجملة العظيمة: «إن الرجل لا يشيب يعني يكبر سنه حتى يصير شيبة، ومع ذلك إسلامه ضعيف؛ يعني كيف أن الإنسان يمشي به العمر وإسلامه لا يتقوى، ما هو السبب؟ حتى قال: وما أكمل الله له صلاة؛ السبب هو أنه لم يصلح صلاته». قالوا: كيف ذاك يا أمير المؤمنين؟ كيف أن هذا الرجل لم يصلح صلاته فلم يصلح إسلامه؟ قال: «لا يتم خشوعها». معناه: الذي لا يتم الخشوع لا يتم الصلاة، والذي لا يتم الصلاة لا يتم الإسلام؛ فالإسلام من أعظم ما يصلحه الصلاة، ومن أعظم ما يصلح الصلاة الخشوع. وكان العلماء والأئمة يقولون: «لا صلاة بغير خشوع، ولا إسلام بغير صلاة». لا صلاة بغير خشوع، ولا إسلام بغير صلاة. ولهذا كان سلفنا وإمامنا يعتنون بهذه الصلاة ويجدون منها لذة؛ كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم. وأشار إلى حديث: «وجعلت قرة عيني في الصلاة». وهو قطعة من حديث: «حبب إلي من دنياكم ثلاث». ولفظة «ثلاث» ضعيفة؛ الصحيح فيها الإرسال. وجاء في رواية أخرى: «حبب إلي من دنياكم الضرب بالسيف والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة». وهذه أكثر أهل العلم على تحسينها. ورجح بعض الحفاظ أن الراجح فيها رواية حماد بن زيد مرسلة، وأنها لم تصح مرفوعة موصولة. ولكن حسن بعض أهل العلم الجملة الأخيرة: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» لإتيانها من أوجه أخرى؛ فيكون الجملة الأخيرة معناها حسن، وإسنادها عند بعض أهل العلم حسن. ويدل عليه عمومات كثيرة. فقوله عليه الصلاة والسلام: «وجعلت قرة عيني في الصلاة»؛ أي: أن هذه الصلاة بالنسبة لمن وفق للوصول إلى أعلى مراتبها -كما تقدم معنا- تكون له قرة عين؛ فيتلذذ بها. وهكذا كان علماؤنا وإمامنا. دخل عروة بن الزبير مرة على عائشة وهي تصلي بالليل وتقرأ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ تكررها وتبكي وترددها، رضي الله عنها وأرضاها. هكذا كان أنسهم في صلاتهم، رحمهم الله ورضي الله عنهم وأرضاهم. وقوله رحمه الله تعالى في حال المصلي الذي ينقر الصلاة إلى آخره: هذا أشد؛ وهو الذي لا يقيم أركان الصلاة وشروطها؛ فإن من الناس -وهذا يكفر بصلاة التراويح- أنهم يريدون الانتهاء من الصلاة؛ فينقرونها نقرًا؛ حتى يسيئوا في الصلاة. وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين بحديث أبي هريرة- حديث المسيء صلاته؛ الرجل ثلاث مرات، وهو يقول: «ارجع فصل فإنك لم تصلي»؛ حتى قال بعدها: «والله يا رسول الله لا أحسن غيرها؛ فعلمني». فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصلاة. فكان بذلك ما علمنا في صفة حديث المسيب في صلاته. وقوله: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته»؛ يشير إلى الحديث الذي فيه ضعف؛ وجاء عن عدد من الصحابة؛ يحسن بعض أهل العلم بمجموع طرقه ومعناه صحيح؛ وهو أن الشيطان يسرق من الإنسان في صلاته. وقد علمنا ذلك فيما تقدم: بأنه إذا لم يتم ظاهرها أو لم يتم باطنها؛ سرق الشيطان من هذه الصلاة؛ فعلى المسلم أن يحافظ على هذه الصلاة بالحرص على إصلاح الظاهر وإصلاح الباطن. إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.