فضائل شهر رمضان للعلامة ابن باز 6

فضائل شهر رمضان للعلامة ابن باز 6

الدرس في فضائل شهر رمضان للعلامة ابن باز 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فرضية صيام رمضان وأهميته

يشرح فرضية صيام شهر رمضان وأهميته في الإسلام وأنه أحد أركان الإسلام الخمسة. يشير إلى أن الصيام كان مفروضًا على الأمم السابقة ويهدف إلى تحقيق التقوى.

فضل الصيام وأثره في الحسنات والسيئات

يُبين أهمية الصيام وأجره العظيم عند الله، حيث يُضاعف الحسنات ويكفر السيئات. كما يُشير إلى أن قيام رمضان ليس له حد محدود.

مزايا الصيام ومفطراته

يُبيّن فضل الصيام ومزاياه، حيث يُفرح الله عباده الصائمين، ويُوضح بعض المفطرات التي لا تفطر الصائم مثل حقن تخفيض الحرارة والمضادات الحيوية.

القول الراجح في المسائل الفقهية

يُشرح القول الراجح في المسائل الفقهية المتعلقة بالصيام، وهو القول الذي يتوافق مع عمومات الأدلة الشرعية ويعتبر أعدل الأقوال وأحسنها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى، وقال في كتابه «فضائل شهر رمضان» أو في رسالته «فضائل شهر رمضان»: واد أخبر الله سبحانه وبكتابه العزيز أنه كتب علينا الصيام كما كتبه على من قبلنا، وأوضح سبحانه أن المفترض علينا هو صيام شهر رمضان، وأخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أن الصيام هو أحد أركان الإسلام الخمسة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ إلى أن قال عز وجل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. قالوا بالصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت». والأفصح والأفضل: «شهادة على بدل بعض». ذكر رحمه الله تعالى هنا موضعًا آخر من مباحث ومواضيع الصيام، وهو أن الصيام كتبه الله عز وجل، ومعنى كتبه: أي فرضه، فالصيام فريضة من فرائض الله، ولفظ «كتب» في اصطلاح الشرع من معاني «فرض»، إلا أن الكتابة فيها زيادة إيضاح أن هذا المفترض قد كان قبل فرضه مكتوبًا، أي أن فرضه سابقًا، ففيه فوق زيادة الفرض الكتابة، سواءً باللوح المحفوظ أو كذلك على الأمم السابقة. وهو بالنسبة للصيام بالمعنين جميعًا، فهو كتب في اللوح المحفوظ كسائر المفترضات، وكتب على الأمم السابقة. لهذا قال: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: كما فرض على الذين من قبلكم. وأفاد هذا ثلاثة أمور: الأمر الأول أفاد تسلية هذه الأمة أن الصيام ليس خاصًا بكم، بل الأمم السابقة كان عندها الصيام. وأفاد ثانيًا كذلك أن الصيام من لوازم الدين العظام ومبانيه الكبار، ولهذا ما كانت أمة إلا وفيها صيام، ما بعث نبي من الأنبياء إلا كان من شرائع دينه الذي بعث به الأمر بالصيام، كما أن الصلاة كذلك فرضت على الأمم جميعًا، ولكن كيفية هذه الصلاة وكيفية هذا الصيام يختلف من شريعة إلى شريعة، ومن دين إلى دين. وأكمل هذه الشرائع وأحسنها ما جاء في شريعة الإسلام التي كانت خاتمة لسائر الأديان. وهكذا كذلك ثالثًا في هذا أمر آخر عظيم، وهو الإشارة إلى أن الله عز وجل اختص هذه الفريضة بالكتابة دون غيرها لأهميتها ولعظيم منزلتها، ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ولهذا صارت كذلك من مباني هذا الدين العظام. ثم ذكر رحمه الله تعالى الآية، وفيها من فضائل شهر رمضان نزول القرآن، وأنه كذلك سبب لهداية الناس وإظهار البينات لهم، فيفرق بين الضلال والهدى وطريق الخير من غيره، وكذلك فيه من الأحكام. وسيأتي إن شاء الله أن من شهد هذا الشهر أي حضره فليصم، ومن لم يحضره حسًا كالمسافر أو لم يستطع حضوره معنًى كالمريض فإنه يرخص له الفطر. فاستدل العلماء بهذا أن أصول الرفض في الفطر تأتي بمعنيين اثنين: عدم الحضور الحسي كالمسافر، وعدم الحضور المعنوي أي عدم الاستطاعة، وذلك كالمريض. فيدخل من معنى عدم الحضور المعنوي الذي لا يطيقه من أصحاب الأمراض المزمنة، وهكذا التي تخاف على جنينها كالحامل والمرضع، ومن كان بمعنى هؤلاء على الصحيح من أقوال أهل العلم. وستأتي تفاصيل إن شاء الله في الأحكام قريبًا بإذن الله تعالى. ثم ذكر رحمه الله تعالى حديث عبد الله بن عمر، وفيه عنه عليه الصلاة والسلام أن الصيام أحد مباني هذا الدين العظام الذي لا يقبل دين الإسلام إلا به. ولهذا جاء نقل ابن رجب رحمه الله في شرح الأربعين والخمسين في شرح هذا الحديث أن أحد قولي السلف التكفير بترك الصيام، التكفير بترك الصيام. ولكن الصحيح من أقوال أهل العلم أن ترك الصيام يكون كفرًا أكبر إذا كان على وجه الجحود، وأما إذا كان على وجه التكاسل فإنه يكون كفرًا دون كفر، ويكون كبيرةً من الكبائر، وليس كفرًا مخرجًا من دين الإسلام، والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: أيها المسلمون، إن الصوم عمل صالح عظيم، وثوابه جزيل، وليس ما صوم رمضان فقط، فإن الصوم الذي فرضه الله على عباده وجعله من أسباب الفوز لديه. وقد ثبت بالحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: «كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي. للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وسلسلت الشياطين». وخرج الترمذي بن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، ويناد مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة». وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله» رواه الطبراني. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» رواه النسائي. وليس في قيام رمضان حد محدود، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقف لأمته بذلك شيئًا، وإنما حدثهم على قيام رمضان، ولم يحدد ذلك بركعات معدودة. ولما سئل عليه الصلاة والسلام عن قيام الليل قال: «مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى» أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين. فدل ذلك على التوسعة بهذا الأمر، فمن أحب أن يصلي عشرين ويوتر بثلاث فلا بأس، ومن أحب أن يصلي عشر ركعات ويوتر بثلاث فلا بأس، ومن أحب أن يصلي ثمان ركعات ويوتر بثلاث فلا بأس، ومن زاد على ذلك أو نقص عنه فلا حرج عليه. أورد رحمه الله تعالى هذا الفصل في الكلام على عظيم فضل الصيام، وأنه عمل صالح عظيم وثوابه جزيل. وقد تقدم معنا في أول الرسالة مواضع كثيرة من معاني بركته وعظمته، فهو سبب لحصول خيرات كثيرة حسية ومعنوية لا يحصيها إلا الله سبحانه وتعالى. ومن ذلك مضاعفة الحسنات حسًا ومعنى، ومن ذلك كذلك تكفير السيئات، وغير ذلك مما مر معنا وتقدم، وجعله الله عز وجل سببًا للفوز في الدارين. أما في الآخرة فبالجنة، وأما في الدنيا بالاقتباس بهذه الحسنة ورضى الله سبحانه وتعالى. وهذا ما جاء في حديث أبي هريرة الذي أشار إليه أن الصائم له فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة إذا لقي ربه بما يعد الله عز وجل له من الثواب الكبير الذي اكتنزه في عظيم جنته التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه وحديث عظيم، وقد تقدم معنا عددًا من جملة بما يغني عن إعادته مرة أخرى. وقد مر معنا كذلك معنا هذه المضاعفة كيف أن الحسنات تضاعف على أوجه كثيرة من جهة الحس ومن جهة المعنى. وهكذا كذلك كيف أنه تكفر السيئات، وكيف أنها لما كانت عبادة خفية بين العبد وربه لا يعلم ذلك إلا الله، جعل الله عز وجل ثوابها كذلك خفيًا لا يعلم ذلك إلا الله، اكتنزه ربنا سبحانه وتعالى العظيم الكريم لعبده في ذلكم اليوم العظيم بثواب كبير وجزيل يجازي به سبحانه وتعالى. فإذا كان كذلك ففي هذا فرحة عظيمة، ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن للعبد فرحة أي فرحة عظيمة إذا لقي ربه. إذا كنت ستفرح إذا لقيت من سيكرمك في هذه الدنيا، والإكرام على قدر المكرم، فكيف بأكرم الأكرمين وأغنى الأغنياء وأرحم الراحمين؟ كيف سيكون إكرامه سبحانه وتعالى؟ فإنه سيكون إكرامًا عظيمًا جزيلًا. وهذا قليل من كثير من مزايا وفضائل الصيام. وقوله: «يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» تقدم معنا أن هذا في ذكر المفطرات الثلاث أصول المفطرات التي هي الشهوة، وتتناول الشهوة الجماع والإنزال، وكذلك الطعام والشراب، وكل ما يدخل في معنى الطعام والشراب كالمغذيات التي تقوم مقام الطعام والشراب فإنها كذلك من المفطرات. وما لم تكن بمعنى الطعام والشراب كحقنة تخفيض الحرارة أو كذلك المضادات الحيوية أو ما كان بمعناها مما لا تقوم مقام الطعام والشراب، فالصحيح أنها لا تضر بالصائم، بل كذلك بعضها أكبر منها مثل الغسيل الكلوي ونحو ذلك. اختلف أهل العلم، والصحيح أنها لا تفطره إلا إذا ضعفته فيفطر لأجل ضعفه لا لأجل هذا الغسيل، لأن الغسيل عبارة عن إخراج السموم وليس فيها معنى من معاني الطعام والشراب، هذا هو الصحيح من كلام أهل العلم في هذا الحديث. وهكذا ذكر رحمه الله تعالى من المسائل أنه إذا دخل رمضان تفتح أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران وتسلسل الشياطين. وتقدم معنى الكلام على معنى هذا بما يغني عن الإعادة، وأن المراد بسلسلة الشياطين قيل أنها المردة، وقيل غير ذلك. والصحيح من أقوال أهل العلم أنها المردة، بدليل وجود الذنوب والمعاصي المنتشرة بين الكافرين والفاجرين، بل وبعض صالحي المسلمين، فلا يسلم إنسان من ذم وخطيئة في كل لحظة وحين. ولكن بين مزيد ومنقص: مستكفر ومقل، والموفق وفق الله، والمعصوم عصمه الله. ومما يعين على التوفيق والعصمة بعد فضل الله سبحانه وتعالى كون الإنسان يوفق لهذا الشهر الكريم هذا الشهر المبارك الذي أكرم الله عز وجل عباده بما فيه من أنواع المكرمات وأنواع البركات. فيكون بإذن الله سبحانه وتعالى سببًا لعانة العباد على الإقصار من الذنوب والمعاصي بصف تصفيد مردة الشياطين، فيبقى القرين ويبقى صغار الشياطين الذين يكون منهم التأثير، لكن التأثير الضعيف على القول الصحيح. وأشار إلى حديث: «إذا كان أول يوم من رمضان» والصحيح أن الحديث ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكن بعض جملة صحيحة تدل عليها بعض الأحاديث الصحيحة وعمومات الأدلة التي تغني عن هذا الحديث الضعيف. وهكذا كذلك أورد الحديث بأبي هريرة بعده، وهو حديث ضعيف كذلك لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه جمل صحيحة معناها يدل عليه أحاديث أخرى صحيحة يغني الصحيح عن هذا الضعيف. وأشار أخيرًا إلى مسألة صلاة الليل وأنها بغير عدد محدود، وهذه مسألة خلافية بين أهل العلم. والصحيح من أقوال أهل العلم أن الأفضل والأكمل الاقتصار على إحدى عشرة ركعة، ومن قام من النوم زاد ركعتين يستفتح بهما الصلاة لحديث ابن عباس في الصحيحين، ومعناه في مسند الإمام أحمد بسند صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وذلك لأجل أن تحل عقد الشيطان الثلاثة، فإذا قام من النوم وذكر الله انحلت العقدة الأولى، ثم توضأ وتطهر انحلت العقدة الثانية، ثم صلى انحلت العقدة الثالثة، وبهذا يدخل في الصلاة نشيطًا. إحدى عشرة ركعة التي جاءت في حديث عائشة في الصحيحين: «ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة»، هذا الأفضل والأكمل. وإذا زاد لمصلحة أو لأخرى فلا حرج في ذلك إن كان هذا لا يشق على الناس فلا حرج في ذلك. وعلى هذا حديث ابن عمر: «صلاة الليل مثنى مثنى» في الصحيحين، معناه على الصحيح: لا حرج لمن أراد أن يصلي أن يزيد على إحدى عشرة ركعة إن نشط على ذلك. فمن صلى مثلًا إحدى عشرة ركعة ثم نشط في آخر الليل فأراد أن يصلي لا نقول له: لا يجوز لك أن تصلي، وأنك تصليت بعلّة إثم أو بجنة، لا، هذا ليس صحيحًا. بل إذا نشط أن يصلي نقول: صلِ مثنى مثنى، لكن لا وتران في ليلة واحدة كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا هو أعدل الأقوال وأحسنها، وقول المحققين من أهل العلم قديمًا وحديثًا، وهو الذي يبطله عمومات الأدلة. وهذا نكتفي وإلى هنا، والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.