الأفكار الهدامة

الدرس في الأفكار الهدامة، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التعريف بأهمية دين الإسلام

يُبين الشيخ أهمية دين الإسلام ونعمة الله تعالى بإرسال الرسول إليهم وتعليمهم الكتاب والحكمة. يُشدد على ضرورة التمسك بدين الإسلام.

تحذير من مخالفة أوامر الله واتباع الديمقراطية

يجب طاعة ولاة الأمور في طاعة الله وعدم نزع الإمارة لأن ذلك يسبب التفرق. اتباع الديمقراطية يخالف أحكام الله ويسبب مفاسد عظيمة.

الحكمة من تحريم بعض الموبقات

الله يحرم الأشياء التي ضررها أكبر من نفعها مثل الخمر. يجب طلب الفقه في أمور الدين واتباع الحق واجتناب الباطل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله جل وعلا أكرمنا بهذا الدين العظيم، دين الإسلام، الذي جعله جل وعلا سببًا لخيرية الناس في هذه الدنيا وفي الدار الآخرة. هذا الدين العظيم الذي قال الله عز وجل عنه: ﴿إِنَّ الدِينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، والذي قال عنه سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. إن هذا الدين العظيم، عباد الله، الذي أمرنا الله جل وعلا بالاستمساك به، وأمرنا بالاعتصام بكل ما فيه أولًا وآخرًا، صغيرًا وكبيرًا، كما قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. اعلموا أن هذه النعمة العظيمة التي امتن الله جل وعلا بها علينا في آيات كثيرة، كقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وكقوله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. إن هذه النعمة العظيمة، عباد الله، لا تستوفى ولا تستكمل ولا تبقى، ولا يظهر صاحبها بها وينتفع بها في الدنيا والآخرة، إلا إذا حرص عليها وحرص على أن لا يقع فيما ينافيها. ولهذا كان دين الله جل وعلا يجتمع في كلمتين اثنتين: إثبات ونفي، أن تثبت ما أثبت الله جل وعلا، وأن تنفي وتنتفي عما نفاه ونهى عنه سبحانه. أمرك الله جل وعلا بالإسلام ونهاك عن الكفر، أمرك الله جل وعلا بالإيمان ونهاك عن النفاق، أمرك الله جل وعلا بالطاعة ونهاك عن المعصية. «أنت تقرأ الصراط المستقيم: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، أنت تقرأ قول الله جل وعلا: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾، أنت تقرأ قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾». بل الله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّتَّبِعُوا أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. اعلموا، عباد الله، أن أعداء هذا الدين يحرصون أشد الحرص على صرف أهل الإسلام عن هذه النعمة العظيمة، وعن هذا الخير العظيم الذي يوفق له الكثير منهم. لا يعرفون قدر هذه النعمة، والقليل منهم من عرف قدر هذه النعمة. ومع ذلك كله، فحرص أعداء هذا الدين على صرف أهل هذه النعمة عنها بوسائل شتى. أحيانًا بمهاجمة الإسلام والمسلمين، مهاجمة حسية بالحروب الطاحنة، ووسائل الإفساد الكثيرة. وأحيانًا أخرى بمحاربة كل ما يتصل بهذا الإسلام من معاني وأحكام، فيشوهون جمال هذا الدين، ببث ما ينافيه في المجتمعات المسلمة، وبنشر أفكار منحرفة وطرقًا ضالة تصرف الناس عن هذه النعمة العظيمة جملة وتفصيلًا. أفكارًا اقتصادية، وأخرى سياسية، وأخرى ثقافية وفكرية، حتى يلقى أهل الإسلام أشباحًا بالأرواح، ليس عندهم من هذا الإسلام إلا اسمه، وليس عندهم مما أنزل الله جل وعلا من القرآن إلا رسمه. لا يعرفون من الإسلام إلا مظاهر وعادات. حرص أعداء هذا الدين وأتباعهم من المنافقين بين المسلمين على حصر أحكام هذا الدين ومظاهره في شعائر خاصة. إما في شهر رمضان، بصيام وإعلان دخول الشهر وخروجه، وإما بإظهار الأعياد، أو غير ذلك. فتحصر أحكام الإسلام بذلك، بينما يحارب هذا الدين بأفكار منحرفة تبث في المجتمع. يراد منها أخذ ما يستطاع من المسلمين: اشتراكية، رأسمالية، علمانية، وغيرها من الدعوات الكافرة الفاجرة. وربما دعوات أخرى تنتسب إلى الإسلام والإسلام منها براء. «اشتراكية إسلامية»، أو كذلك إثارة بعض ما ينافي هذا الدين من الزندقة التي تنتسب إلى الإسلام والإسلام منها براء. فتجدهم يهيجون وينشطون دعوات أهل البدع والأهواء، من دعوة الشيعة والرافضة والباطنية من الإسماعيلية وغيرهم، أو كذلك المتصوفة وعباد القبور، وما إلى ذلك من فرق أخرى. بل وفرق تنتسب إلى الإسلام بانتسابات حزبية سياسية، والإسلام منها براء. يفرح أعداء الدين لذلك، عباد الله، لأنهم يريدون أن يفرقوا كلمة المسلمين. يعلمون أن هذا مما يضعف قوتهم، ويهدر جمعهم، ويشتت شملهم، ويكون بذلك الظفر لأعداء هذا الدين على أهل هذا الدين. وإلا فلو اعتصم أهل هذا الدين بقول الله سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، لعلموا أن كل ما ينافي هذا الدين وجب تركه ونبذه، وكل ما لم يكن من دين الله جل وعلا وجب الحذر منه. فكيف ينضاف إلى ذلك ما فيه من صراحة، وما يظهر منه من مخالفة ومنابذة هذا الدين العظيم؟ وهذا كذلك، عباد الله، يحصل بإيجاد أسباب التفرق، أسباب التفرق الشتى، سواء بمجالات سياسية، يظهرون ويلزمون بالدعوات الحزبية في المجتمعات المسلمة، لأجل أن يتفرق أهل الإسلام، ويبقى الإسلام بين تناحر وتفرق. وإن لا، فدين الإسلام يأمر بالطاعة لولاة الأمور، ما داموا مسلمين، ما أقاموا الصلاة. كما جاءت بذلك الأحاديث الكثيرة المتوافرة. فإن دين الإسلام دين المصالح وجلبها، ودرء المفاسد ودفعها. ومن ذلك أن من عقيدة أهل هذا الدين، الذي دلت عليه الأصول الشرعية والقواعد المرعية، أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. فإن ولاة الأمور، ولو وقع منهم شيء من الفسوق أو الهجور، تجب طاعتهم طاعة لله جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. إن طاعة ولاة أمور المسلمين في طاعة الله، لا في معصية الله. إنما الطاعة بالمعروف. هذه الحقيقة التي يجب أن يعرفها أهل الإسلام، وبها يعرفون أن هذه الأحزاب ومنافذتها لولاة الأمور، ومنافذتها على ذلك، شيء ليس من دين الله جل وعلا بشيء. بل هو مما ينافي عقيدة أهل السنة والجماعة، وهو مما يكون به طريقًا لأهل البدعة والفرقة. وهو ينافي النصوص الشرعية الكثيرة التي جاءت في الكتاب وفي السنة بطاعة ولاة الأمور. فكيف بمنادتهم في الحكم، ومنادتهم بالشورى؟ فإن ذلك ليس من دين الله جل وعلا بشيء. أهل السنة، عباد الله، يقولون ذلك، لأن ذلك ليس من دين الله، ليس طمعًا بشيء من أغراض الدنيا. فهم من أبعد الناس عن أبواب السلاطين، وعن مواضع الإمارة، وعن طلب الكراسي والمنافسة فيها. مغربين بدعوات حزبية، ولا بمنافسات سياسية، ولا بمجاملات طمع الأبعد الناس عن ذلك. ولكنه دين يدينون لله جل وعلا به، ولهذا يبثونه بين الناس. لأن شر عاقبة ذلك سبب لفساد أرضهم ومجتمعهم، وذهاب الأمن من هذا المجتمع، بحصول الشر والتفرق. فليس من نعوت أهل السنة والجماعة، ولا من دين الإسلام في شيء، منابذة أولي الأمر، ونزع الإمارة منهم. ليس أراد من دين الله جل وعلا به شيء. ولو أراد ذلك أعداء هذا الدين، بقوانين جاهلية قنَّنوها، ليست من دين الإسلام بشيء. ليس من دين الإسلام أن ينزع ولي الأمر المسلم بعد سنين أو أشهر. بل هذا مما يحصل به الشر. دين الإسلام أمر بطاعة ولاة الأمور، بطاعة الله أولًا، لأنه شيء أمر الله به، وأمر به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. «اسمعوا وأطيعوا، إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». وفي ذلك درء لمفاسد عظيمة. فلو فتح هذا الباب، لحصل التفرق، وحصل بذلك الشر في المجتمع، من طمع الكثيرين في هذا المنصب. فيكون بذلك الفساد بالمجتمع، وذهاب الأمن. ولا تسأل عن مجتمع حرصت كل طائفة منه على هذا المنصب، ماذا يكون به من الشر؟ ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وهكذا كذلك، عباد الله، في ذلك مفاسد أخرى. فإن هذا ذريعة ووسيلة يتخذها أعداء هذا الدين في استبدال ولاة أمور المسلمين. مسمى سهل، ومقصد ليس بصعب، ومطلب قريب المنال، يتوصل به أعداء الدين لعزل من شاء، وتثبيت من شاء، تحت مسمى «الديمقراطية». «الديمقراطية» التي من معانيها: حكم الشعب نفسه بنفسه. وليس هذا من أحكام دين الله جل وعلا. بل دين الله يأمر بأن تكون الطاعة لله وحده، والحكم لله وحده. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. إن دين الله جل وعلا جاء لطلب المصالح وتحصيلها، ودرء المفاسد ودفعها. ومن ذلك أن بقاء أولي الأمر على ما فيهم من قصور، خير من استبدالهم. فبذلك قلنا أولًا: سبب لتفرق المجتمع، وطمعه في هذا المنصب. ولهذا كان من الأحكام الشرعية في هذا الدين، أن منصب الإمارة، الصغرى فضلًا عن الكبرى، لا يعطاها من طلبه. يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنا لا نوليه من قلبه». لا نوليه من طلبه. وما ذلك إلا لأن ذلك سبب لحصول الشر. فلو فتح هذا الباب في المجتمع، لطمع الكثير فيه، ولهذا كان سببًا للاختلال، وحصول المكائد، ووقوع الخيانة والمكر والفساد العظيم، طمعًا في الوصول إلى هذه المناصب. كيف ينظر إلى ذلك، عباد الله، ما يتبعه من تبعات، مما يكون به فساد المجتمع؟ فإن من يصعد إلى هذه المناصب، إذا علم أنه لم يبق فيها، ماذا تظنون؟ هل يحرص على خدمة هذا المجتمع، أو يحرص على استغلال هذا المنصب فيما يكون خدمة نفسه؟ الثاني هو حقيقة الأمر، وهو الذي يدل عليه واقع حال كثير من المجتمعات. فإذا، عباد الله، إن ديننا ليس فيه مثل هذه الأحكام. ووجد على أهل الإسلام أن يستمسكوا بدين الله جل وعلا، وأن يعرفوا أن هذا الدين يأمر بالتعاون مع ولاة الأمور، فيما يقول به التزديد والمقاربة، وإيجاد الخير في هذا المجتمع. ونحن في هذه البلاد المباركة، بحمد الله تعالى، في نعمة عظيمة، يستقرها كثير من المجتمعات الأخرى، المسلمة وغير المسلمة. نعيش في أمن عظيم، ونعيش في قرب عظيم من أحكام هذا الدين. وهذا من فضل الله جل وعلا أولًا، ثم من فضل ولاة أمور هذه البلاد الطيبة. كلمة حق تقال، ليس يراد بها المجاملة، ولكن يراد بها التبصير إلى قدر هذه النعمة. إننا نخشى أن تزول هذه النعمة، بسبب مخالفتنا لأمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، باتباع ما يريده أعداء هذا الدين، بهذه المكائد وهذه القوانين الوضعية التي ما أنزل الله عز وجل بها من سلطان. والله جل وعلا وعد عباده وأولياءه: إنهم قاموا بأوامر شرعه، أعانهم وذبَّ عنهم، وحفظهم. وإنهم تركوا أوامره، أن يستنزل بهم ويجعل الغلبة عليهم. قال الله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. وأخذ كذلك حذر من مخالفة أمره وخروج عن صراطه وعن حبله، فقال جل وعلا: ﴿بَلْ يُرِيدُ الَّذِينَ يَخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. إننا نخشى إن تركنا أوامر الله واتبعنا أهواء الذين لا يعلمون، أن يصيبنا الله جل وعلا بمصيبة من عنده، فيميتنا على غير ديننا، وبمخالفتنا لأمر شرعنا، فيكون بذلك الشر العاجل والشر الآجل. والمآل والمآل، تمرات هذه الديمقراطية الكاذبة في مجتمعات شرقية وغربية، تنتسب إلى الإسلام أو لا تنتسب إلى الإسلام، ماذا كانت تدعو؟ حروب دامية في أوساط تلك المجتمعات، منافسة ومنازعة، وهو طمع في ذلكم الكرسي. وهكذا كذلك اضطرابات في تلكم المجتمعات، أذمرت القتل والفتن التي تؤخر المجتمع عن التقدم الحسي والمعنوي. لأنها مجتمعات انشغلت بمشاكلها، انشغلت بخلافاتها، بانزعاجاتها، بتفرقها. بينما لو دعا الإسلام جميعًا أن يكون يدا واحدة مع ولي الأمر المسلم، بطاعته في طاعة الله، وإعانته في طاعة الله، وفيما أباح الله. فإن ذلك سبب لتقدم هذا المجتمع في دنيا طبعًا، وفي دينه، سبب لتقدم هذا المجتمع في كذلك مطالبه الحسية ومطالبه المعنوية. إننا، عباد الله، بحاجة عظيمة أن نعرف أحكام هذا الدين عن قرب، وأن نعمل به عملًا يبرهن لنا ويبرهن لغيرنا صدق انتسابنا إلى هذا الدين العظيم، دين الإسلام، جملة وتفصيلًا. كما قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. أي ادخلوا في هذا الإسلام من جميع جوانبه، لا ندخل من ذلك ونخرج من أبواب أخرى. فيكون تبعات ذلك التغرب والتمزق، ويكون تبعات ذلك حصول الشر العاجل والآجل، بسبب ترك أوامر الله جل وعلا. والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾. بل يقول سبحانه: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. إن الطغيان الذي يصيب المجتمعات المسلمة، طورًا يعميها، ليس هو بسبب القصور المادي، ولا كذلك بسبب عدم التطور العلمي والحضاري. ولكن من أعظم أسبابه، ومن أشد معثراته، هو الترك وترك هذا الدين، وعدم القيام به. فالله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. والله جل وعلا يقول: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾. إنما ظهر من الفساد، إن أكثره، بل إنه لا يخطئ إن قيل: إن كله كان بسبب عدم امتثال أوامر الله جل وعلا الشرعية. فإن لو اعتصمنا بأوامر الله سبحانه، لحصلنا على الخير العاجل والآجل. نسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يجعلنا من المستمسكين بشرعه، ظاهرا وباطنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، إن أعداء هذا الدين يحرسون غاية الحرص على أن يصرفوا أهل هذا الدين عن هذا الدين العظيم. ولهذا فهم في سعي دؤوب في الليل والنهار، وكذلك في السر والعلن، في صرف أهل هذا الدين عن هذا الدين العظيم. ولا تظنوا، عباد الله، أن ذلك لا يكون إلا بأيدي كافرة، وبشخصيات ملحدة. ولكنه أحيانًا يكون كذلك، وأحيانًا يكون بأصابع خفية من ناس ينتمون إلى هذا الدين، وهم لم يعرفوا حقيقة هذا الدين، بسبب جهلهم بدين الله جل وعلا، وانغماسهم في الشهوات، وحرصهم على الملذات. صاروا يظنون أن الكثير من الأحكام الإسلامية، بل وأن عددًا من دعاة هذا الدين المخلصين، حجر عثرة في هذا المجتمع المسلم، يحول بينهم وبين شهواتهم وملذاتهم. يحول بينهم وبين كذلك ما يظنون أنه يكون به الوصول إلى الرقي الحضاري والارتقاء العلمي. وحقيقة الأمر أن الأمر ليس كذلك. فإننا نعلم علمًا يقينيًا أن ارتقاء هذا المجتمع المسلم لن يكون بشيء، بمثل ما يكون باعتصامه وتمسكه بدين الله جل وعلا. فإن دين الله جل وعلا الحق، لا يمنع من الاتقاء العلمي والتنافس الحضاري والمادي، ما دام في طاعة الله، ما دام في حدود شرع الله. وإلا كيف كان الظفر والغلب في أوائل هذا الإسلام للمسلمين، حتى كانت أول المخترعات العصرية والاكتشافات العلمية هي من نصيب أهل الإسلام؟ ما ذلك إلا لأن في هذا الدين ما لا يمنع من ذلك، بل يحث عليه. بخلاف دين اليهود والنصارى المحرف، فإنه دين حارب في يوم من الأيام، حارب هذه المعاني الصحيحة التي يقرها الإسلام. فظن الكافرون أن الدين مطلقًا ينافي التطور العلمي والرقي الحضاري. والأمر ليس كذلك. فينبغي أن نعرف، عباد الله، حقيقة هذا الإسلام عن قرب. وأن نعلم أنه يوجد في أوساطنا، أو في مجتمعاتنا، من لم يفهم هذا الدين الفهم الصحيح. فهو بجهله يعادي هذا الدين. وصنف آخر ربما تمنى، ولكنه غلبت عليه الشهوة واتباع الملذة. كما قال سبحانه: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾. يعلمون أنهم لم يصلوا إلى هذه الشهوات وهذه الملذات إلا بتلك القوانين الوضعية، وتلك الموازين الكفرية التي بثها أعداء هذا الدين. وهم يحرصون بذلك على دفع المسلمين إلى ذلك. وصنف ثالث جمع بين هذا وهذا، جمع بين الجهل بدين الله والطمع كذلك بالشهوات والملذات. فعند ذلك لا تسأل عن الشر الذي يدخل على المجتمعات المسلمة من أيديهم. وكان المقصد من ذلك، عباد الله، أن نحذر أهل الإسلام مما يفد ويرد على المجتمعات المسلمة، مما يضر بدينها، ويذهب أخلاقها، ويوقعها بمستنقعات الرذيلة وطريق الانحراف. لو لم يكن إلا، عباد الله، أن يوجد طوائف كثيرة في هذا المجتمع، هي في غاية من البعد عن الحياة الحقيقية الجادة التي بها يقوم الإحسان في الدين والدنيا. أو قلنا حتى في الدنيا فقط. إن أعداء الدين لا يحرصون فقط على صرف الناس عن دينهم، بل كذلك وعن دنياهم. وهم يريدون أن يوجد في المجتمعات المسلمة أعداد هائلة من الأفراد والجماعات الهالكة. التي لا نفع لها معنى في هذه الحياة، ولا يعرفون لأنفسهم من صولة. وهذا هو الذي تحرص عليه وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة، الدولية وغيرها. مما يكون فيه إفساد المجتمعات المسلمة. وإننا نسمع وتسمعون، ونرى وترون بعض آثار ذلك مما يبدو في هذه المجتمعات. ربما لا يتبطن إلى هذا الراقي، أو نقول بعض الراقي. ويندفع إلى هذه المفسدات الكثير من أهل الجهل والارتياب، وهم لا يعرفون تبعات ذلك. شاشات كثيرة مجانية وزعت في محافظات شتى ومديريات أخرى. بالله عليكم، هل يفعل ذلك أعداء هذا الدين لغير مقصد؟ إن من أعظم مقاصدهم هو: إنشاء عند من الأفراد والجماعات في هذا المجتمع، من الأفراد والجماعات الهالكة. التي لا في دين ولا في دنيا، وإنما ضياع في ضياع. وهذا هو الذي حصل. طُرحت مؤلفة، ويتعجب الإنسان إلى مرة بعدد من المدن والمحافظات. ربما في بعض المدن أكثر من أربع شاشات أو خمس شاشات. ويجتمع في الشاشة الواحدة، في بعض المدن، ألوف مؤلفة، الساعات الطوال، ربما إلى آخر منتصف الليل، وربما في بعض المناطق إلى ما هو بعد ذلك. هذه هي الساعات العظيمة التي تذهب هذرًا. أليست هي خسارة عظيمة على هذا المجتمع؟ أليست هي سببًا لتأخر هذا المجتمع، وضياعه، وانحرافه؟ فكيف يضيع إلى ذلك ما يتبع وما يلحق بذلك الشاشات من الدعايات والإعلانات التي يكون فيها ضرب لآمال المسلمين، وضرب لدين المسلمين؟ وهكذا كذلك محاربة لمعاني الفضيلة. امرأة مجردة تظهر على تلك الشاشات، كاشفة في إثارة الفضيلة من نفوس وقلوب كثير من المسلمين، وإحياء باعث الشر والشهوة في قلوب كثير من الشباب. الذي ضعف عندهم الوازع الديني، وضعف كذلك فيهم معنى الفضيلة والاستقامة. فأي من يفرر هذه الشهوة إلا في هذا المجتمع المسلم؟ الذي من آثار ذلك أن يظهر الشر ويكثر الفساد فيه. فالحذر الحذر، عباد الله، الحذر الحذر مما يفسد علينا ديننا. فليس كل ما يأتينا في مجتمعنا وحاضرنا، فهو مما يقره دين الله، ومما تقتضيه المصالح. بل إننا ينبغي أن نزن ما يُعرض علينا بالموازين الشرعية الصحيحة. ففيها نعرف النافع من الضار، والطيب من الخبيث. «حرمنا الخمر، مع أن الله جل وعلا ذكر أن فيه شيء من المنافع، لكن إذ ذاك أكثر من نفعها، بحرمه الله». وما أكثر الأشياء التي ترد علينا، ويمنع هذا الجنس. نسأل الله جل وعلا أن يفقهنا بأمور شرعنا، وأن يبصرنا بأمور ديننا، وأن يرينا الحق حقًا يرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا يرزقنا اجتنابه. وأن يرزقنا الشهادة في سبيله، إنه على كل شيء قدير.