الدرس في التحذير من التطير، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 3 صفر 1432هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع مفهوم التطير وخطره على الإيمان، ويحذر منه النبي صلى الله عليه وسلم. التطير هو التشاؤم بالأشياء أو الأحداث، وهو من الشرك بالله.
يؤكد الإسلام على أهمية التوكل على الله وحده، حيث يزيل الخرافات والتطير، ويجب على المؤمن أن يتوكل على الله ولا يصدق التطير.
يتحدث المقطع الأخير عن عدم الاكتراث بالأمور التي لم يجعلها الله أسبابًا شرعية أو قدرية، ويختم بدعاء الله أن يلهمنا رشدنا ويصلح أحوالنا.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله جل وعلا أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. أرسله بالهدى ليدخل الناس من ظلمات الجهل والشرك والكفر والنفاق والبدعة والمعصية إلى نور التوحيد والإيمان والسنة والطاعة. فما من خير يقرب إلى الله جل وعلا ويقيم العبد على الصراط المستقيم والدين القويم إلا وأرشد أمته عليه الصلاة والسلام بما أوحى الله جل وعلا إليه وبما علمه سبحانه وتعالى. وهو القائل: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وهو القائل: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. إن الله سبحانه وتعالى جعل في أحكام دينه الحكيمة وتشريعاته المحكمة ما فيه قيام الناس في حياتهم الدنيا بأحسن حال، وأروع كذلك حياة، وما يكون لهم كذلك في الآخرة بخير مآل، وما يكون من رضوان الله جل وعلا ونعيمه. فما على هذا الإنسان إلا أن يتعلم من هذا العلم الذي بعث الله عز وجل به نبيه عليه الصلاة والسلام، وأن يعمل به في حياته، ويتتبع ذلك تتبعًا دقيقًا. فكمال حياته في الدنيا بكمال أخذه لهذا العلم وتطبيقه ذلك بالعمل، وخسارته ونقصان سعادته بما يكون من نقصان ذلكم العلم والتقصير في تحقيق ذلك العمل. قال ربنا جل وعلا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فالحياة الطيبة تكمن، عباد الله، في استيفاء شرائع الإسلام وتحقيق شعب الإيمان، والدخول في هذا الدين من جميع أبوابه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، أي أدخلوا في هذا الإسلام من جميع أبوابه، لا من باب وتترك أبوابًا أخرى. ولهذا، عباد الله، ما أحوجنا أن نذكر بعضنا بعضًا بتلك الأحكام الحكيمة وذلك الدين القويم، وما جاء فيه من تفاصيل فيما يحتاجه الناس في أمور حياتهم ومعادهم. ونقف هذا اليوم أحاديث من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر». وفي رواية لمسلم زاد: «ولا نو». وفي رواية أخرى من حديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم قال: «ولا غول». وجاء معناه من حديث ابن عمر، وكذلك جماعة من الصحابة. هذا الحديث العظيم، عباد الله، يبين لنا نبينا عليه الصلاة والسلام مجموعة من المسائل مما اختلت فيه عقائد الناس، وخالطت الأوهام والخرافة معتقدات، وهكذا كذلك قلوب بعض الناس، فأتعبتهم في حياتهم، وهكذا كذلك تضرهم بعد مماتهم. فقرر نبينا صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث العظيم ما يجب أن يكون عليه المسلم من عظيم ثقته بربه، وعظيم توكله بخالقه، فإن ذلك من تمام إيمانه، ومن تحقيق إسلامه لله جل وعلا، وقيامه بهذا الدين القويم. قال الله عز وجل في كتابه الكريم، مخبرًا عن عدد من أنبيائه ورسله وهم يطالبونهم بتحقيق الإيمان بكمال تحقيق التوكل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وإن من مواضع تحقيق التوكل الذي يكون به تحقيق الإيمان هذه الخصلة التي ذكرت في هذا الحديث واجتنابها. فمنها التطير الذي حذر منه ربنا جل وعلا في مواضع من كتابه، وأنه من خلق المشركين. قال الله عز وجل عن قوم فرعون ومن معه: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال مجاهد رحمه الله: كانوا إذا أصابتهم النعماء وجاءهم الرغد قالوا: هذا من عند أنفسنا، وإن أصابتهم السيئة قالوا: هذا بسبب موسى ومن معه. فقال الله: إن ذلك بسبب كفرهم وتكذيبهم. ونحوه عن عبد الله بن عباس. وقال الله جل وعلا كذلك في إخباره عن قوم صالح وما فعلوه مع نبي الله صالح عليه الصلاة والسلام: أنهم كذلك تطيروا بصالح عليه الصلاة والسلام، وجعلوا ما أصابهم من شدة بسببه. وهكذا كذلك عدد ممن كذب الرسل وأتباع الرسل جعلوا ينسبون ما يصيبهم من الضراء إلى الرسل وأتباعهم، والله جل وعلا يكذبهم في كتابه ويبين أن ذلك بسبب كفرهم وتكذيبهم. وهكذا يدور هذا بدوران الزمان. ونجد في زماننا هذا من إذا أصابتهم النعمة قالوا: هذا من عندنا ومن أنفسنا، وإذا أصابتهم الضراء قالوا: هذا بسبب فلان وفلان، أو بسبب المطاوعة أو بسبب كذا وكذا، وغير ذلك من العبارات التي هي أشبه ما تكون بعبارات أولئك الكافرين المتقدمين. عباد الله، إن المؤمن ينبغي أن يتعلم من هذا درسًا عظيمًا، ألا وهو أن التطير أولًا هو من خلق الكافرين والفاجرين، وليس من خلق المؤمنين. وثانيًا أن الخير والشر كله بتقدير الله جل وعلا. كما قال الله سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه بإسناد صحيح أنه قال عليه الصلاة والسلام: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك». كررها ثلاثًا عليه الصلاة والسلام. ثم قال عبد الله بن مسعود: «وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل». ومعنى قوله رضي الله عنه: «وما منا إلا» أي وما منا إلا ويقع في نفسه شيء أحيانًا، ولكن الله يذهبه بالتوكل. فإذا توكل العبد على ربه زالت تلك الأوهام وتساقطت تلك الخرافات التي ربما بقي شيء من آثارها في المجتمعات. فتسمعها منها هنا، ويخوفك بها آخر منها هنا، ولكنك بعظيم توكلك بربك وعظيم ثقتك بخالقك تزول هذه الخرافات. وفي الصحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم رضي الله تعالى عنه قال: وهو سأل النبي صلى الله عليه وسلم في بادي إسلامه عددًا من الأسئلة، فقال: «يا رسول الله، ومنا أناس يتطيرون». قال عليه الصلاة والسلام: «ذلكم شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم». أي لا يجوز أن يكون ذلك سببًا لصدك عن إقدام أو إحجام. فذلكم التطير لا يضرك ولا يمنعك من خير أنت تريد أن تقدم عليه، فلا يأتي بخير ولا بشر. ولهذا قال العلماء تعغيل التطير: هو التشاؤم بكل مسموع أو مرئي أو معلوم. وعرف بتعريف أحسن منه، فقيل: التطير تعليق الخير والشر بكل مسموع أو مرئي أو معلوم. المسموع أنواع المسموعات، فمن الناس من يتشاؤم بصوت بعض الطيور، أو بصوت بعض السباع كصوت الكلاب أو صوت البوم أو غير ذلك. وهكذا كذلك التشاؤم بكل مرئي، ومن الناس من يتشاؤم ببعض المرئيات، فيكره أن يرى في أول صباحه أعرج أو أعمى أو كذلك ما كان بمعناه مما يظن أنه من أسباب حصول الشر له في يومه ذلك. وبعضهم ربما كذلك يتشاؤم من بعض الألوان. فكل ذلك من معنى المرئيات التي يتشاؤم منها الناس، وكل ذلك خطأ ومن بقايا أهل الجاهلية. وهكذا التشاؤم ببعض المعلومات، فمن الناس من يتشاؤم من يوم الأربعاء، ومن الناس من يتشاؤم بشهر شوال كما كان أهل الجاهلية. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال، وبنا بي في شوال، فأي نسائه عنده أحظى مني». وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم عددًا من نسائه في شوال. قال بعض العلماء: فعلى ذلك عليه الصلاة والسلام عمدًا ليزيل تلك الخرافة وذلكم المعنى الذي كان موجودًا عند أهل الجاهلية. وهكذا كذلك من الناس من يتشاؤم بشهر صفر، فإذا أقبل شهر صفر لم ينشئ سفرًا ولا زواجًا ولا غير ذلك، يخاف أن يصيبه شؤم صفر. وربما روي في هذا الباب بعض الأحاديث المكذوبة عن النبي صلى الله عليه وسلم مما تتناقله العامة. ومن ذلك من بشرني بخروج صفر بشرته بالجنة. ولذلك تجد بعض الناس من جهلهم ومن بقاء بعض معاني الجاهلية فيهم إذا كان آخر يوم الأربعاء إذا كان آخر أربعاء من شهر صفر خرجوا للتنزه وخرجوا كذلك للرحلات فرحًا واغتباطًا بزوال وذهاب شهر صفر، وأنه لم يصبهم شيء في ذلك. وربما بعض الناس يخرجوا ويفعلوا ذلك وهو لا يدري لماذا الناس يخرجون في آخر الأسبوع من آخر شهر صفر، يرى الناس يفعلون شيئًا فيفعلوا مثلهم، وما درى وعلم أنها عقيدة فاسدة بقيت في أوساط هؤلاء الناس. عباد الله، ما أحوجنا أن نتعلم من العلم ما أحوجنا أن نتعلم من العلم الذي به نميز بين الحق والباطل والهدى والظلال. ومن ذلك، عباد الله، تشاؤم بعض الناس من بعض المعلومات في الأرقام. فإن من الناس من يتشاؤم من رقم ثلاثة عشر، فربما تدخل في بعض المستشفيات أو في بعض الفنادق فلا ترى غرفة ثلاثة عشر أو مئة وثلاثة عشر، أو لا ترى بل ربما لا ترى دورًا فيه رقم ثلاثة عشر، وربما كذلك لا تجد حتى من يحب أن يذكر له مثل ذلك. وهذا معنى من المعاني التي فيها معنى التطير من المعلومات، وغير ذلك كثير مما يقع فيه الناس. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك». فقالوا: «وما كفارة ذلك يا رسول الله؟» قال: «كفارته أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك». والحديث رواه الإمام أحمد بإسناد حسن. وهكذا صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حديث بريدة رضي الله عنه، وله شاهد من حديث ابن عباس: أنه كان لا يتطير عليه الصلاة والسلام، أي لا يتعلق لا بمسموع ولا مرئي ولا معلوم. لا يتعلق بمسموع أو مرئي أو معلوم بمعنى أن يكون فيه خير أو أن يكون شر، وإنما المؤمن يتعلق بما جعله الله عز وجل سببًا للخير أو سببًا للشر، فيطلب حصول الخير ويدفع بالأسباب الشرعية والأسباب القدرية والكونية ما علم أنه من مواضع الشر. وبما علمه الله وهداه، وأما أن يكون تبعًا للخرافة وللأوهام فهذا ما لا يريده ديننا من أهل هذا الدين. نسأل الله عز وجل أن يفقهنا بأمور شرعنا، وأن يبصرنا بأمور ديننا، وأن يورينا الحق حقًا، وأن يرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا، ويرزقنا اجتنابه. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، إن معاني التطير إن من معاني التطير الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم شركًا من معانيه ما تقدم: أن يعلق العبد الخير والشر بهذه المسموعات أو المرئيات أو المعلومات. فما يفعله بعض الناس من عدم بيع الملح في أول النهار أو الإبرة أو كذلك ما كان بمعناه مما يظنون أنه يكون سببًا في جلب الشر لهم في تجارتهم، هذا كذلك موضع آخر من مواضع التطير. وهكذا كذلك من هذا ما يظنه بعض الناس إذا وجد حكة في يده الشمال أو طنة في أذنه الشمال أو رعشة في عينه الشمال، ظن أن ذلك نذير شر أو علامة شر. أو كذلك إذا رأى عند بيته حشرة أو كذلك ذبابة أو نحو ذلك، فربما جعل ذلك علامة لحصول كذا أو مجيء كذا. وكل هذا لم يجعله الله عز وجل سببًا لا لخير ولا لشر. وبمقابل هذا من ظن أن حكة اليمين سببًا لحصول الرزق، أو كذلك طنة اليمين معنى لسماع الخير وخبر الخير، أو رعشة عين اليمين أنه معنى آخر وعلامة لرؤية حبيب أو صديق أو قريب أو غير ذلك. فكل ذلك مما يخالف ما جاء في هذه الأحاديث. فقد صح عن طاوس رحمه الله رضي الله تعالى عنه أنه أراد أن يسافر، فخرج معه رجل، فسمع صوت طائر، فقال: «خير، خير». فقال: «أي خير أو شر عند هذا الطائر؟ لا ترافقني في سفرتي». وهكذا جاء عن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه أنه قال: «قال من ردته الطيرة عن حاجته فقد قارف الشرك». يعني أن يكون إقباله وإحجامه لبعض ما يسمع أو يراقه. وجاء عن علي رضي الله تعالى عنه أنه حين أراد أن يخرج ويقاتل الخوارج رأى بعض من معه أن القمر في الدبران، فقال له: «يا أمير المؤمنين، انظر إلى القمر». فنظر إلى القمر، فقال: «ماذا؟» قال: «لو أنك لم تخرج». فقال: «إنا لا نخرج إلا ثقة بالله وتوكلا على الله، ولا نخرج لقمر ولا لغيره». و «صح عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه أراد أن يخرج في سفر، وكان معه بعض أصحابه، وفيهم مزاحم. قال مزاحم: فرأى القمر في العقرب أو في الدبران، فاستحيى أن يكلم أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، فقال: «يا أمير المؤمنين، انظر إلى القمر ما أحسن بهاءه هذه الليلة». فنظر إليه عمر، فقال: «أردت أن تخبرني أنه في الدبران؟» قال: «اعلم أنا لا نخرج لشمس ولا لقمر، ولكننا نخرج بالله الواحد القهار». وهكذا كذلك يعلم مما سبق، عباد الله، أن المسلم لا يتعلق بالأنواء ولا بالنجوم ولا بأخبار أمثال هؤلاء، بل يتعلق بالله جل وعلا. ولهذا جاء في الحديث: «ولا نؤو». أي ولا تعلق بالأنواء، أي بالنجوم. فلا يكن أمر النجوم سببًا لإقدامك أو لإحجامك، لا تتزوج إذا كان النجم في كذا أو كان في شهر كذا أو كان على منزل كذا. فكل هذا من معاني التطير الذي نهينا عنه في ديننا. وهكذا كذلك أن تظن أن خيرًا أو شرًا يقع بمنازل هذه النجوم، فإن ذلك من اعتقادات أهل الجاهلية وخرافاتها. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه نهى عن الاستسقاء بالنجوم، كما جاء في حديث أبي مالك رضي الله تعالى عنه. وهكذا جاء معناه في حديث زيد بن خالد رضي الله تعالى عنه. وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «ولا غول». أي ولا اعتقاد بالغيلان. فنفى وجود الغيلان فضلًا عن الخوف منها. فإن من الناس من يظن أن في الصحاري أو في الظلمات غيلان أو شياطين تضل الناس وتؤذيهم. وحقيقة الأمر أن ذلك إنما يقع بسبب ضعف التوكل وقلة الإيمان وضعف اليقين بالله سبحانه وتعالى. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «إنما التطير يكون أثره على من ضعف إيمانه وقل توكله، لأنه باب من أبواب الشرك، وتسلط من تسلط الشيطان». وقد قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ولذلك تجد المؤمن كلما كان أكثر إيمانًا وأكثر توكلًا كان أعظم ثقة بالله جل وعلا. وعند ذلك لا يتأثر بإقبال الأسباب وإدبارها، هذا إذا كانت أسبابًا حقيقية، لا يبالي بإقبالها وإدبارها لعلمه أن الخير فيما يختاره الله سبحانه وتعالى له، وأن الله على كل شيء قدير. انظر إلى موسى عليه الصلاة والسلام حين وقف والعدو خلفه والماء أمامه، قال قومه: «إنا مدركون». قال: «كلا، إن معي ربي سيهدين». فجعل الله عز وجل ذلك الماء كل فرق كالطود العظيم، فأنجاه ونجى من معه. وهذا من عظيم توكله بربه سبحانه وتعالى. وهذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ألقي في النار، قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل». فجعلها الله عز وجل بردًا وسلامًا عليه عليه الصلاة والسلام. وهكذا أنت، أخي مؤمن، ينبغي أن تكون على عظيم ثقة بربك سبحانه وتعالى. إذا أقبلت الأسباب أو أدبرت لا تبالي بإقبالها وإدبارها، وتتوكل على الله الواحد القهار. فكيف إذا كانت تلك ليست من الأسباب، لم يجعلها الله عز وجل أسبابًا شرعية ولا أسبابًا قدرية كونية لحصول الخير أو كذلك الشر؟ فإن هذا أعظم وأولى أن لا تبالي بها. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمع القول ويتبع أحسنه، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين. والحمد لله رب العالمين.