تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 9

تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 9

الدرس في تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وصف الحياة الدنيا وحقيقتها

يصف الحياة الدنيا بأنها متاع الغرور وزينة وتفاخر، ويحث على المسارعة إلى مغفرة الله وجنته. الآخرة هي دار القرار الحقيقي.

ضوابط اللهو والمباحات في الإسلام

يتناول ضوابط اللهو والمباحات، حيث تُصنف الأنشطة إلى ما يجوز بمشروطية وما يحرم. الألعاب تُحرم إذا غلبت مضرتها وتُباح إذا كانت ذات منفعة.

التحذير من الإسراف والتبذير

يُناقش التحذير من الإسراف والتبذير والتفاخر بالدنيا، ويحث على العدل وعدم تجاوز الحدود في الزينة والمباحات. الدنيا زائلة والانشغال بها يُمرض القلوب.

عاقبة تفضيل الدنيا على الآخرة

يُوضح عاقبة من يفضل الدنيا على الآخرة، حيث يستحق العذاب الشديد في الآخرة. بينما يُلمح إلى مغفرة الله لمن يسلك الطريق المستقيم.

التفريغ النصي الكامل

أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. قَالَ الْمُفَسِّرُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ"، أَيْ الِاشْتِغَالُ فِيهَا، وَأَمَّا الطَّاعَاتُ وَمَا يُعِينُ عَلَيْهَا فَمِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ، "كَمَثَلِ غَيْثٍ" أَيْ هِيَ فِي إعْجَابِهَا لَكُمْ وَاضْمِحْلَالِهَا كَمَثَلِ غَيْثٍ، مَطَرٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ الزِّرَاعَ نَبَاتُهُ النَّاشِئُ، ثُمَّ يَهِيجُ يَيْبَسُ، فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا، ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا، فَتاتًا يَضْمَحِلُ بِالرِّيَاحِ، وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ لِمَنْ آثَرَ عَلَيْهَا الدُّنْيَا، وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ لِمَنْ لَمْ يُؤْثِرْ عَلَيْهَا الدُّنْيَا، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا - مَا التَّمَتُّعُ فِيهَا - إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ، سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لَوْ وُصِفَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، وَالْعَرْضُ السَّعَةُ، أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا بَعْدُ، فَهَذِهِ آيَاتٌ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْعَظِيمَةِ فِي وَصْفِ هَذِهِ الدُّنْيَا وَأَحْوَالِ النَّاسِ فِيهَا، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ وَالصَّادِقِينَ الْمُتَّقِينَ، ذَكَرَهَا هُنَا أَمْرَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَأَحْوَالِ النَّاسِ فِيهَا. فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾، وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ لِلْحَصْرِ، أَيْ يُحْصَرُ مَا فِي الدُّنْيَا بِهَذِهِ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ هِيَ أَهَمُّ الْخِصَالِ الَّتِي تَشْغَلُ النَّاسَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا. وَسُمِّيَتِ الدُّنْيَا دُنْيَا، قِيلَ لِدَنَاوَتِهَا وَفِتْنَتِهَا وَقُرْبِهَا، وَقِيلَ لِقِصَرِ عُمُرِهَا، وَكُلُّ الْأَمْرَيْنِ كَذَلِكَ مِنْ وَصْفِهَا. وَقَدَّمَ اللَّعِبَ: "لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ"، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: هُوَ مِنْ التَّدَرُّجِ بِالْأَدْنَى فَالْأَعْلَى، اللَّعِبُ مِمَّا يَشْغَلُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، وَهُوَ آخِرُ مَا يَكُونُ وَصَلَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَإِذَا انْشَغَلُوا بِاللَّعِبِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُمْ غَايَةُ الْبُعْدِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا. وَاللَّعِبُ يَكُونُ بِالْأَعْمَالِ، وَاللَّهْوُ يَكُونُ بِالْقُلُوبِ، ثُمَّ كَذَلِكَ زِينَةُ الْأَلْعَابِ كَثِيرَةٍ الَّتِي تَشْغَلُ الْإِنْسَانَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا فَتَصْرِفُهُ عَمَّا خُلِقَ لَهُ. خَلَقَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لِنَجْعَلَهَا دَارَ مَمَرٍّ لَا دَارَ مُسْتَقَرٍّ، وَلِأَجْلِ أَنْ نَعْمُرَهَا نَعْمُرُ أَعْمَالَنَا فِيهَا بِمَا نَعْمُرُ بِهِ آخِرَتَنَا، وَمَنْ انْشَغَلَ بِمَا فِيهَا فَقَدْ خَسِرَ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ. فَاللَّعِبُ أَنْوَاعٌ، مِنْهُ مَا هُوَ مُبَاحٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مَطْلُوبٌ شَرْعًا، وَكَثِيرٌ مِنْهُ مُحَرَّمٌ، وَكُلُّ هَذَا يُعْلَمُ بِضَوَابِطِ الشَّرْعِ. قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا سَبَقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ نَصْلٍ أَوْ حَافِرٍ"، هَذَا مِنْ اللَّعِبِ الَّذِي حَثَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ، وَهُوَ كُلُّ لَعِبٍ يَكُونُ بِهِ وَمُغَالَبَةٍ يَكُونُ بِهَا نَفْعٌ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، مِثْلُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ. وَالْخُفُّ: أَيْ سِبَاقُ الْخَيْلِ وَالْمَرْكُوبِ، وَالنَّصْلُ: السِّهَامُ، وَمَا كَانَ بِمَعْنَاهَا مِنْ الرَّمْيِ، وَالْحَافِرُ كَذَلِكَ الْمَرْكُوبُ، إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ يَكُونُ فِي الْإِبِلِ وَالْمَرْكُوبِ الثَّقِيلِ وَمَا كَانَ بِمَعْنَاهُ، وَالْآخَرُ الْحَافِرُ الْمَرْكُوبُ الْخَفِيفُ كَالْخَيْلِ وَنَحْوِهِ. فَكُلُّ مَا كَانَ بِمَعْنَى هَذَا فَهُوَ مِمَّا حَثَّ الشَّرْعُ عَلَيْهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْقُوَّةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْمَنْفَعَةِ كَذَلِكَ. فَإِنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ إِذَا تَقَوَّوْا بِذَلِكَ كَانَتْ لَهُمُ الْقُوَّةُ وَالْمَنَعَةُ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ". وَمِنْهُ مَا هُوَ مُبَاحٌ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فِي الدِّينِ، وَلَكِنْ بِشُرُوطٍ وَضَوَابِطَ، أَلَّا يَكُونَ فِيهَا مَعْنَى الْمَيْسِرِ، وَلَا يَكُونَ فِيهَا كَشْفٌ لِلْعَوْرَاتِ، وَلَا يَكُونُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ. مِثْلُ الْمُصَارَعَةِ وَالْجَرْيِ بِالْأَقْدَامِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَكُونُ بِهِ قُوَّةٌ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَهَذِهِ لَا تَجُوزُ فِيهَا الْمُغَالَبَاتُ - أَيْ الْمُرَاهَنَاتُ - وَتَجُوزُ بِضَوَابِطَ وَشُرُوطٍ، لِمَا فِيهَا مِنْ مَنْفَعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهَا مَنْفَعَةٌ دِينِيَّةٌ. وَيَدْخُلُ فِي مَعْنَاهَا مَا كَانَ مِثْلَهَا أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا مِمَّا فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى. وَالثَّالِثُ: مَا لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَا فِي دِينٍ وَلَا فِي دُنْيَا، فَهُوَ مِنْ الْمُحَرَّمِ، كَاللَّعِبِ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْهُ وَتَحْرِيمُهُ، وَأَنَّ فَاعِلَهُ كَمَنْ تَغَمَّسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ. وَقَاسَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ الشِّطْرَنْجَ وَاللَّعِبَ بِالْوَرَقِ وَمَا كَانَ بِمَعْنَى، لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتُلُ الْوَقْتَ وَيُلْهِي الْقَلْبَ وَيُشْغِلُ عَنْ الطَّاعَاتِ، وَيُوجِدُ الْخُصُومَاتِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمَضَارِّ. وَلَا مَنْ فَعَلَ فِيهِ، وَلَا مَنْ فَعَلَ فِيهِ، حَتَّى الشِّطْرَنْجُ مِنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُورِثُ الذَّكَاءَ فَقَدْ أَخْطَأَ، لِأَنَّهَا أَحْوَالٌ مَعْرُوفَةٌ مِنْ حَفِظَهَا فَقَدْ عَلِمَهَا، وَفِي حِفْظِهَا لَيْسَ فِي حِفْظِهَا شَيْءٌ مِنْ الذَّكَاءِ، كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَمَاذَا عَسَى أَنْ يُفِيدَ مَعْنَى كَلَامِهِ مِنْ عَرَفَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْكِشْ مَلِكٍ بِطَرِيقٍ أَوْ عَشَرَةٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلٍّ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ، يَعْنِي لَيْسَ فِي هَذَا مَا يَزِيدُ فِي الذَّكَاءِ أَبَدًا، وَضَرَرُهُ أَكْثَرُ مِنْ مَنْفَعَتِهِ. وَالْقَاعِدَةُ: مَا غَلَبَتْ مَضَرَّتُهُ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْمُحَظَّرِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ". وَمِثْلُهَا الْأَلْعَابُ الَّتِي اسْتُحْدِثَتْ فِي عَصْرِنَا، كَالْأَلْعَابِ الْإِلِكْتْرُونِيَّةِ وَنَحْوِهَا، سَوَاءٌ فِي الْجَوَالاَتِ أَوْ فِي الْحَاسُوبِ، فَمَا كَانَ ضَرَرُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَنْفَعَتِهِ فَإِنَّهُ يُحَرَّمُ، وَهَذَا الْغَالِبُ عَلَى أَكْثَرِ الْأَلْعَابِ. وَبَعْضُهَا قَدْ تَكُونُ تَعْلِيمِيَّةً، فَمَا كَانَ تَعْلِيمِيًّا أَوْ كَذَلِكَ فِيهِ صَنْعَةٌ وَنَحْوُهُ وَنَحْوُهُ مِمَّا فِيهِ مَنْفَعَةٌ، فَهُوَ بِحَسَبِهِ، فَإِمَّا أَنْ يُلْحَقَ بِالْقِسْمِ الثَّانِي أَوْ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَوِ الثَّانِي، فَهُوَ مِنَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ الْمُحَرَّمِ، لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ أَهْلَ جِدٍّ. وَحَتَّى فِي بَابِ الْمُبَاحَاتِ، فَمُبَاحَاتُهُمْ فِي غَيْرِ ضَرَرٍ فِي غَيْرِ ضَرَرٍ. وَأَعْظَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ عَبَثًا بِالْأَرْوَاحِ، أَنْ يُجْعَلَ مَا فِيهِ رُوحٌ هَدَفًا وَغَرَضًا، فَقَدْ لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعِلَ ذَلِكَ، وَنَحْوَهُ مِمَّا يَتَوَسَّعُ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ لِأَنَّهُمْ لَا دِينَ لَهُمْ وَلَا خُلُقَ. أَمَّا أَهْلُ الْإِسْلَامِ فَهُمْ أَهْلُ عَدْلٍ وَإِنْصَافٍ، وَأَهْلٌ كَذَلِكَ لِلتَّقْوَى وَالْحِرْصِ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ لَهُ مِمَّا يَشْغَلُ وَيَصْرِفُ وَيُبْعِدُ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَطَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ الَّتِي هِيَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَمَا خُلِقَتِ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. وَاللَّهْوُ قَدْ يَكُونَ بِإِشْغَالِ الْجَوَارِحِ أَوْ كَذَلِكَ بِمَا يَصِلُ إِلَى الْقُلُوبِ فَيُورِثُ الْغَفْلَةَ، وَيُورِثُ الْغَفْلَةَ. وَالْغَفْلَةُ مِنْ أَخْطَرِ مَا يُفْسِدُ الْإِنْسَانَ، لِأَنَّهَا تُفْسِدُ الْقَلْبَ، فَإِذَا فَسَدَ الْقَلْبُ فَسَدَتِ الْجَوَارِحُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ: "أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ جَسَدٌ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ". وَأَنْوَاعُهُ لَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ كَثِيرَةٌ، مِمَّا تَشْغَلُ الْجَوَارِحَ وَالْقَلْبَ، فَتُورِثُ الْغَفْلَةَ، وَهِيَ خَطِيرَةٌ. وَلِهَذَا كَثُرَتِ الصَّوَارِفُ الَّتِي تَصْرِفُ عَنْ طَرِيقِ الْخَيْرِ، بِكَثْرَةِ الْمُلْهِيَاتِ، بِكَثْرَةِ الْمُلْهِيَاتِ، حَتَّى بِنَاءِ الْمُدُنِ الْمُلْهِيةِ. وَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنَّنَا نَمْنَعُ الْمُبَاحَ، وَلَكِنِ الْمَقْصُودُ أَنْ لَا يُتَوَسَّعَ فِي الْمُبَاحِ أَوْ يُخْرَجَ عَنِ الْمُبَاحِ إِلَى الْمُحَرَّمِ، أَنْ يُخْرَجَ وَيُنْتَقَلَ مِنَ الْمُبَاحِ إِلَى الْمُحَرَّمِ. وَضَابِطُهُ: مَا أَوْصَلَ إِلَى مُحَظَّرٍ شَرْعِيٍّ مُحَرَّمٍ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، أَوْ مَنَعَ وَاجِبًا مِنَ الْوَاجِبَاتِ، فَهُوَ مِنَ اللَّهْوِ الْمُحَرَّمِ. أَوْ أَشْغَلَ عَمَّا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَأَنْفَعُ، وَكَانَ مَظِنَّةَ الشَّرِّ بِغَلَبَةِ مَا فِيهِ مِنْ ضَرَرٍ، فَهُوَ مِنَ الثَّانِي. أَوْ كَانَ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ شَرًّا مُحَظًّا، وَهَذَا كَذَلِكَ مُحَرَّمٌ. وَإِنَّمَا الْجَائِزُ مِنَ اللَّهْوِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُحَظَّرٌ شَرْعِيٌّ. بَلْ بَعْضُ اللَّهْوِ قَدْ يُحَدَّدُ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، مِثْلُ الْغِنَاءِ الْمُبَاحِ لِلنِّسَاءِ، أُجِيزَ فِي الْإِسْلَامِ فِي زَمَانَيْنِ: فِي وَقْتِ الْأَعْرَاسِ وَفِي وَقْتِ الْأَعْيَادِ. وَالتَّوَسُّعُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَيْسَ مِنَ الْمُبَاحَاتِ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ اللَّعِبُ بِلَعِبِ الْحَبَشَةِ وَمَا كَانَ بِمَعْنَاهُ، يُجَازُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ، وَلَا يُتَوَسَّعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَكُلُّ هَذَا حِفَاظًا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَجْتَرِئُوا فِي هَذَا الْبَابِ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ الزِّينَةُ، كُلُّ زِينَةٍ يُخْرَجُ فِيهَا عَنِ الْمُبَاحِ، فَضْلًا أَنْ تُوقِعَ فِي الْمُحَرَّمِ، فَإِنَّهَا مِمَّا مُنِعَ شَرْعًا. فَالْتَوَسُّعُ فِي الْمُبَاحَاتِ نُهِيَ عَنْهُ فِي الشَّرْعِ، وَلِذَلِكَ يَأْخُذُ الْإِنْسَانُ مِنَ الزِّينَةِ قَدْرَ الْحَاجَةِ، وَلَا يَتَوَسَّعُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ بَابِ أَوْلَى فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْمُحَرَّمِ، فَلَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ أَنْ يَتَزَيَّنُوا بِالذَّهَبِ وَلَا بِالْحَرِيرِ. وَلِلضَّرُورَةِ يُجَوَّزُ، وَهَذَا مِنْ عَدْلِ الْإِسْلَامِ، فَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَّخِذَ سِنَّ الذَّهَبِ إِذَا لَمْ يَصْلُحْ لِإِصْلَاحِ سِنِّهِ إِلَّا بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ وَمَا كَانَ بِمَعْنَاهُ، إِذَا كَانَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِمِثْلِهِ، بِضَوَابِطَ مَعْرُوفَةٍ فِي الشَّرْعِ. وَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ بِاسْتِثْنَاءِ مِثْلِ ذَلِكَ. وَمِثْلُهُ الْحَرِيرُ، أَجَازَ الْإِسْلَامُ قَدْرَ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ، وَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ، وَلِحَاجَةٍ أَوْ لِضَرُورَةٍ بِضَوَابِطَ، وَمَا زَادَ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الزِّينَةِ الْمُحَرَّمَةِ. فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ تَزَيُّنٌ بِالْإِسْرَافِ وَالْمُخِيلَةِ وَالتَّبْذِيرِ الَّذِي حَرَّمَ الْإِسْلَامُ مِثْلَهُ؟ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. فَالْتَوَسُّعُ فِي الْمُبَاحِ يَدْخُلُ فِي الْإِسْرَافِ الْمُحَرَّمِ، وَفِعْلِ مَا لَا يُؤْذَنُ بِهِ، بِأَنْ تُنْفَقَ النَّفَقَةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا فِي زِينَةٍ، فَهُوَ كَذَلِكَ مِنَ الْمُحَرَّمِ. مِثْلُ أَنْ تُكْسَى الْحَيَوَانَاتُ اللِبَاسَ الْفَاخِرَ، أَوِ السَّيَّارَاتِ، أَوْ حَتَّى الْبُيُوتِ، بِمَا يَكُونُ فِيهِ مَعْنَى التَّبْذِيرِ الْمُحَرَّمِ. وَكُلُّ هَذَا مِنَ الزِّينَةِ الْمُحَرَّمَةِ. وَأَمَّا الزِّينَةُ الْمُبَاحَةُ، فَهَذَا مَأْذُونٌ بِهِ شَرْعًا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ". وَقَدْ تَزَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَوْمِ الْعِيدِ، وَاسْتِقْبَالِ الْوُفُودِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَرْضَاهُمْ. فَالْإِسْلَامُ دِينُ الْعَدْلِ الَّذِي يَأْمُرُ بِوَضْعِ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ كَمَالُهُ وَتَمَامُهُ، لَا يَتَعَدَّى إِلَى الْحَرَامِ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ مِنْ صَوَارِفِ الدُّنْيَا التَّفَاخُرُ، تَفَاخُرُ النَّاسِ بِالْأَحْسَابِ وَالْأَنْسَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا الزَّائِلِ، كُلُّ هَذَا مُحَرَّمٌ فِي الْإِسْلَامِ. وَهُوَ مِمَّا يُمْرِضُ الْقُلُوبَ وَيُورِثُ الشَّحْنَاءَ وَالْبَغْضَاءَ، وَيَصْرِفُ عَمَّا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْخَلْقِ مِنْ عِبَادَتِهِ وَإِخْلَاصِ التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ. وَلِذَلِكَ مَنْ يَشْغَلْ بِمِثْلِ هَذَا، يُحْرَمُ فِي الْغَالِبِ التَّوَجُّهَ إِلَى اللَّهِ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ. وَهَذِهِ صِفَاتُ أَهْلِ الدُّنْيَا، الْانْشِغَالُ وَالتَّوَسُّعُ فِي هَذَا. فَمِنْهُ مَا جَازَ بِضَوَابِطَ، مِثْلُ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ، وَمِنْهُ مَا لَا يَجُوزُ الْبَتَّةَ، مِثْلُ الرَّابِعِ وَالتَّفَاخُرِ. وَمِنْهُ مَا يَجُوزُ بِضَوَابِطَ، كَالْخَامِسِ وَالتَّكَاثُرِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، فَإِنَّهُ لَهُ ضَوَابِطُ فِي الشَّرْعِ. وَقَوْلُهُ: "كَمَثَلِ غَيْثٍ"، أَيْ هَذَا هُوَ حَالُ الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنَّ نُزُولَ الْغَيْثِ وَحُصُولَ الْخَضِرَةِ فِي الْأَرْضِ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْجَمَالِ يُشْبِهُ جَمَالَ الدُّنْيَا وَزُخْرُفَهَا، لَكِنَّهُ سُرْعَانَ مَا يَذْهَبُ وَيَزُولُ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُهُ: "أَعْجَبَ الْكُفَّارَ". وَقَدْ فُسِّرَ بِأَنَّهُمُ الْمُزَارِعُونَ، كَمَا فَسَّرَهُ الْمُفَسِّرُ هُنَا، قَالَ: "الزَّرْعُ"، وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ آخَرُونَ - كَمَا تَرَوْنَ فِي التَّعْلِيقِ - الْمُرَادُ بِهِمُ الْكُفَّارُ عَقِيدَةً، لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَفْتَتِنُونَ بِالدُّنْيَا. وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ صَحِيحٌ، لِأَنَّ لَفْظَ الْكُفَّارِ لَفْظٌ يُطْلَقُ عَلَى الزَّرْعِ، وَهُوَ وَصْفٌ مِنْ أَوْصَافِهِمْ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْكَافِرِ فِي الدِّينِ. وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مَقْصُودٌ هُنَا، أَيْ كَمَا أَنَّ الزَّرْعَ يَغْتَرُّونَ بِهَذَا الزَّرْعِ، وَسُرْعَانَ مَا يَزُولُ عَنْهُمْ، أَوْ يَزُولُونَ عَنْهُ، فَكَذَلِكَ الْكُفَّارُ الَّذِينَ شَغَلَتْهُمْ هَذِهِ الدُّنْيَا، فَحَالُهُمْ كَحَالِ الزَّرْعِ. فَإِمَّا أَنْ تَذْهَبَ عَنْهُمُ الدُّنْيَا، وَإِمَّا أَنْ يَذْهَبُوا عَنْهَا، وَيَكُونَ النَّدَمُ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: "أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا"، قَالَ: "يَيْبَسُ"، يَعْنِي يَتَدَرَّجُ فِيَمُرُّ بِمَرَاحِلَ حَتَّى يَصِلَ إِلَى الْإِسْفِرَارِ، فَيَكُونُ حُطَامًا فَتاتًا يَضْمَحِلُ بِالرِّيَاحِ. وَالْحُطَامُ هُوَ الَّذِي يَتَحَطَّمُ، يَعْنِي بَلَغَ مِنَ الْيُبُوسَةِ مَا صَارَ سَهْلَ التَّحَطُّمِ. وَأَنْتَ تَعْرِفُ وَرَقَ الشَّجَرِ إِذَا يَبِسَ، فَبِمَجَرَدِ أَنْ تَلْمَسَهُ يَتَحَطَّمُ، وَهَذَا حَالُ هَذِهِ الدُّنْيَا. وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ، قَالَ: لِمَنْ آثَرَ عَلَيْهَا الدُّنْيَا، يَعْنِي فَاتَّخَذَ تِلْكَ الْخَمْسَ وَمَا كَانَ بِمَعْنَاهَا فِي حِسَابِ طَاعَةِ اللَّهِ وَمَرْضَاتِهِ، فَخَرَجَ بِذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ. وَمَغْفِرَةٌ مِن