الدرس في كتاب الحج 16، الدرس السادس عشر : من : ( الغريب نزلت فيَّ يعني الآية ... 8-وفيه تفقد الأمير والقائد أحوال رعيته ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ حديث كعب بن عجرة وسبب نزول آية الفدية في الحج، ويبين معاني المفردات الواردة في الحديث والمعنى الإجمالي له. يتناول المقطع شرح المفردات والسياق التاريخي للحديث.
يتناول المقطع فدية المحرم الذي يحلق رأسه بسبب الضرر، ويشرح شروط جواز الحلق والفدية المترتبة عليه. يبين آراء أهل العلم في الترتيب أو التخيير في الفدية.
يشرح المقطع معنى "أو" في القرآن وأنه لا يفيد الترتيب، ويبين دور السنة في تفسير القرآن وتوضيح أحكامه. يذكر أمثلة على ذلك من الفدية في الحج والصيام والإطعام.
يتحدث المقطع عن أهمية الرأفة والرحمة في الحكم ومراعاة أحوال الرعية، ويشير إلى استمرار هذا الموضوع في درس لاحق. يظهر المقطع الحرص على إكمال الموضوع في وقت لاحق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال: أولًا، قوله: نزلت في، يعني الآية، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: وقوله: «حملت» بالبناء للمجهول؛ لأجل يبين أن الأذى بلغ به حدًا يضر به، فليس كل من في رأسه قمل يكون له هذا الحكم، ولكن القمل كان متفشيًا إلى حد أنه لا يستطيع أن يمشي بنفسه، بل حمل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من شدة الوجع. قال: ثالثًا، «ما كنت أرى» بضم الهمزة بمعنى أظن، ومر معنى أنه رواية «أرى» ورواية كذلك «أرى» بالفتح، وسيأتي معنى أن «أرى» من الرؤية القلبية، و«أرى» من الرؤية البصرية. قال: رابعًا، «ما أرى» بفتح الهمزة بمعنى أشاهد. خامسًا، «الجهد» بفتح الجيم: المشقة، وبضمها بمعنى الوسع والطاقة، والمراد هنا الأول؛ لأنه قال: «ما كنت أرى الجهد بلغ منك ما أرى»، يعني ما كنت أظن أن المشقة بلغت بك هذا الحد الذي أراه الآن. قال: سادسًا، «الفرق» بفتح الفاء والراء: مكيال يسع ثلاثة آصع نبوية، ومر معنى أن الصاع كم أمداد يا محمد؟ أربعة أمداد، الصاع أربعة أمداد. قال: وتقدم في الزكاة تحرير الصاع النبوي ومكيالنا الحاضرة والمقارنة بينهما، ومر الكلام عليه في باب الزكاة، وأن الصحيح أنه أربعة أمداد، وأن الأربعة أمداد عبارة عن أربعة مكاييل، وكل كيل منها عبارة عن ما يملأ مدي أو مد كفي أو مد الرجل المعتدل، وقلنا: إنه لا ينضبط بالميزان؛ لأن كل ما يكال له وزن خاص، لكن على أقصى تقدير فهو لا يزيد على ثلاثة كيلو تقريبًا، لا يزيد على ثلاثة كيلو. قال: المعنى الإجمالي: رأى النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة في الحديبية وهو محرم، وإذا القمل يتناثر على وجهه من المرض، ولو سأل متسبب من المرض، وليس هذا فحسب، بل بلغ به الأمر أنه حمل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا معناه أن القمل اشتد به حتى صاحبه مرض آخر غير وجود القمل بسبب القمل. قال: وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، فرق لحاله، وقال: «ما كنت أظن أن المشقة بلغت منك هذا المبلغ الذي أراه»، فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ إلى آخر الآية. ولهذا جاء في أحد الروايات -كما سيأتي معنا الإشارة إليه- أنه قال رضي الله عنه: «نزلت فيَّ خاصة، وهي للناس عامة»، يعني هذه الآية سبب نزولها أنها نزلت في كعب بن عجرة رضي الله عنه، لكن المعنى عام لكل من كان مثل كعب. قال رحمه الله تعالى: فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل يجد أفضل ما يفدي به وهو الشاه؟ فقال: «لا». فقال: «إذا لم تجد الشاه، فأنت مخير بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من بر أو غيره». قال: ويكون ذلك كفارة عن حلق رأسه الذي اضطر إليه في إحرامه من أجل ما فيه من هوام. وفي الرواية الأخرى: خيره بين الثلاثة، وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا المعنى في الخلاف بين التخيير وبين الترتيب. قال: ما يؤخذ من الحديث، يعني فوائد الحديث. قال: أولًا: جواز حلق الشعر للمحرم مع التضرر ببقائه، ويفدي. عندكم «باء» واحدة أو «باء» اثنتين، «باء» اثنتين طيب، عندي «باء» واحدة، من عنده «باء» واحدة يزيد «باء» ببقائه. وقلنا في أول هذا الكلام: إنه ليس كل من ظن الضرر فهو له هذا الحكم، لا، وإنما من استيقن الضرر. ولهذا فإن الحديث فيه هذا المعنى بقوله: «حملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وليس معنى أن كل إنسان في رأسه قمل إذن يحلق رأسه، لا، إذا كان القمل لا يضر المحرم فلا يحلق رأسه، وإنما يحلق رأسه من يتضرر بوجوده، فرخص له بحلقه مع الفدية، وهي الذي سميها العلماء -كما سيأتي- بفدية الأداء. قال: ثانيًا: تحريم أخذ الشعر للمحرم بلا ضرر، ولو فدى، يعني لا يجوز للمحرم أن يأخذ من شعر رأسه بغير ضرر، وإنما يجوز أن يأخذ عند الضرورة. قال: ثالثًا، وقوله: «ولو فدى» يعني ولو قال: أنا سأفدي، فلا يجوز ما دام أنه غير متضرر، فلا يجوز، ليس إخراجه للفدية مبيحًا له لحلق رأسه بدون سبب، لا، وإنما يجوز له أن يحلق رأسه وهو محرم إذا كان متضررًا، إذا كان متضررًا مثل رجل مثلًا لا يستطيع أن يبقي الشعر على رأسه بسبب جراح في رأسه، في رأسه جراح ويحتاج لاستعمال دواء معين، فيقال له: لا بأس احلق رأسك، أنت متضرر، ولكن افدي، افدي الفدية التي جاءت في هذا الحديث، في الآية. قال: ثالثًا: أن الأفضل في الفدية ذبح شاه وتقسيمها على الفقراء، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع؛ هذا لأن رواية عبد الله بن معقل فيها ذكر وتقديم الشاه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أتجد شاة؟» قال: «لا». قال: «فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين». وقد اختلف أهل العلم: هل هذه الفدية على التخيير أم على الترتيب؟ يعني هل يجب عليه أن يبدأ بالشاه أو أنه يجوز له أن يختار أي شيء من هذه الثلاثة؟ وهناك قولان، وأصح هذين القولين أنها على التخيير، والأفضل تقديم الشاه إن تيسر له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ به في هذه الرواية، وفي بعض الروايات: عبد الرحمن بن أبي ليلى -كما سيأتي إن شاء الله- الإشارة إليه، ولأنه نص القرآن، فنص القرآن: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. فإن قال: كيف في القرآن أخر النسك، وفي الحديث قدم النسك -يعني الذبيحة-؟ فقيل: بما في الحديث، ولم يقال بما في القرآن. الجواب: أن السنة تفسر وتبين القرآن، هذا أولًا. وثانيًا: أن «أو» لا تفيد الترتيب بالأولوية بالترتيب في الذكر، فأنت إذا قلت: أكرم زيدًا أو عمرًا أو خالدًا، فليس معناه أن تبدأ بزيد ثم تثني بعمر ثم تثني بخالد، لا، لا يلزم ذلك؛ لأن «أو» لا تفيد الترتيب أصلًا، وإنما «أو» تفيد العطف بالتخيير، هذا هو معنى «أو» عند أهل اللغة. فلذلك يقال: السنة فسرت القرآن، السنة فسرت القرآن. وأما قول من يقول: إن هذا يفيد الترتيب، وعلى وجه الإلزام: يلزم من عنده شاه لا ينتقل إلى الصيام أو إطعام ستة مساكين، فهذا ليس بصحيح؛ لما سيأتي أولًا: لأن هذه الرواية ليست صريحة في الإلزام، «أتجد شاه؟» هو استفهام، هو استفهام، ولم يقل له: ابدأ بالشاه، وإنما قال له: «أتجد شاه؟» وأما رواية الترتيب التي جاءت خارج الصحيح، فالصحيح أنها شاذة -كما سيأتي معنا إن شاء الله من كلام الحفاظ- وأما رواية البخاري، فليس فيها التصريح بالترتيب، وإنما فيها السؤال، والسؤال يدل أقصى ما يدل على أولوية استحباب تقديم الشاه. قال رحمه الله تعالى: قال: أن الأفضل في الفدية ذبح شاة وتقسيمها على الفقراء، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع. لماذا قال: نصف صاع؟ لأنه قال: «كم فرق؟» والفرق -كما مر معنا- أنه ثلاثة آصع، فلكل مسكين نصف صاع. قال رحمه الله تعالى: ولأنه جاء في بعض الروايات ذكر ستة مساكين، قالوا: في الرواية الأخرى: التخيير بين الثلاثة، ويأتي تحقيقه قريبًا إن شاء الله. قال: رابعًا: كون السنة مفسرة مبينة للقرآن؛ لأن السنة فسرت لفظ القرآن وبيّنت مجموعة من المسائل فيه، فليست الرخصة لكل أحد، بل الرخصة لصاحب الضرورة، وكذلك بيّنت الأفضلية، وكذلك بيّنت هذا النسك ما هو، هذا النسك؟ هل هي بقرة أو شاه أو بعير أو ماذا؟ بيّنت أن النسك شاه، وبيّنت الصدقة: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ بيّنت الصدقة ما هي؟ إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وبيّنت ما هو الصيام؟ أن الصيام هو ثلاثة أيام، فالسنة تفسر وتبين القرآن. قال: فإن الصدقة المذكورة في الآية مجملة بيّنها الحديث. قال: خامسًا: ظاهر الحديث أن النصف الصاع يخرج سواء أكان من بر أم غيره، وهو مذهب مالك والشافعي ورواية عن أحمد، وهو الصحيح لظاهر الحديث. أما المشهور من مذهب أحمد: فيجزئ مد من بر أو نصف صاع من غيره. والصحيح الأول للنص. وأما القياس على ما سبق في كتاب الزكاة، فقد مر معنا الكلام عليه في كتاب الزكاة. قال: سادسًا: ظاهر النصوص نزول الآية بعد فتوى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فتكون الآية مؤيدة للوحي الذي لا يتلاء. قال: وسابعًا: وفيه رأفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهكذا ينبغي أن يكون العالم وولي الأمر ومن له ولاية عامة أو خاصة رؤوفًا بمن تحته من الرعية؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يتفقد رعيته. قال: وفيه تفقد الأمير والقائد أحوال رعيته. طيب، فيه كذلك -كما قلنا- من الرأفة والرحمة تفقد أحوال الرعية. نكتبه بهذا القدر لانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله بدرس لاحق.