اللقاء المفتوح 24

السؤال: اللقاء المفتوح 24، وكان يوم الخميس 4 شعبان 1442هـ الموافق 18 مارس 2021م بدار الحديث بالفيوش أجاب عنه الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام مالية وتوضيحات فقهية

يتناول هذا الفصل أحكام الركاز واللقطة والديون القديمة، ويوضح أهمية العرف في تحديد الأحكام المالية وتثمين الديون القديمة. كما يشير إلى دور قرارات الدولة في تحديد قيمة العملة عند السداد.

مفاهيم دينية وتوجيهات فقهية

يتناول هذا الفصل عدة موضوعات دينية وفقهية، حيث يشرح أهمية تقوى الله والصبر، ويوضح أحكامًا تتعلق بصلاة الجنازة ولغة أهل الجنة، ويبين جواز لبس الساعة باليد اليمنى أو اليسرى.

أهمية الصبر والعمل الصالح

يؤكد هذا الفصل على أهمية الصبر والعمل الصالح للوصول إلى الجنة، ويحذر من الكسل والعجلة، ويشير إلى ضرورة أن يرافق الدعاء عمل صالح.

فتاوى حول الصور والعطور

يتناول هذا الفصل حكم الصور والرسومات على الألبسة، ويشدد على تحريم الصور التي تثير الشهوات، كما يفرق بين الكحول المسكر وغير المسكر في العطور البخاخة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. أما بعد، فهنا مجموعة من الأسئلة، وإن شاء الله يجاب على ما تيسر منها. ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. يقول السائل: ما مقدار توجه طالب العلم لعلوم الآلة من علوم اللغة والأصول في مبتدأ طلبه للعلم وتوسطه فيه؟ لأهل العلم طرق، وأفضلها وأحسنها -والله أعلم- أن طالب العلم يأخذ من كل علم بحسب المستوى الذي هو فيه، فيبني نفسه من جميع العلوم شيئًا فشيئًا. فإذا أخذ مثلًا من متون العقيدة، أخذ نحوه مما هو قريب منه في المستوى من متون الفقه، ونحوه من نفس المستوى في اللغة، في الأصول، في المصطلح، وهكذا في سائر العلوم، فيرتقي طالب العلم درجة درجة. والعلوم يعين بعضها بعضًا، وكل علم يفتقر إلى العلم الآخر، ويكمله. وبه نعرف خطأ ما يسلكه بعض الناس، إذ يأخذون سلسلات علمية فيغفلون ويعرضون عن الجوانب الأخرى من العلوم، وهذا خطأ. فليس من الصواب أن يكون عندك مثلًا تدرج يصل بك إلى أعلى المستويات في اللغة وأنت لا شيء في العلوم الأخرى. بل تبني نفسك في كل العلوم شيئًا فشيئًا. ومثل من يفعل ذلك كمثل من يبني بناءً بجانب وناحية واحدة، كيف يكون هذا البناء؟ يكون البناء هزيلًا وضعيفًا وعرضة للسقوط. لو أن إنسانًا بنى عمارة أربع أدوار، ما بنى منها إلا الدور الأمامي فقط، يعني ما بنى منها إلا الواجهة الأمامية، ثلاثة واجهات من الخلف واليمين والشمال ما في شيء، ما في جدران. كيف يكون هذا الجدار؟ هزيل وفي خطر، صاحبه في خطر. بينما لو بنى كل دور من الأربع الجهات، شد هذه الجهات بعضها بعضًا، فصار بناءً متينًا قويا، ولو لم يكن قد وصل إلى الدور الثاني، لكن الدور الأول متين. فليس الشأن كل الشأن أن تصل إلى المستويات العليا، ولكن الشأن كل الشأن أن تتقن وتتمكن من العلوم التي أخذتها. ولذلك لو درست مثلًا «أصول الثلاثة» أو «القواعد الأربعة» أو «كتاب التوحيد»، واحتجت أن تعيدها مرة ومرتين وثلاث أو أكثر، هذا أفضل لك من أن تمر مرور الكرام مرة وأنت لم تتقن هذه الكتب، وتنتقل إلى الأعلى والأعلى والأعلى، وهكذا وهكذا في العلوم الأخرى. حتى علوم الآلة في اللغة مثلًا، بعض الناس يدرس «التحفة» مرور الكرام، «الآجرومية» ثم «التحفة» مرور الكرام، وهكذا ما فوق، ما فوق. فإذا به ضعيف في اللغة. يدرس «ابن عقيل» ولكنه بالحقيقة ما أتقن حتى «الآجرومية» ولا «التحفة»، فهو غير متقن لهذا العلم. وآخر ربما فقط عنده إتقان لهذا العلم في أول الكتب، هو أفضل منه. فإذا ليس الشأن كل الشأن أن يقال: أنك وصلت إلى مستوى كذا وكذا، لكن الشأن كل الشأن أن تتقن ما تأخذ. وأهم من هذا أنك تستوعب العلوم بشمولية، فتأخذ من كل علم بما يناسب مستواك. وهذه الطريقة التي يسلكها العلماء قديمًا وحديثًا، وهي التي جرت عليها دراسة مشايخنا وعلمائنا، وهكذا كذلك حتى المدارس والجامعات والكليات، على هذا يعطونك من العلوم ما يناسب مستواك، وهكذا ترتقي في كل علم وفي كل مرحلة إلى ما هو أعلى. تقول: ما هي الكتب التي تدرس في علوم الحديث؟ وما هي المتون التي تحفظة؟ الحمد لله، في المراكز الكتب المعتمدة هي الكتب التي ينصح بها العلماء، فتأخذ ما تيسر منها وتدرج في ذلك. فتبدأ مثلًا بنظم «البيقونية» وشرحها أو شروحها، كـ«التقريرات السنية»، ثم ترتقي بعد ذلك إلى إما «الباعث الحديث» أو «نخبة الفكر»، وهكذا ترتقي في الكتب حتى تصل إلى «ألفية العراقي» أو «ألفية السيوطي»، مرورًا بكتب أخرى فروع في هذا العلم. تقول: يحصل في بعض البلدان أن تحفر بعض المقبرة أو القبور لليهود، فيظهر قبر يهودي وفيه جنبية من ذهب أو بعضه ذهب، فما الحكم فيه؟ أولًا: ما وجد بغير قصد وعمد، فهذا كما تقدم مما يدخل في الركاز. وهل يجوز أن يتعمد بحفر القبور؟ الجواب الصحيح: لا. لأن هذه القبور لها حرمة، وغالب هؤلاء أهل الكتاب الذين دفنوا في بلاد الإسلام هم من أهل الذمة أو من كان بمعنى هؤلاء، ممن لهم حرمة، فلا يجوز الاعتداء على حرمتهم. ثم كذلك هذا يستدعي خصومات وفوضى، إذ فتح هذا الباب، تكون سببًا لفوضى كبيرة في الاعتداء على القبور، يبدأون بهذا ثم بعد ذلك ينظرون من من المسلمين مات وعنده سن ذهب ومن مات وعنده كذا وكذا. وهذا موجود، وللأسف لبعض الدول يحفرون وينبشون قبور حتى المسلمين لأجل سن ذهب أو شيء نحو ذلك. تقول: ما حكم الدلالات وأخذ نسبة اثنين ونص بالمئة؟ هذا يرجع فيه إلى العرف، إن جرى العرف بهذه النسبة فذاك، أو أكثر أو أقل، فبحسب العرف. لأنه لم يرد نص في هذا الشرع. ومثل هذه القضايا مردها إلى العرف، كما قال القائل: «وعرف معمول به إذا ورد نص من الشرع الشريحي لم يحد». يقول: إذا رأيت ركازًا في أرض غيري، هل يجوز تملكها؟ إذا كان هو بحفر، فلابد من إذن المالك. وأما إذا كان لقطة في طريق يمر فيه كل الناس، فهي لقطة من اللقطات. إن كانت لقطة لمسلم عرفتها، وإن كانت لغيره على حسب هذه اللقطة. يقول: ما حكم الديون التي كانت بالعملة القديمة في الجنوب الدينار، هل تقضى بصرفها بالدولار أم باليمني؟ اختلف أهل العلم في مثل هذه الصورة، وقد ابتلي بها الناس في عدة دول وبلدان. والصواب -والله أعلم- أنه إذا قد اعتمدت الدولة تثمينًا، فيعتمد ذلك التثمين. وإذا لم تعتمد الدولة تثمينًا، فينظر بقيمتها في ذاك الزمان، ثم ينظر بصرف ذلك في زمان السداد، في زمان السداد. هذا أقل العدل في مثل هذا، والله أعلم. يعني مثلًا: الدنار كان موجودًا، ثم ألغيت هذه العملة واستبدلت بماذا؟ بالريال. لكن قد صرفت هذه العملة في ذاك الزمان، المئة بمئة وثلاثين، هكذا كان صرفها. فإذا الدولة اعتمدت مبلغًا، مبلغًا، فبعد هذا الاعتماد يصير بصرفها فيما اعتمدته الدولة. فمن كان عليه مثلًا دين ألف، كان أول يقولون له: إيش؟ شلن صح؟ ألف شلن أو درهم. من كان عليه دين ألف شلن، ألف شلن يساوي بالعملة الريال اليمني بتثمين الدولة، ألف وثلاثمائة. ألف وثلاثمائة، فإذا الدين ألف وثلاثمائة يسددها، أو يسددها بصرفها في وقت السداد. واضح؟ لكن إذا كان دولة ما حصل تثمين لعملتها، ألغيت هذه العملة وليس لها تثمين، فينظر في وقت ذاك الزمان كم كان ثمن العملة بأي عملة ما زالت باقية إلى وقت السداد، فينظر صرفها ويعطى بصرفها. على أن العملات تزيد وتنقص، أنتم ترون اليوم مثلًا العملة اليمنية نزلت جدًا. في ذاك الزمان لما كان الصرف مئة وثلاثين، كان -فيما أذكر- الصرف بسبعة، يعني الريال السعودي بسبعة ريال، بسبعة ريال، أو بسبعة شلن، ثم صار بعد ذلك إلى أكثر. أظن وصل إلى ثلاثة عشر في ذاك الزمان. والآن -ما شاء الله- كم؟ الريال بكم؟ مئتين وأربعين، اليوم، ولا مئتين وخمسين، ومئتين وخمسين. فهذا الحدود مئتين وشيء، مئتين وأربعين، ومئتين وخمسين، مئتين وثمان وثلاثين. طيب مئتين وثمان وثلاثين، فهذا فرق كبير جدًا. العملة هي نزلت، لكن إذا لم نعرف ثمن العملة بشيء قد ثمن من الدولة، فنبقى على أقرب عملة ما زالت موجودة، فيتعامل بها. فليس دائمًا يكون فيه العدل. أريد أن ننبه إلى هذا، لأن بعض الناس مثلًا يقول: خلاص الدينار في ذاك الزمان كان كذا وكذا دولار، إذن نحسبه كذلك في هذا الزمان. نقول: لا، ليس بالصحيح. لأن الدينار ثمن بالريال اليمني، فعلينا أن نعمله بالريال اليمني، والله أعلم. طيب يقول: ما معنى قولكم في حجية قول الصحابة إذا لم تكن في مسائل اجتهاد؟ هذا في دروس سابقة، يعني مثل تفسير القرآن، مسائل العقيدة. أما المسائل التي يقع فيها الاجتهاد والخلاف، فقول الصحابة الواحد المجرد ليس ملزمًا للأمة، ليس ملزمًا للأمة، ليس كالدليل الشرعي. لكن قول الصحابة الواحد في العقيدة ملزم، لأن هذا لا يمكن أن يقال بماذا؟ بالاجتهاد، لا يمكن أن يقال بالاجتهاد، ولو كان قول صحابي واحد. لكن في مسائل الفقه وقع الخلاف، وقعت مسائل بين الصحابة وبعد الصحابة، فهذا مما يسع فيه الخلاف، والله أعلم. يقول: هل رد السلام يعتبر من ذكر الله؟ نعم، من ذكر الله. السلام اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى، وهو وإن كان فيه معنى التسليم، لكنه ذكر. تقول: هل من السنة لبس الساعة باليد اليمنى؟ الأمر واسع. الأمر واسع. بعض أهل العلم يرى أن لبس الساعة يقاس لبسها على لبس الخاتم، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما جاء في حديث أنس لبس الخاتم باليمين، وجاء في بعض الأحاديث والرواية لبسها بالشمال، وآخر عهده لبسها باليمين، وجعل فص الخاتم من جهة باطن كفة، يعني الفص إلى تحت. قال العلماء: لأجل لا يشغل غيره في الصلاة وفي غيرها. وكذلك صح بصريح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم في آخر أمره كان يختم به ولا يلبسه، في آخر عهده عليه الصلاة والسلام كان يختم بالخاتم ولا يلبسه حتى توفي عليه الصلاة والسلام. فهذه ثلاث صور وكيفيات صحت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فالأمر واسع. وإن لبسته في اليمين على أنه الأكثر الوارد، فلا حرج. وحديث عائشة في الصحيحين: «كان النبي عليه الصلاة والسلام عجبه التيمن في شأنه كله». فالإكرام لليمين كان من هديه عليه الصلاة والسلام. فإذا فعلت هذا لا بأس، إذا لبست في الشمال لا حرج، فالأمر واسع، لا يحتاج أن يكون هذا محل نزاع وشقاق. قد تحتاج أحيانًا تلبس في اليمين، وقد أحيانًا تحتاج في الشمال، مثلًا إنسان يده اليمنى هي اليد العمل، هو وقت العمل وأنت معك الساعة، تضرب بالمطرقة بقرابتك، ما تريد الساعة تعيش معك أكثر، أو الذي يشتغل شيء. فالأمر بحسب المصلحة، لا حرج. يقول: ما الواجب على من فاتته بعض تكبيرات صلاة الجنازة وهو يريد الدخول مع الإمام؟ هل ينتظر أم يقضيها والإمام يصلي؟ لا، ادخل حيث أدركت، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». وهذا عام يشمل صلاة الفريضة والجنازة والسنة، كالتراويح مثلًا. وما فاتكم فأتموا، إذن إذا فاتتك تكبيرة بعد أن يسلم الإمام، لا تسلم، كمل التكبيرة ثم سلم. فاتتك أكثر، كمل الذي فاتك ثم سلم، مثل ما تفعل في الفريضة. تقول: ما هي لغة أهل الجنة؟ وهل يوجد نص صريح صحيح يدل على تحديد لغة أهل الجنة؟ ظاهر الأدلة تدل أن لغة أهل الجنة هي العربية. بل صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن لأهل الجنة قراءة، وصح عنه عليه الصلاة والسلام أن قراءة أهل الجنة «غير المغضوب عليهم ولا الضالين»، معناه قراءة من؟ نافع، قراءة نافع. فـ«لأهل الجنة لغة ولهم قراءة»، والقراءة لهجة من لهجات اللغة العربية. القراءات عبارة عن لهجات لهجات اللغة العربية. أنزل القرآن على سبعة أحرف، ليس معناه على سبعة قراءات، ولكن معناه على سبعة لهجات. وهذه اللهجات هي القراءات العشر السبع وتتمتها. يقول: هل يمكن التعليق على هذه الكلمات: «تقوى الله والصبر وعدم الاستعجال»؟ «تقوى الله» أن تجعل بينك وبين غضب الله وقاية. وليس الشأن كل الشأن أن تعلم معنى الكلمة، بقدر ما الشأن أن تحقق معنى هذه الكلمة. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، حق تقاته. كثير يعرف معنى التقوى، ولكن لا يحقق حقيقة التقوى. فالمهم أن نحقق معنى التقوى، ونمرر ذلك على أقوالنا وأفعالنا ومواقفنا وحياتنا الظاهرة والباطنة. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على أنفسنا الأمارة بالسوء. «والصبر» كذلك فمن استطاع عليه، كان له الأجر العظيم عند الله، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. والصبر أقسام، كم أقسام الصبر؟ ثلاثة. الصبر على طاعة الله، والموفق من وفقه الله. والصبر عن معصية الله، والموفق من وفقه الله. الدنيا قصيرة، فإذا تتبعت شهوات نفسك، رمت بك في القاذورات. يتتبع الإنسان خطوات الشيطان، فما يدري نفسه إلا ورمى نفسه في الزبالة، هذه نهاية خطوات الشيطان، من خطوة إلى خطوة حتى يرميك في القاذورات. والصبر على أقدار الله سبحانه وتعالى. ومن الصبر على طاعة الله: الصبر على العلم، والصبر على العمل، والصبر في الدعوة إلى هذا العلم العمل. فالصبر شأنه عظيم، ولهذا كل خير ديني ودنيوي لا يتوصل إليه إلا بماذا؟ بالصبر. ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. وهكذا لو سألت كل إنسان وصل إلى تفوق ديني أو دنيوي، سيكون من أعظم أسباب تفوقه هو ماذا؟ الصبر. هل يستوي إنسان نائم، وآخر مجد مجتهد؟ إيش الثمرة؟ النائم العدم، لا شيء. وهذا الذي جد واجتهد وصبر، هو لما جد واجتهد كان هذا سهل عليه؟ ليس سهل، ليس سهل أن تصبر نفسك حتى تحفظ متنًا علميًا، فكيف يمتون علميًا؟ ليس سهل أن تثني ركبك بين يدي العلماء والمشايخ. طلبة العلم اليوم بعد اليوم، والأسبوع بعد الأسبوع، والشهر بعد الشهر، والسنة بعد السنة. ولكن الثمرة ماذا؟ أنت تبني نفسك. فاليوم يا أيها المسلم، يا أيها المسلمة، يا طالب العلم، أنت تبني مستقبلك. اليوم أنت تبني مستقبلك. هذا الذي يبني مستقبله باللهو والعبث والعطل، هل يبني شيء؟ ما يبني شيء. وهذا الذي يبنيه بالجد والاجتهاد والصبر والمثابرة، يبني شيئًا. حتى البناء الحسي، هذا يأتي كل يوم ويضع لبنة لبنة لبنة، لبنة واحدة فقط، في النهاية يبني بيتًا كاملًا. وهذا الذي استكثر وضع اللبنة، مر الوقت ولم يبنِ شيء. ونفس الشيء البناء المعنوي، العلم بناء معنوي، الإيمان بناء معنوي. وأنت تتدرج في هذا البناء، ولهذا كان الإيمان شعبًا، وكان درجات، والجنة درجات. تريد الدرجة العالية في الجنة، هل تستطيع أن تصل إليها بالكسل؟ لا، صبر نفسك على الجد والاجتهاد. فأنت إذا تريد الجنة العالية، أعلى المراتب، إذن اعمل لهذه المراتب العالية. ماذا عملت حتى تصل إلى المراتب العالية؟ لما جاء الرجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وطلب منه أن يجعل الله له أن يجعله معه في الجنة، قال له عليه الصلاة والسلام: «أو غير ذلك؟» قال: «بل هو ذاك». قال: «فأعني على ذلك بكثرة السجود»، يعني دعاء. وحديث ما يكفي، مع أن دعاء النبي عليه الصلاة والسلام مستجاب أم لا؟ مستجاب. لكن الدعاء وحده ما يكفي، لابد معه ماذا؟ من عمل. أنت تدعو الله: «يا الله أسألك الجنة، أسألك الفردوس الأعلى». هذا لسانك، أعمالك هل تدل أنك تريد الفردوس الأعلى؟ هل لك أعمال تدل أنك حقًا تريد الفردوس الأعلى؟ برهن أن أعمالك تدل أنك حقًا تريد الفردوس الأعلى؟ إذن اعمل هذه الأعمال، أعمال صالحة، اجتنب الأعمال السيئة، خالق الناس بالخلق الحسن. «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا»، وغير ذلك. فإذن الصبر مفتاح كل خير، ومغلاق كل شر ديني ودنيوي. «وعدم الاستعجال» هو من أعظم أسباب السلامة. ولذلك حذرنا النبي عليه الصلاة والسلام من العجلة، قال: «العجلة من الشيطان، والتأني من الرحمن». إذن تأنه أمورك كلها، لا تجعل من خلقك العجلة، اجعل من خلقك الرفق والحلم وماذا؟ التأني. وبعض هذه الأخلاق ثقيلة، لكن بمجاهدة النفس يستطيع الإنسان أن يتعودها، ويجعلها له خلقًا ومسلكًا. فالأخلاق -كما قيل- منها ما هو المكتسب، ومنها ما هو الجبلي. وما لم يكن جبليًا فاجتهد في اكتسابه وتحصيله، ومع مرور الوقت يصير -إن شاء الله- خلقًا وجبلة لك. ونسأل الله عز وجل أن يعيننا على أنفسنا. يقول بعض الناس: فهم لما تكلمت في قضية القات والرفق، أن هذا معناه الترخيص في القات. هل أحد فهم هذا الفهم؟ لا، إنما المقصود الحكمة بالتعامل مع المخالفين، وليس معناه التساهل في هذا أبدًا. ولذلك نكرر في الجلسات الخاصة والعامة أن هذه الظاهرة يجب أن تحارب، وأنه لا ينبغي أن يتساهل فيها، فهي من المسالك المنحرفة التي تجر إلى تبعات كثيرة. وهذا الشاب أو ذاك الأب أو تلك الأسرة التي تبتلى بهذه الشجرة الخبيثة، لا تبتلى فقط بأكل هذه الشجرة، بل تبتلى بجوانب أخرى سيئة. هذه الشجرة مظهر من مظاهر تلك الانحرافات. يعني ما تدخل هذه الشجرة بيتًا إلا وقد دخل الشيطان قبله من أبواب كثيرة، ويجيء هذا مكملًا فقط، هذا مكمل. فلذلك نحن ينبغي أن نتعاون في إزالة هذه المنكرات، وهذا منكر من المنكرات. لكن لا يعني ذلك أن ندخل في خصومات وصراعات. فبعض الناس نستطيع أن نلزمه لأنه من سكان المركز، وقد وقع على شروط السكن، وهذا قد يكون لنا عليه سبيل. بعض الناس عابر سبيل، زائر، لا يعرف شروط المركز، هذا يعلم وينبه وينصح بالتي هي أحسن، ويوضح له، وهكذا. هذا المقصود، بارك الله فيكم. يقول: رجل توفي وزوجته حامل، ثم وضعت حملها بعد وفاته، فهل يجوز لها أن تغسل زوجها، علما بأنها انقضت عدتها؟ الصحيح أنها لا تزال زوجته، لأن المرأة لآخر زوج لها. المرأة لآخر زوج لها. وقول بعض أهل العلم بأن المحرمية تنقطع بالوفاة أو بانتهاء العدة، هذا ليس بالصحيح، والله أعلم. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة -ما في الصحيحين- أنه لو مات قبلها لغسلها، وهي قالت: «لو أنك كذلك لغسلتك». فدل على مشروعية ذلك. فقول من قال: أن المحرمية تنقطع أو الحرمة تنقطع، فهذا ليس بالصحيح. وأدلة ذلك كثيرة. بل عائشة رضي الله عنها تقول: «أردت أن يكون قبري مع قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لما استأذنها لما وضع قبر ببكر هو كذلك أبوها، ولكن لما استأذن عمر فآثرت عمر رضي الله عنه لمكانته، لمكانة عمر». والشاهد أنها ستنقضي عدتها بعد كم؟ أربع أشهر وعشرة أيام. ومع ذلك ما رأت بأسًا في قفائها مع زوجها وأبيها، ولكن رأت البأس بعد وجود ماذا؟ وجود عمر رضي الله عنه وأرضاه. واضح؟ يقول: ما حكم زكاة الديون التي لك والتي عليك؟ الصحيح والمسألة فيها خلاف، أن يفصل بين الديون التي يرجى رجوعها، فتزكي عنها. والديون التي لا يرجى رجوعها أو يغلب على الظن عدم رجوعها، فهذه لا تزكي عليها حتى تقبضها، وتزكي لسنة واحدة فقط، والله أعلم. وإذا كان لك وعليك، فهل يجوز لك أن تخصم هذا من هذا؟ نعم، بعض العلماء قال: نعم، يجوز تخصم هذا من هذا. يقول: أنا أعمل في المحل صرافة، وفي بعض الأوقات يأتي يؤتى بمال كثير، ويوضع في المحل في الطريق، فنضطر للمشي عليها أثناء العمل. السؤال: ما حكم المشي على هذا المال؟ ينبغي أن لا يكون ذلك، ويعمل حل. لكن إذا اضطررتم، فالضرورات تبيح المحظورات، نعم. يقول: هل الشيخ بن عثيمين رحمه الله تراجع عن الفتوى أنه يجوز نبش قبر المسلم إذا أصبح رفاتًا لإخراج سن الذهب؟ لا أعرف، تراجع ما أدري، يحتاج أن تراجع المسألة، الله أعلم. يقول السائل: عندنا في قريتنا صراف، إذا حول لي أخي مثلًا مئة ألف ريال يمني، فيدفع أخي رسوم الحوالة الصرافة السعودية. فإذا يجيء تلقاء صاحبنا الصراف، يقول: «أريد ألفًا حق الرسوم»، ويأخذ ألف ريال، وأخي قد دفع الرسوم. فالفعله هذا الصواب؟ المسلمون على شروطهم، إذا كان بينهم شرط، فلا يجوز له أن يأخذ منك. وكما تقدم ينبغي أن تكون بنفس العملة. إذا اختلفت العملة من بلد الإرسال وبلد الاستلام، فالواجب الوفاء بالشروط، وأن لا تكون الشروط تخالف الشرع. وإذا خالف، فهنا يكون عليه الإثم في ذلك. يقول: هل تقال زكاة النقود على نصاب الذهب أم الفضة؟ فقد فهم من كلامكم أنه على الذهب. إذا كانت كذلك، فربما أكثر من ثلاثة ملايين ليست فيها زكاة. مسألة فيها خلاف، والصحيح أنه على نصاب الذهب، والله أعلم. يقول: أنا حافظ للقرآن، ولي عشر سنوات في طلب العلم، ولا أريد الخروج للدعوة. في رمضان وفضل المجاورة في المركز وإصلاح نفسي أكثر. والإخوة يريدونني أن أخرج، فما نصيحتكم؟ إن كنت أهلًا للخروج، فاخرج، دعوة إلى الله، تزكية للعلم، تنفع نفسك وإخوانك. وهذه طريقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فالدعوة إلى الله سنة الأنبياء. وتحتسب ذلك، وإن شاء الله سوف يفقه الله ويشرح صدرك، وربما يكون سببًا لإصلاح نفسك. يقول: ما حكم لبس الملابس التي فيها قلوب؟ الملابس التي فيها قلوب، إن تركت فهو أحسن. إن كانت هذه القلوب تثير المعاني السيئة. وأما إذا كانت قلوبًا مقترنة بزهور ونحوها، كألبسة الأطفال، فهذا -إن شاء الله- من الأمور المباحة. أما ما كان فيها المعاني السيئة والمعاني المثيرة، وخصوصًا إذا صورت ولونت وكتب معها بكتابات تثير وتخرج كوامن النفوس وشهواتها، فهذا لا شك أنه يغلق ويسد. فدعوا المفاسد مطلوب. ولذلك حذر العلماء حتى من الأسماء التي تثير، فهذا من باب أولى، فنهوا عن اسم «كواكب» و«رهام» ونحوها من الأسماء المثيرة. فكيف بالرسومات؟ وإذا اقترنت مع ألوان وصور وكتابات، والله المستعان. يقول: هل يجوز استعمال العطر البخاخ إذا كانت نسبة الكحول فيها تسعين في المئة؟ كما تقدم: الكحول منه ما هو مسكر، فهذا حرام، لا يجوز. ما أسكر كثيره فقليله حرام. ما أسكر مل الكف منه فهو كذلك حرام. حديث ابن عمر بالصحيح، وغيرها من الأحاديث الأخرى. ومنها ما فيه اسم الكحول العلمي، ولكنه لا يسكر، فمثل هذا لا يضر، ولو سمي كحولًا. فليس كل كحول حكمه حكم المسكر، بل المسكر منه هو الذي له حكم المنع. فالعبرة ليس بالأسماء، العبرة بالحقائق. اليوم بعض المسكرات ما تسمى كحول، يعني بكل جرأة، تجد بعض الناس يسمي «الكحول الخمر مشروبات روحية»، ويقول: «نبيذ» أو غيرها من المسميات الأخرى، باللغات المختلفة. العبرة بالحقائق. ما أسكر كثيره فقليله حرام، هذا هو الضابط. وهكذا كذلك في العطور. طيب نكتفي بهذا وإلى هنا، والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. شكرًا.