المحاضرة بعنوان فضل مجالس العلم، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 11 محرم 1440هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُبين الشيخ فضل مجالس العلم والذكر وأهميتها في نزول السكينة وزيادة الإيمان واليقين، مستشهدًا بحديث أبي هريرة. يُفصّل في الجوائز العظيمة لمن يتلون كتاب الله ويتدارسونه.
حضور مجالس العلم والذكر يؤثر في القلوب ويصلح النفس وأسرتها، ويزيد الحسنات ويكفر السيئات. كما أنه يذكر الإنسان بما نسي ويحفزه على الاجتهاد أكثر.
يُشدد على أهمية حضور مجالس العلم والذكر لأنها ترفع درجات المؤمنين وتثبتهم على الحق، ويُذكر أهمية الإخلاص في الصلاة والعلم. يُحذر من إهمال العلم النافع الذي يحصن المسلم من الفتن.
والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد؛ نحمد الله سبحانه وتعالى الذي يسر لنا بهذا المجلس الطيب المبارك في بيت من بيوت الله، نتذاكر ما ينفعنا من العلم النافع، ما يعيننا إن شاء الله على العمل الصالح. وفي حديث أبي هريرة في الصحيح المشهور: «مجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله وتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده»، أربع جوائز عظيمة جعلها الله سبحانه وتعالى لمن وفقه لمجالس العلم والذكر، وذكر القرآن والمسجد. كما قال العلماء: لا يُقصد به الحصر، ولكن فيه هذا الفضل، وما كان بمعناه كذلك من العلم الشرعي. ألا إني «أُتيت القرآن ومثله معه»، هكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهكذا هذه المجالس المباركة كما سمعنا فيها هذه الجوائز وغيرها. فتنزل السكينة التي وجدها الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في قلوبهم حين جلسوا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنكروا قلوبهم حين فارقوا مجالس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بما علمنا من قوله: ساعة وساعة، فساعة العبد مع العلم سبب لنزول السكينة والإيمان واليقين، وارتقاء المؤمن في مراتب ودرجات هذا الدين إلى الأعلى. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾، وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾، فتلاوة الآيات وسماع الآيات من كتاب الله، ومذاكرة العلم من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سبب في حصول ونزول السكينة، وكذلك الإيمان واليقين والارتقاء في الدرجات العلى من هذا الدين. فلذلك ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يدفع بنفسه، ويحث كذلك على شيء من هذه المجالس تهذيبا وإصلاحا وتطهيرا لظاهره وباطنه بهذا العلم النافع، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من خاصة أهله، وأن يميتنا على ذلك. وهكذا كذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: «حفتهم الملائكة»، الملائكة تحتف بمجالس العلم ومجالس الذكر، وهكذا كذلك أنت تجد نفسك مع من وفقه الله للصبر على هذا الخير، ولا يوفق الله سبحانه وتعالى على هذا الخير أو إلى هذا الخير إلا من أكرمه سبحانه وتعالى بالاستقامة والصلاح، لأن طريق الخير لا يصبر عليه إلا أهل التوفيق. فتوفق كذلك برفقة صالحة من خاصة المؤمنين الذين وفقوا لثني الركب في مجالس العلم، فأنت تستفيد مع ما تسمع من العلم مجالستك لهذه الرفقة الصالحة، الذين قال عنهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «هم القوم لا يشقى بهم جليسهم»، في ذلك من الرجل الذي جاء وجلس المجلس، ولكن لحاجة لا لأجل العلم، فأكرمه الله بكرمه، وهو الكريم الرحمن سبحانه وتعالى، فألحق بحكمهم وإن لم تكن حاجته من حاجتهم. فإذا كان الله عز وجل يقول: «وإذا حضر القسمة ولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منها»، وهذا في قسمة ماذا؟ قسمة المال والدنيا، فكيف بقسمة العلم؟ كيف بقسمة العلم وفضل الله سبحانه وتعالى الكريم الرحمن بواسع فضله ورحمته؟ فإنها من باب أولى أن يكرمك الله عز وجل. ولذلك يجد الإنسان من التوفيق والفتح من الله سبحانه وتعالى إذا وفقه الله لمثل هذه المجالس ما لا يجده في غيرها، ما لا يجده في غيرها، فيدخل الإنسان بقلب ويخرج بقلب آخر، يدخل بنية ويخرج بنية أخرى، يدخل بهمة ويخرج بهمة أخرى، يدخل بنشاط ويخرج بنشاط آخر، لماذا؟ لأنه يسمع من آيات الله ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن المواعظ والمذكرات ما تؤثر في القلوب أعظم من تأثير السياط على الجسد. كما قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: «أثر الواعظات من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على القلوب أشد من تأثير السياط على الجسد، لأنها تحييها وتؤثر فيها أعظم من تأثير تلك السياط على الجسد»، فهذا خير يجعله الله عز وجل لك بالحرص على هذه المجالس، وهذه كذلك الدروس والمحاضرات والكلمات التي ينبغي أن تحرص على المواضبة عليها والجلوس فيها بين الحين والآخر. بل إن استطعت أن تستمر في هذا الطريق فهو خير لك، لأنك به توفق بإذن الله سبحانه وتعالى لإصلاح قلبك وإصلاح نفسك، بل وإصلاح أسرتك، وصلاحك سبب لصلاح أسرتك، وصلاح أسرتك من صلاحك، قال الله عز وجل: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء﴾، جاء في تفسير هذه الآيات أن من معانيها: الرجل الصالح المؤمن يوفقه الله بصلاحه في أن يصلح له أولاده وذريته من بعده. إذا حرصت على إصلاح نفسك فسيعينك الله سبحانه وتعالى على إصلاح ذريتك، وهذا كما هو بدليل الشرع كذلك هو في الواقع والمعقول، لأن العبد إذا شغل نفسه بشيء وفقه الله بهذا الذي شغل به أن يشتغل به من معه، فأنت قدوة حسنة إن كنت في الخير فأنت في الخير وأبناؤك وذريتك كذلك. ومع حرصك على الخير عسى أن بعض هذا الخير يصل إلى من معك ومن تحتك، كيف إذا حرصت مع حرصك على أن تدعوهم؟ وهذا هو الغالب من وفقه لاستشعار هذا الخير يرغب أن يصل هذا لمن يحب، يرغب أن يصل هذا إلى من يحب. لكن إذا كنت تأمر غيرك وأنت لا تأتي ما تأمر، فهذا يدفع غيرك أن لا يأخذ بقولك ولا بنصائحك، تقول له: امشِ إلى مجلس العلم وأنت لا تمشِ، احضر مجلس العلم وأنت لا تحضر، اذهب إلى المسجد وأنت لا تذهب، فأنت تأمره بما تخالف من قولك وفعلك، فلا شك أن هذا لا يعين على ما تريد وتحب في ذريتك وأبنائك. وهكذا كذلك من معاني وفوائد من وفقه الله لأن يدفع بنفسه لمجالس العلم والذكر أنه كذلك تصله رحمة الله، «تغشاهم الرحمة»، الرحمة رحمة الله سبحانه وتعالى بما يسمع من العلم، بما يسمع من النصائح والمواعظ، ما يكون سببا في زيادة الحسنات وتكفير السيئات، وكذلك الاستعتاب والتوبة من الأخطاء التي قد يقع فيها الإنسان. فكم من مسألة جهلناها فتعلمناها في مجالس العلم، وكم من مسألة فهمناها فهما ناقصا أو قاصرا فكملنا هذا الفهم الناقص والقاصر بحضور مجالس العلم، كم من مسألة علمناها ولكن نسيناها وبحضور مجالس العلم تذكرنا وذكرنا ما نسينا. ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾، المؤمن ينتفع بالتذكير سواء شيئا جهله أو شيئا علمه، ما علمه صار إن كان نسيه هذا مذكرا له، أو كان قد علمه كان هذا محفزا ومنشطا له أن يجتهد أكثر وأن كذلك يستزيد أكثر. ليس سواء من سمع بالعلم ومن لم يسمع به، وإن كان قد سمع به من قبل، أنت حين تسمع قول الله سبحانه وتعالى مثلا: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾، ألا يحثك ذلك حين تسمعه أن تفتش في صحيفة نفسك هل أنت من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات؟ أو عندك شيء من الغفلة؟ فإن كان عندك شيء من الغفلة أصابتك شيء من الحسرة، دفعتك إلى تصحيح وتصويب ما قد حصل من تقصير، واستذكار ما قد حصل من نسيان ونحو ذلك. وهكذا كذلك تنزل السكينة وتغشاهم الرحمة وتحفهم الملائكة ويذكرهم الله سبحانه وتعالى فيمن عنده، الله سبحانه وتعالى العظيم يذكرك عنده سبحانه وتعالى بحضور مجالس الذكر، فأنت لا تتقرب إلى الله سبحانه وتعالى ذراعا إلا ووجدت من الله سبحانه وتعالى القرب باعا، وهكذا كلما تقربت إلى الله أكثر وجدت فضل الله سبحانه وتعالى إليك أعظم. ولذلك تجد وهذا بفضل الله سبحانه وتعالى يراه الكثير من من وفق لطريق العلم أن الإنسان إذا أقبل إلى طريق العلم يجد أن الله يفتح عليه في هذا الباب، فيرتقي في سلمه حتى يصل إلى أعلى وأرفع الدرجات، كما قال سبحانه: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾، والذين أوتوا العلم درجات. فلا تحرم نفسك يا أيها المسلم ويا أيها المسلمة من مجالس العلم، واحرص واجتهد على الاستمرار عليه والاستزادة منه، لأن فيه الخير لك ولمن تحب في هذه الدنيا، وكذلك بفضل الله وكرمه تجده إن شاء الله في الدار الآخرة، وهذا وعد من الله سبحانه وتعالى ووعده الحق: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾، ويقول سبحانه: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب﴾، لا يستوي أبدا. من وفقه الله للعلم فوجد من الإيمان واليقين ومعرفة الاستقامة والسنة، فميز بين الحق والباطل وبين الصواب من الخطأ، وطريق الاستقامة من طريق الضلال، وطريق السنة من طريق البدعة، وطريق الإخلاص والصدق والثبات من طريق الغش والخيانة والنفاق والتلون، وكل هذا يحصل بماذا؟ بالعلم. إذا ازددت علما ويقينا ازددت ثباتا وصبرا على ما أنت عليه، وعند ذلك لا تتعجب كيف يتلون المتلونون وكيف يتساقط المتساقطون وكيف ينافق المنافقون وكيف يبيع الكثير من الناس دينه لدنيا فانية، بل لدنيا غيره، والسبب هو الحرص على العلم النافع والعمل به. فمن مرر العلم على قلبه وعلى عمله وفقه الله سبحانه وتعالى للاستقامة للثبات للاستمرار على الخير حتى يتوفاه الله سبحانه وتعالى، ومن حرمه الله الحرص على العلم فإنه تتخطفه فتن الشهوات وفتن الشبهات بسهولة، لأنه لم يحصن نفسه بهذا الحصن الحصين، وهذا كذلك الترس المنيع العظيم ألا وهو حصن وترس العلم، لأنه حصن عظيم يتحصن به المسلم خصوصا بهذا الزمان من هذه الفتن الكثيرة، فتن الشهوات وفتن الشبهات. فلذلك أحث نفسي وأبنائي وأبائي وإخواني وأخواتي وجميع من حضر وسمع ومن يبلغه مثل هذا الكلام أن نحرص جميعا على المواضبة على هذا الخير وعلى هذا العلم، أن نملأ أوقاتنا في مجالس العلم، وأن نحث أنفسنا وإخواننا ومن معنا ومن نحب على مجالس العلم، لأن تكرار ذلك كالمطهر العظيم الذي يطهر القلب ويطهر العمل ويطهر سيرك إلى الله سبحانه وتعالى ويصفيه وينقيه. فتكون بإذن الله سبحانه وتعالى محفوظا مصونا بفضل الله سبحانه وتعالى، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول في عبادة واحدة وشعيرة واحدة من شعائر الإسلام وهي الصلاة: «ما ظنكم بنهر يمر بباب أحدكم يغتسل منه الرجل خمس مرات؟ هل الصلاة مثل ذلك؟ قالوا: لا، ما يبقى من درنه من شيء، قال: «ذلك مثل الصلوات الخمس»، هذه الصلوات الخمس التي ما يستطيع الإنسان أن يحافظ عليها بمثل حرصه على العلم. إذا حرص على العلم صار من المواظبين عليها على أكمل وجوهها، إنسان يصلي هذه الصلوات على أكمل وجوهها، يحضر في أول وقتها، يتطهر لها حسن الطهارة، يأتي ويؤديها على أكمل وجوهها، يصلي كما صلىها النبي صلى الله عليه وسلم، يسبقها بالنوافل ويتبعها بالنوافل، ويأتي بها على وجه التعظيم الذي أراده الله في هذه الصلاة، فعظمها. هل يكون حاله كحال من يضع هذه الصلاة كحمل يرميه من فوق ظهره؟ ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «مثل الرجلين يصطفان في صف واحد، صلاتهما كبين السماء والأرض»، لماذا؟ لأن أحدهما عنده من العلم والإيمان واليقين وتهيأ وعظم هذه الصلاة التعظيم الشرعي، ما جعل هذه الصلاة في السماء عظمة وتقديرا وحرصا من هذا الرجل، والآخر لم يوفق لذلك. فحال الصلاة كحال العلم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح والإخلاص في الظاهر والباطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، وجزاكم الله خيرا.