شرح خمسون حديثا في العقيدة 21

شرح خمسون حديثا في العقيدة 21

الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 21، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث غزوة تبوك وأهمية فهم التكفير

شرح حديث عبد الله بن عمر في غزوة تبوك وأهمية فهم قضايا التكفير وإثبات الإسلام لمن شهد بالشهادتين أو قام بأركان الإسلام. يوضح أهمية هذا الفهم في تجنب التكفير بغير حق.

شروط وضوابط الحكم بكفر الشخص

يتناول شروط الحكم بكفر الشخص وتفصيل الموانع مثل الجهل والإكراه وسبق اللسان، مع ذكر أمثلة من القرآن والسنة. يوضح أن وجود الموانع قد يحول دون الحكم بالكفر.

حكم الكفر بسبق اللسان وتفاصيله

يفرق بين من يقول كلمة الكفر عمدا ومن يقولها بسبق لسان، ويشير إلى أن من يقولها بسبق لسان لا يكفر إذا لم يقصدها بقلبه. يشرح أمثلة على ذلك.

خطورة التساهل في أحكام الدين والتحذير منها

يحذر من التساهل في الأحكام الشرعية وخطورة الوقوع في الكفر بسبب الاستهتار بأحكام الدين. يلخص أهمية التعامل الجدي مع أحكام الدين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخنا -غفر الله لنا وله وللمؤمنين- الحديث الحادي والعشرون. قال الإمام بن أبي حاتم رحمه الله في تفسيره: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: رجل في غزوة تبوك في مجلس يوما، ما رأيت مثل قرائن هؤلاء، لا أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن. قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقا بحق بناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنقبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون﴾. قال شيخنا -غفر الله له- وذكره شيخنا الوادعي رحمه الله في «الصحيح المسند من أسباب النزول» صفحة 23. وهذا الحديث كذلك من الأحاديث المهمة التي لا يستغني عنها طالب العلم، خصوصا في مثل هذا الزمان الذي كثرت فيه المسائل الدقيقة التي تتعلق بقضايا التكفير. الناس في هذا الحديث طرفان ووسط، فإن هذا الحديث دل على أن المؤمن الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت، قد يقع منه فعل يكون به كافرا ويحبط بهذا الفعل عمله. ومعنى أنه ليس كل من قال: لا إله إلا الله، فإنه يكون معصوم الدم والمال. وليس كل من أقام الصلاة فإنه معصوم الدم والمال. بل هذا الحديث سبب نزول هذه الآية، يدل على أن بعض من يشهد لا إله إلا الله ويقيم أركان الإسلام قد يخرج من الإسلام من باب آخر، وهو إذا وقع في شيء من المكفرات، كالردة التي هذا الحديث أصل فيها من القرآن. وهنا يأتي ذكر ثلاثة مباحث: المبحث الأول: ما هو الجواب عن الأحاديث التي وردت وفيها إثبات الإسلام لمن شهد بالشهادتين أو قام بأركان الإسلام؟ والجواب عن ذلك، وذلك كحديث أسامة: «أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟» وكحديث عبد الله بن عمر ومر: «أن أقاتل الناس حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيم الصلاة الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصم مني دماهم وأموالهم». وقد مر معنا الجواب على هذا في دروس سابقة. فما هو الجواب على هذا؟ نعم، الجواب الأول: يقال إن هذه الأدلة تدل على أن هذا يدخله في الإسلام، ثم بعد ذلك يلزمه أحكام الإسلام، ومن ذلك إذا ارتد أنه يقتل، وأنه يحكم عليه بالكفر. وهل تستحضر دليل خاص يدل على هذا المعنى؟ هذا الدليل: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه». حديث «من بدل دينه...» مر معنا قريبا. حديث «لن يضل من استمسك بعهدي». نعم، طيب وتستحضر حديث ثاني بهذا المعنى؟ تستحضر حديث «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». فدل ذلك على أنه لا يمنع أن يكون من يقول: لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت، أن يكون كافرا في دين الإسلام؛ لأنه دخل من باب وخرج من باب آخر، فإذا وقع في شيء من المكفرات وقع في الردة التي تخرجه من دين الإسلام. هذا هو الجواب الأول. والجواب الثاني: ما هو الجواب الثاني عن هذه الأدلة؟ وهو الذي أجاب به بعض الأئمة. ماذا قال القاضي عياض؟ أن هذا في حق الكفار، حتى جعله في غير أهل الكتاب، جعله في حق المشركين، أنهم يطالبون بذلك، وأنهم من شهد منهم بلا إله إلا الله فإنه يطالب بالشهادة وما هو فوقها. وبهذا يكون إزالة الشبهة التي يثيرها بعض القبورية ومن ذهب مذهبهم وشابههم وقاربهم. المبحث الثاني من مباحث هذا الحديث: أن هذا الحديث مع ما فيه من إثبات الكفر لمن وقع في المكفر ولو كان مؤمنا، بدليل قوله جل وعلا: ﴿لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ أثبت لهم الإيمان، ثم أثبت لهم الكفر بعد الإيمان. مع إثبات ذلك، فهذا لا يعني أن كل من وقع في المكفر فهو كافر، بل إنه قد يقع في المكفر من لا يحكم عليه بالكفر في دين الإسلام. قد يقع في الكفر من لا يحكم عليه بالكفر في دين الإسلام، وذلك لوجود مانع من الموانع. ومن يعطينا مثالا على ذلك؟ عند من هات؟ نعم، لا، قبل هذا نريد شيئا أظهر من هذا، شيء أوضح من هذا؛ لأن هذا سيأتي في المبحث الذي بعده. هل في شيء أوضح من هذا؟ فهم إيش؟ جهال، حد داعات الجاهل. يعني أن الجاهل قد يعذر. فمن الموانع الجهل، أن الجهل يكون معذرا لصاحبه. ومن أدلته حديث «بني سلمة» فإنهم قالوا: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط». فماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الله لقد قلت كما قال أصحاب موسى: ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾ ولكن الذي منع من كفرهم هو أنهم جهال، ولو أصروا على ذلك بعد العلم لكفروا، ولكنهم توقفوا بعد أن علموا أن هذا لا يجوز». ومن الموانع: الإكراه، فقول الله عز وجل: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾. والموانع التي ذكرها العلماء كثيرة. المبحث الثالث من مباحث هذا الحديث: أنه كذلك لا يلزم أن يكون الرجل إذا انتفت عنه الموانع المذكورة من الإكراه والجهل، بأن قال ذلك عمدا، عن غير جهل، وعن غير إكراه، أو كانت المسألة كما قد سبق مما لا يتصور فيها الجهل، أنه لا يمكن أن يكون معذورا. كذلك لا، بل إنه قد يقول كلمة الكفر ويكون معذورا، ولو لم يكن جاهلا، ولو لم يكن مكرها، وذلك إذا وقع على سبق اللسان. تقع منه كلمة الكفر خطأ، سبق لسان، إما لأنه حديث عهد بجاهلية تعود كلمة الكفر في جاهليته، فقالها في الإسلام، فإنه يعذر. ومنه ما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من حلف باللات والعزة فليقل: لا إله إلا الله». هل يوجد مسلم يحلف باللات والعزة؟ ما يوجد مسلم يحلف باللات والعزة، لكن إذا وقع إنما يقع المتصور سبق لسان؛ لأن بعض حدثاء العهد بالإسلام جرى على لسان من حلف باللات والعزة، فجعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كفارته أن يقول: لا إله إلا الله. وهكذا كذلك قد يقع الإنسان في سبق اللسان والخطأ من دون أن يقصد، اللهم يريد معنى آخر، ولكن لسانه لا يصعفه على أن يتكلم بالكلام الصواب. طيب، فبدلا من أن يمدح يذم، بدلا من أن يأتي بالكلمة الصحيحة يأتي بها بنفي، فيكون ظاهره الكفر، ولكنه لا يكفر إذا كان كذلك سبق لسان. ومنه كذلك قول الرجل الذي قال من شدة الفرح: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك». يريد أن يدعو الله جل وعلا ويشكره على نعمة قد حصلت له، وقد ذهبت وضعت منه حتى خشي على نفسه الموت، فأخطأ من شدة الفرح، وهو معذور في دين الإسلام. قال ذلك عمدا أم ليس بعمد؟ قاله عمدا، وليس بجاهل، لكنه سبق لسان، فيعدر عليه. ومنه كذلك إذا كان من شدة الخوف، إذا كان من شدة الخوف يقع في الخطأ، ولو كان هذا الخطأ فيما هو معلوم من الدين بالضرورة، كالرجل الذي شك في قدرة الله عز وجل. غفر الله عز وجل، مع أن الشك في قدرة الله كفر، أو ليس بكفر؟ كفر، لكنه أخطأ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: من شدة الخوف، خاف على نفسه خوفا شديدا، ففعل شيئا ظن أنه ربما ينجو به، وهو لا ينجو، لكنه من شدة الخوف، شدة الخوف حمله أن يفعل مثل هذا الفعل. حتى قال لابنائه: «والله لئن قدر علي ربي ليعذبنه عذابا لا يعذب أحدا من العالمين». فجعل أنه إذا مات أن يفرقوه، ثم يدقوه، ثم ينتثروه في يوم ريح، بعضه في البر، وبعضه في البحر. فجمعه الله جل وعلا، فقال له: «ما حملك على ذلك؟» قال: «خشيتك يا رب». قال: «اذهب فقد غفرت لك» الحديث. وهذا كذلك مما استدل به العلماء، ومما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه من الأحاديث التي تدل على العذر كذلك في فعل المكفر، وأنه أخطأ من شدة الخوف. ومثله كذلك لو وقع على القول الصحيح. وهذا هو الصواب الذي تقتضيه الأدلة الشرعية بعموماتها، وكذلك الخاص منها: أن الرجل إذا سب الله أو رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذا وقع في ذلك على وجه سبق اللسان، كان رجلا فاسقا فاجرا، زنديقا، ثم تاب الله عز وجل عليه. فجر ذلك على لسانه، خرج منه، لكنه بغير قصد. ولا بد أن نفرق بين هذا إذا أراد الله وخرجت من قلبه هذه الكلمة، فإنه يكفر، فإنه يكفر، ولا يقبل منه أنه جاهل؛ لأنه في بلاد المسلمين، وقد علم حكم الهرم في ذلك. وأما إذا صدر من ذلك سبق لسان، خرجت من لسانه من دون أن تخرج من قلبه، فإنه لا يكفر. هذا هو القول والصواب في ذلك؛ لأننا نأخذ بالأعمال بما نقصد، وما لم نقصده فهو عفو. وما لم نقصده فهو عفو. ولا يعني ذلك أننا نتساهل معه، بل نقول له: قل: لا إله إلا الله، إنا نخشى عليك من الكفر؛ لأننا ما شققنا عن قلبه. بينما مثل هذا الرجل إذا أتي به إلى الحاكم المسلمين، فإنه إذا لم يكن عنده بينا، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. لماذا؟ لأننا ما شققنا عن قلبه، ولأن كل رجل سيدعي هذا الادعاء، سيقول: أنا ما قصدت، خرجت مني سبق لسان ونحو ذلك، ويفتح بذلك باب سب الرب والدين وسب الرسول عليه الصلاة والسلام. ولهذا أنظر العلماء فيه حكم الردة، فننتبه لمثل هذا التفصيل في هذا المقام. وأما معنى الحديث، فهو ظاهر. ففيه أن بعض المنافقين، وربما كان معهم بعض المؤمنين، تساهلوا فقالوا مثل هذه الكلمة، أو أقر بعضهم هذه الكلمة، فنزل فيهم قرآن بأنهم كفروا بالله عز وجل. وفيه دليل كذلك أن المقر لكلمة الكفر يعد كافرا. وفيه دليل كذلك أنه لا يجوز الخوض واللعب في شيء من أحكام الدين. وأن من موجبات الوقوع في الكفر: التساهل في الأحكام الشرعية؛ فإن ذلك يوقع في هذه الأحكام الخطيرة. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، وهو به نكتفي. والحمد لله رب العالمين.