الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 20، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث أطفال المشركين وبيان اختلاف أهل العلم في مصيرهم، حيث يرى الشيخ أبو عبد الرحمن أن الراجح هو عدم الجزم بمصيرهم. هناك أدلة متعددة وآراء مختلفة في هذه المسألة.
وردت أحاديث تشير إلى امتحان عموم الأطفال يوم القيامة، بما فيهم أولاد المشركين، وتوجد أدلة من الأحاديث النبوية والقصص القرآني تدعم هذا الرأي وتجيب على الاعتراضات.
يدخل أولاد المؤمنين وأولاد المشركين الجنة يوم القيامة وهم كبار، وقد ثبت أن كل مولود يبعث على سن ثلاثين سنة، ويمتحن أولاد المشركين يوم القيامة.
يذكر أن بعض الأئمة مثل النووي وابن حجر لم يستطيعوا الجمع بين الأدلة بشكل مقنع بسبب كثرة الاضطراب في النصوص الواردة في هذا الباب.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا أبو عبد الرحمن، غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث العشرون. قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين، من يموت منهم صغيرًا، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». حسنا، رحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وفي هذا الحديث دليل على القول الراجح في أولاد المشركين، فإن أهل العلم قد اختلفوا فيهم اختلافًا شديدًا، لما روي في هذا الباب مما ظاهره التعارض، وليس كذلك. فقد ورد في هذا الحديث ما يدل أننا لا نستطيع أن نجزم على أحد منهم أنهم في جنة أو نار. وجاء بصريح البخاري، بكتاب التفسير، في تفسير سورة الروم، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر إبراهيم عليه السلام ومعه ولدان، فقال: «هؤلاء أولاد المؤمنين وأولاد المشركين». وقد أشكل هذا على بعض أهل العلم إشكالا عظيما. والجواب في ذلك أن هذا الحديث فيه بأن أولاد المشركين لا نستطيع أن نجزم على أحد منهم أنه في جنة ولا في نار، بل الصحيح أنهم كذلك يمتحنون. وأدلة ذلك أوجه أو جوابه من أوجه. الأول: أنه قد وردت أحاديث كثيرة في أن عموم الأطفال يمتحنون يوم القيامة، ومنها ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فإن ذلك عام. وكذلك ما مر معنا في الدرس الماضي من أن أولاد المؤمنين يمتحنون، فإن أولاد المشركين من باب أولى أن يمتحنون. ويؤيده كذلك ما جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر غلام الخضر، وأنه لو لم يقتله الخضر لأرهق أبويه طغيانا وكفرا، مع أن ظاهر الحديث أنه كان ولدا بأبوين صالحين، ومع ذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لأرهقهما طغيانا وكفرا». وهذا يدل على أنه قد يكون الولد الذي يموت صغيرا على الطغيان والكفر، وكتب أنه من أهل الطغيان والكفر. وهذا يرجح أنهم يمتحنون يوم القيامة. وأما الجواب على ما ورد فيما ذكر من قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن معه من ولدان، فالجواب عليه من أوجه. الوجه الأول: أن يقال إن هذا النص ليس بصريح في أنهم لا يمتحنون. والقاعدة عند أهل العلم أن المفصل مقدم على المجمل، وأن الظاهر مقدم كذلك على المؤول والمرجوح المؤول. وهنا أي المحتمل الذي يحتمل أكثر من معنى، وهذا كذلك. والوجه الثاني: أن هذا إذا صح، فلا مانع من أن يحمل أنه ممن نجى في الامتحان من أولاد المؤمنين ومن أولاد المشركين، فإنه يكون كذلك. بل ويحتمل كذلك أنه ليس هذا في الجنة، ليس هذا الموضع أنه في الجنة، ولكن الأول يغني. ويضاهي إلى ذلك أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه: «ما من نفس منفوسة تولد في الدنيا إلا وتبعث يوم القيامة وهي على عمر آدم، أو قال: على عمر عيسى، يعني بضع وثلاثين سنة». وهذا فيه دليل على تصحيح ذلكم القول، وهو أن أولاد المؤمنين وأولاد المشركين يمتحنون، ثم يدخلون الجنة وهم كبار. ولا يوجد أحد ممن خلق في الدنيا ورأى الحياة في الدنيا يدخل الجنة وهو صغير أبدا، بل يدخلون جميعا وهم كبار. وبهذا يزول الإشكال في هذا المقام. ولعل بعضكم إذا راجع هذا الحديث وقرأ كلام النووي رحمه الله في اختلاف أهل العلم، يعرف حقيقة وخطورة وشدة الاختلاف في هذا الباب. فيكون بهذه الكلمات اليسيرة الاختصار في هذا المقام، ونحو ما ذكره الحافظ بن حجر رحمه الله بشرح حديث ابن عباس وأبي هريرة في هذا المقام. وبه نكتفي، والحمد لله رب العالمين. هذا هو الأصل، لكن قد يخرج عن هذا الأصل. نعم، ما هي صار على هذا المقام، ونحو ما هي صار في الدنيا. وهذا أحد التفسيرين لحديث: «هم تبع لآبائهم»، أبواه يهود: يهودانه، نصراني: ينصرانه. فأولاد المشركين في الدنيا نعاملهم معاملة المشركين، لا نصلي عليهم. حديث ابن هريرة، حديث ابن عباس المتقدم: «أبواه يهودان: يهودانه، ونصراني: ينصرانه». وهكذا لحديث: «هم تبع لآبائهم»، هذا في الدنيا. وأما في الآخرة فإنهم يمتحنون. طيب، لعله صح عن بعض الأئمة، وخشية على بعض الناس الفتنة في هذا الباب، لأن بعض ما ورد يعني كان ظاهره الشديد التعارض. ولهذا تجد حتى في كلام بعض الأئمة الاضطراب في هذا الباب، مثل ما أشار إليه النووي رحمه الله في هذا المقام، ونحو الحافظ بن حجر، فلم يجمع الجمع الذي يقتضيه الأدلة لشدة اضطراب ما ورد في هذا الباب. نعم، طيب، لهنا الحمد لله رب العالمين.