الدرس في Lesson 1 Part 12، tafseer of soorah al-maa’oon ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
سورة الماعون سورة مكية نزلت في المشركين الذين يكذبون بيوم الدين، وتصف صفاتهم المذمومة. هذه الصفات تنتج عن عدم الإيمان بالله واليوم الآخر.
الآية نزلت في المنافقين أو المؤمنين المقصرين في الصلاة، والسهو يشمل التأخير عن وقتها أو عدم إقامتها كما يجب. الرياء من ثمرات ضعف الإيمان ويعتبر إظهار الأعمال لنيل مدح الناس.
الرياء محذر منه لعواقبه الوخيمة، ومنع الماعون يدل على بخل ينافي الإحسان. الإحسان وعدم البخل في إعطاء ما يحتاجه الناس أمران مهمان.
يتم تقديم الشكر لله كرب للعالمين، مع التأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم بكل شيء. هذا يشير إلى نهاية موضوع معين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فاليوم نحن إن شاء الله مع سورة الماعون، وهي سورة مكية. وكالعادة نقرأها، ثم نقف بعض الوقفات فيما يتيسر من تفسيرها، ما يتيسر منها. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. هذه السورة، كما تقدم، هي من قصار السور التي أرشد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله فنباز رحمه الله تعالى إلى قراءتها وحفظها وتدبرها والوقوف في معرفة شيء من معانيها؛ لأنها كما تقدم من قصار السور التي يحتاجها المسلم والمصلي في صلاته وفي حياته. يقال فيها كما قيل في السور قبلها: يحتاج المدرس والمدرسة أن يلقن كل منهما من تحته من الطلبة والطالبات، ويتتبع نطق هذه الآيات، وخصوصا عند الأحرف التي يشق نطقها عند من لم يتعود اللسان العربي، بالنسبة لمن كان عندكم ممن يشق عليه النطق لبعض الحروف، كما سبقت الإشارة إلى بعض ذلك. وإن تيسر التنبيه على شيء من أحكام التجويد مما يحتاج إليه القارئ في تصحيح قراءته وتحسينها، فهذا أكمل وأفضل. أما تفسير هذه السورة، فعلى وجه الاختصار: هذه السورة من السور المكية، والسور المكية كما تقدم معنى الإشارة إلى بعض معانيها أنها تتضمن في الغالب خطابا للمشركين. ولهذا ترون في هذه السورة الخطاب من أولها للكفار الذين يكذبون بيوم الدين، وهو يوم البعث والجزاء والمعاد. ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أي: هذا خبر من الله عز وجل، والمراد منه التهديد والوعيد لمن هذا حاله وهذا وصفه. أرأيت أي: محمد، والخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، لأمته من بعده جميعا، الذي يكذب بالدين، أي: الذي يكذب بيوم الدين، ويوم الدين كما تقدم معنا هو يوم الجزاء والثواب والمعاد، يوم البعث والنشور. فإن المشركين يكذبون بذلك، فهؤلاء توعدهم الله عز وجل بالعذاب الشديد، كما في هذه السورة، وفي غيرها من السور الأخرى. وذكر ربنا جل وعلا من صفاتهم التي تدل أولا على ثمرة هذا التكذيب: كيف أدخل عليهم الشر، وأدخل عليهم كذلك الأعمال والعقائد والعواقب السيئة في الدنيا، فضلا عن الآخرة. ومن ذلك هذه الصفات المذمومة التي ذكرت في هذه السورة. وكل ذلك يستوجب عذاب الله عز وجل، وصخته. ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُ الْيَتِيمَ﴾ أي: من هذا وصفه أنه يكذب بيوم الدين، فإنه في الغالب يلحقه كما سبق شيء من العواقب السيئة في الدنيا، فضلا عن الآخرة، من سوء الخلق، والتجبر، والظلم، وعدم الرحمة. ومن ذلك هذا الذي ذكره الله عز وجل: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُ الْيَتِيمَ﴾ ومعنى يدع اليتيم، أي: يدفعه ويقهره. فأصل الدع هو الدفع على وجه القهر والتجبر. فقوله سبحانه: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُ الْيَتِيمَ﴾ أي: من خلق هؤلاء أنهم يقهرون الأيتام، ويظلمونهم، ويعتدون عليهم، فضلا أن يكون منهم لأمثال هؤلاء شيء من الإحسان. وهذا من ثمرة التكذيب بيوم الدين؛ فإن المكذب بيوم الدين لا يرجو ثوابا فيحسن لأجله، ولا عقابا يخاف منه فيكون منه الوقوف عند حدود الله. ولكن لما كان أمثال هؤلاء في غاية من البعد والإعراض، وكذلك التجاهل لمثل هذه العقائد، أثمرتهم تلك هذا الجفاء، وهذا الشر الذي منه هذا الخلق الذميم. وفي هذا كذلك فضل اليتيم، وأهمية الإحسان إليه، وبالضبط كذلك فيه التحذير من الاعتداء عليه، وظلمه، وقهره. وكل هذا فيه إشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من الأخلاق الرفيعة مع اليتيم، ومع غيره. ولهذا جاءت الأحاديث الكثيرة التي تحث على الإحسان إلى اليتيم، والتحذير من الاعتداء على شيء من حقوقه. حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أنا وكافر اليتيم كهاتين»، وأشار إلى أصبعيه، أي: في الجنة. وكذلك على العكس: الاعتداء على اليتيم موجب لعذاب الله، وصخته في الدنيا، وفي الآخرة. والآيات والأحاديث في هذا كثيرة. وقوله سبحانه: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ هي ثمرة أخرى من ثمار وآثار عدم الإيمان بالله عز وجل، وعدم الإيمان بالبعث والنشور، والإيمان بيوم الدين. فإن من ثمرته كذلك عدم رحمة المساكين، وعدم الإحسان إليهم. ولهذا كان من صفة هؤلاء كما ذكر ربنا جل وعلا: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أي: ولا يحث على تيسير هذا الطعام للمساكين، فضلا عن أن يقوم بنفسه بالإطعام. وهاتين الآيتين، وما قبلها، كقول الله عز وجل: «كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين»، فإن من صفات الكفار، ومن ثمرات عدم الإيمان بالبعث، أن يصاب صاحب ذلك بالإعراض عن أبواب الإحسان. فلا هو يحسن إلى يتيم، ولا إلى مسكين، بل عنده من التجبر، والظلم، واللامبالاة بأبواب الإحسان ما يدفعه إلى الإعراض عن مثل هذين الصنفين، ونظائرهما، وأمثالهما من باب أولى. وقد ذكر هؤلاء؛ لأنه الغالب، العم، وأمثال ذلك، ونظائره كثير مما يستحق الإحسان، كالفقير، والأرملة، والشيخ الكبير، والطفل الصغير، وغير ذلك، والمريض، وغير ذلك من ذوي الحاجات. والمعنى ما تقدم من أن هؤلاء بلغوا هذا المبلغ، وهذا من ثمرة عدم الإيمان بالبعث، وهذا مما يلازم وصف الكفار في الغالب. وفيه دليل على أن الكافر يعذب على خصال الكفر، وعلى تفاصيل ما يقع منه من التقصير في الواجبات، والوقوع في المحرمات. فإنه يعذب على كفره، ومن كفره عدم الإيمان بالبعث والنشور، ويعذب كذلك على ظلمه للأيتام، وقهره لهم، وعدم إحسانه إليهم. وهكذا يعذب على اعتدائه على المساكين، وعدم إحسانه إليهم، فكل ذلك يعذب عليه. وقوله سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ هذا ذكر لصنف آخر ممن شابه أهل الصنف الأول. فأهل الصنف الأول كذبوا بيوم الدين، فأثمرهم ذلك التكذيب هذه الأعمال السيئة، والأخلاق الذميمة، فخسروا الدنيا قبل خسران الآخرة. وهكذا صنف آخر شابه هؤلاء، فكان عندهم بعض معنى ما عند أولئك. ولهذا ذكر العلماء في تفسير هذه الآيات معاني كثيرة تجتمع في معنى واحد، أو معنيين اثنين. ذكروا معاني كثيرة تجتمع في معنى واحد، أو معنيين اثنين: أن هذه الآيات أولا المعنى الأول أن هذه الآيات في حق المنافقين الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، أو يظهرون الإحسان، وحقيقتهم الإساءة. والصنف الثاني، أو المعنى الثاني: أنها في حق من ضعف إيمانه، وإن شئت فقل: أهل النفاق العملي، أهل النفاق العملي. ومنهم المقصرون، كما سيأتي إن شاء الله تفسيره. ووجه الشبه لأهل هذين المعنيين بأولئك الكفار الذين كذبوا بيوم الدين: أن المنافق في حقيقته مكذب ليوم الدين، وأظهر أنه يؤمن، وهو ليس كذلك. فأثمره ذلك كذلك خسارة الدنيا قبل الآخرة، وهو يستحق للوعيد المتوعد به أولئك الكفار المكذبون ليوم الدين؛ لأنه في الحقيقة ليس بمؤمن. وهكذا كذلك أهل المعنى الثاني، وهم أهل النفاق العملي الذين أصلهم من أهل الإيمان، لكن عندهم تقصير. فإن أمثال هؤلاء ليس عندهم يقين في أمر الإيمان بيوم الدين، وعدم اليقين هذا أثمرهم المشابهة الظاهرة لفعل المنافقين، والكافرين، ولو من بعض الوجه، ليس من جميع الأوجه. وبقدر هذا التقصير يلحقهم من العذاب في الدنيا، وفي الآخرة، وتلحقهم آثار الإساءة في الدنيا، وفي الآخرة. ولهذا قال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. جاء في تفسيرها عن بعض الصحابة، والتابعين أنها في حق المنافقين الذين يصلون في العلانية، ولا يصلون في السر. وجاء عن سعد بن أبي وقاص موقوفا بإسناد صحيح عنه رضي الله عنه، وأرضاه: أنه سئل عن هذه الآية، فقال: «هم الذين يضيعونها عن وقتها». وروِي عن ابن عباس أنه قال: «أما إنهم ما تركوا الصلاة بالكلية، ولكنهم أخروها عن وقتها». وهؤلاء سواء أكانوا من المنافقين الأصليين الذين يصلون رياء، وسمعة، ومجاملة، أو من المؤمنين الذين هم ناقصوا إيمان، فيحسنون إلى أحسن الناس، ويسيئون إلى أسوأ الناس. فدينهم دين غالب المجتمع، وإحسانهم مع إحسان غيرهم، وإساءتهم مع إساءة الغير. ولهذا يضعف إيمانهم، ويزيد بحسب حال تواجدهم في المجتمعات التي يكونون فيها. وهذا خطأ؛ بل ينبغي للمسلم أن يثبت على الإيمان الذي علمه، وأن يقيم الواجب الذي أوجبه الله عز وجل عليه، سواء أحسن الناس أو لم يحسنوا، وسواء أساء الناس أو لم يسيئوا. فإذا من تفاسيرها ما سمعنا، ومن ذلك تأخير الصلاة عن وقتها؛ فإنه من السهو عن الصلاة. من السهو عن الصلاة إذا كان هذا عن تفريط. أما إذا كان هذا عن غير تفريط، وإنما هو فيما لا يملكه الإنسان، فصاحب هذا معذور، مثل النوم، مثلا، مع الأخذ بأسباب الصحة. فالنائم عن الصلاة، وهو قد أخذ بأسباب الصحة، فغلبته عينه لإرهاق، أو غيره، معذور. وعلى هذا يحمل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس في النوم تفريط»، «ليس في النوم تفريط». أما إذا كان صاحب هذا النوم يعلم أنه إن لم يتخذ الأسباب، فلن يقوم، مثلا، لصلاة الفجر، أو يضبط الساعة، مثلا، إلى ما بعد وقت صلاة الفجر، إلى وقت الدوام للعمل، فهذا تفريط ظاهر، ويلحقه هذا الوعيد في هذه السورة، وهذه الآية على وجه الخصوص. بل بعض أهل العلم حكم على مثل ذلك بالكفر، والعياذ بالله؛ إذ تعمد فوات وقت الصلاة، لم يضبط ساعته المنبهة على وقت صلاة الفجر، بل ضبطها على وقت الدوام، فهذا غاية في التفريط، وصاحبه على خطر عظيم. فإذن قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ يدخل فيه الذي يصلي نفاقا، والذي كذلك يضيع وقتها، والذي كذلك تكاسل عن أدائها على الوجه المشروع. حتى عدم تأديتها على الوجه المشروع يدخل في هذا المعنى، كما قال الله عز وجل عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. الأصناف قلنا: الذين يصلون نفاقا للناس، ليس لله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك الذين يضيعون الصلاة عن وقتها، بتأخيرها، أو التلاعب في تقديمها. وهكذا كذلك الذين لا يقيمونها حق القيام، بأداء أركانها، وواجباتها، وشروطها. فكل هؤلاء يدخلون في معنى هذه الآية. والواجب على المسلم أن يحرص على أداء الصلاة على أكمل وجوهها، من حيث الوقت، ومن حيث الأركان، والواجبات، والشروط، وغير ذلك. وقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾، ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. إن من ثمرات من هذا حاله الرياء. والرياء هو حب مدح النفس بما ليس فيها، إما من إظهار الأعمال الحسنة، وهو ليس صادقا، وله من أهلها. وإما بغير ذلك من الثناء، والإدعاء باللسان ما ليس له حقيقة في الفعل. كل هذا من الرياء. والرياء ما أن يكون بفعل الشيء الذي لا يقصد به وجه الله سبحانه وتعالى، وإنما يقصد به ثناء الناس. بأن يحسن أمام الناس، وفي السر لا يظهر منه ذلك. وإما أن يدعي بلسانه الإحسان، وهو ليس من أهل الإحسان. فهو أصلا لم يصدر منه فعل، وهذا أشد من الأول. فالأول صدر منه فعل، لكن فعله في أوقات معينة. والثاني لم يصدر منه فعل أبدا. وكلاهما من أهل الرياء. وأهل الرياء أول ما يبتلون به: أن أعمالهم إن وجدت فهي محبطة. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه سبحانه في الحديث القدسي، فيما رواه مسلم من حديث أبي هريرة: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه». وهكذا مع حبطان هذا العمل، كذلك يعذب عليه يوم القيامة. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من سمع سمع الله به»، يعني: فضحه يوم القيامة. «ومن يرائي يرائي الله به»، من يظهر للناس أنه محسن، وهو ليس بمحسن، يفضحه الله عز وجل يوم القيامة، فيظهر للناس جميعا أن هذا من الكاذبين، ليس من أهل الإحسان، والعياذ بالله. وفي هذا التحذير من أن يعمل الإنسان الأعمال الحسنة، ولا يصدق فيها. سواء الإحسان إلى اليتيم، أو إطعام المسكين، أو الصلاة، أو غير ذلك من أعمال الخير، والبر. ينبغي للإنسان أن يصدق فيها. وقوله سبحانه: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. إن من صفات من لا يؤمن بيوم الدين، سواء المكذب له، أو من عنده إلة يقين بيوم الدين، فهو ضعيف الإيمان. إن من صفاتهم أنهم يمنعون الماعون. ومعنى يمنعون الماعون، أي: يبخلون في إعطاء من يستحق العطاء مما ينبغي أن يعار. وفسر وجاع عدد من الصحابة، والتابعين أنه إعارة الدلو، ونحوه من الأواني التي قد يحتاج إليها من يستعيرها، وهي لا تضر من استعير منه شيئا؛ لأن الدلو سيرجع إليك كاملا، ما ينقص منه شيء. ومنه كذلك ما من الله عز وجل عليك من سائر الأموال التي ينبغي أن تنفق مما أعطاك الله عز وجل فيها. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه ذكر الخيل، وأن أصحابها على ثلاثة أصناف: فهي لبعضهم أجر، وهي لبعضهم ستر، وهي لبعضهم وزر. فالتي هي له أجر: التي اتخذها عدة يعتد بها للجهاد في سبيل الله، فطعامها، وروثها، وكل ما يعطيها، ويخرج منها له فيه أجر. والتي اتخذها ستر: هو الذي اتخذها لنفسه ينتفع بها، ويتجر، فهذا هي له ستر. لكن جاء في الحديث: «إذا أدى حقها الذي عليه فيها»، ومن حقها الذي عليه فيها أن يركب عليها من يحتاج للإركاب. وهكذا جاء في ذكر أصحاب الإبل، كما في حديث أبي هريرة كذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن للإبل حقا، ومن الحق أن يركب على ظهرها، وأن يعير من ضرعها، يعني: من يحتاج، ويستحق. وقد ذكر العلماء مسألة غريبة؛ لأجل أن نعلم كيف أن للناس حقوقا في أموالنا، ونحن ربما لا نشعر. أشار ابن القيم رحمه الله إلى مسألة من مسائل الإعارة: وهي أن من وجد مالا لغيره، واحتاج أن يستعيره لضرورة، فأخذه. قال: هل تجب فيه أجرة أم لا تجب فيه أجرة؟ قال: للعلماء فيه قولان: قول أنه لا تجب فيه أجرة ما دام قد اضطر إلى ذلك. وقول آخر: أنه تجب عليه أجرة المثل. ثم رجح رحمه الله أنه على قول من قال بالأجرة؛ فإنهم لم يزيدوا على أجرة المثل. والصحيح الأول: أنه لا أجرة فيه ما دام مضطرا. مثاله: لو أن رجلا مر، فوجد وعاء يحتاجه؛ لأن يشرب به، أو يطبخ به طعام، وهو مضطر. هل يأخذه؟ كما سبق أنه يأخذه. ثم اختلف العلماء: هل مثل هذا الرجل الذي استعمل هذا الوعاء يجب عليه أن يدفع أجرة لمالكه إذا جاء؟ اختلفوا. ورجح كما سبق ابن القيم رحمه الله أنه على قول من قال بالأجرة؛ فإنه لا يعطى أكثر من أجرة المثل أبدا، لا يزاد أجرة المثل. يعني: مثل هذا الوعاء إذا استعير، كم يعطى؟ مثلا قالوا: نصف دولار، إذن ليس له إلا نصف دولار، لا يجوز له أن يطلب أكثر، أي: المالك. والصحيح: أنه ليس له أصلا أجرة ما دام أنه مضطر لاستعمال هذا الوعاء. ومثله كذلك عابر السبيل إذا وجد شاتا فيها لبن، وهو مضطر، يخاف على نفسه الهلاك، والموت. هل يجوز له أن يشرب من هذا الضرع؟ الصحيح أنه يجوز له أن يشرب. وهل عليه أجرة المثل؟ على ما تقدم قولان للعلماء. والصحيح: أنه لا شيء عليه، ولا يجب أن يأخذ منه شيء. وهكذا قل في نظائر ذلك من سائر ما يملك الناس. فإذا كان هذا في مثل هذا المقام، فالزكاة المفروضة أشد الوعيد فيها أشد. وغير ذلك من الحقوق التي دل الشرع على إيجاب الحقوق فيها هو من باب أولى، وأحرى. فالخلاصة: هذه السورة دلتنا على معاني عظيمة تستوجب المؤمن أن يقف عند حدودها. وأن يعلم أن من مقتضيات الإيمان بيوم الدين الإحسان العام، والإحسان الخاص. وأن من آثار ضعف الإيمان بيوم الدين حصول السيئات في الدنيا، وقسوة القلب، وقلة الخير، والبر. وقلة الخير، والبر، فضلا عما ينتظر صاحبه من عذاب الله، وصفخته في الدار الآخرة. نسأل الله سبحانه وتعالى لنا ولكم التوفيق، والسداد، والسلامة، والبر. إنه ولي ذلك، والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.