الدرس في Lesson 1 Part 2، tafseer of soorah al-faatiha p.2 ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ أهمية سورة الفاتحة في الصلاة وضرورة قراءتها في كل ركعة، ويبين معانيها وتفسيرها. يشمل ذلك تقسيم الصلاة إلى نصفين: نصف لله وهو الثناء عليه، ونصف للعبد وهو الدعاء.
المقطع يشرح معاني ألفاظ الصلاة مثل "بسم الله الرحمن الرحيم" و"الحمد لله رب العالمين" و"إياك نعبد وإياك نستعين". يبين كيفية استحضار هذه المعاني لتحقيق الخشوع والعبادة الصحيحة.
سورة الفاتحة تشمل معاني الإكثار من العمل الصالح والعلم النافع، وتتضمن التبرأ من طريق المغضوب عليهم والضالين. تشير إلى أهمية توحيد الربوبية والأسماء والصفات والألوهية وطاعة الرسول.
المقطع يشير إلى اكتفاء المؤلف بما قدمه ويعبر عن اعتقاده بأن الله تعالى أعلم، ثم يذكر ترجمة المترجم أبو حذيفة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، علمنا في الدرس الماضي شيئا من رسالة الشيخ الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله، الدروس المهمة لعامة الأمة، وأخذنا أشياء في أوائلها، وكان مما أخذناه شيء مما يتعلق بقراءة الفاتحة مع كيفية قراءتها في الصلاة الجهرية والصلاة السرية. علمنا أهمية هذه السورة العظيمة، إذ أن الصلاة لا تقبل إلا بها، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». ولعظم هذه السورة افتتح ربنا جل وعلا بها القرآن، فصارت فاتحة القرآن. ولذلك أيضا أمر بالقراءة بها في كل ركعة من الصلاة، فهي تشتمل على معاني القرآن جميعا في كلمات مجملة جامعة. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي. فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى علي عبدي. فإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله: مجدني عبدي. وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل». ثم قال في الحديث: «فإذا قال: إهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال الله: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل». فلنتأمل هذا الحديث العظيم الذي يدلنا على عظم هذه السورة التي أمرنا أن نقرأها في كل ركعة من الصلاة، سواء أكانت فريضة أو نافلة. وتأمل هذه الجمل تجد أنها تضمنت معاني عظيمة جليلة. وبه تعرف أولا أهمية أن يصلي المصلي وهو حاضر القلب، يتدبر ما يقول بلسانه، ويستحضر هذا المعنى العظيم أن الله العظيم يجاوبه في كل جملة يقولها من السورة بجواب مقابلة ما قال. والمصلي إذا استحضر هذا المعنى دعاه ذلك إلى الخشوع في الصلاة، وإلى تعظيم هذه الصلاة، وإلى التلذذ بهذه الصلاة، حتى أنه يجد لها حلاوة وراحة لا يجدها في غيرها من الأعمال الأخرى. ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام يقول: «أرحنا بها يا بلال»، أي بالصلاة. ولنتأمل كيف أن الله عز وجل جعل هذه الصلاة نصفين، وهذان النصفان نصف للعبد ونصف لله عز وجل. فما هو للعبد هو الدعاء، سواء بلسان الحال أو بلسان المقال. بلسان المقال مثل قوله: «اهدنا الصراط المستقيم»، ومثل التسبيح والتحميد في ركوعه وسجوده واعتداله وقيامه. والنصف الآخر من الصلاة تعظيم للرب سبحانه وتعالى، فهو يعظم الرب سبحانه وتعالى بقوله وبفعله. بقوله في الثناء على الله، سواء بالفاتحة كما مر معنا في الحديث: «الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين» إلى آخره. وهكذا في سائر أقواله في الصلاة، وبلسان الحال يعني في حاله في صلاته في ركوعه وسجوده وقيامه هو تعظيم لله سبحانه وتعالى. وهكذا نتأمل معنى هذه الألفاظ باختصار، بعد أن يترجم أخونا أبو حليفة إن شاء الله تعالى شيخ أبي عبد الرحمن عبد الله العدني حفظه الله تعالى. أما الاستفتاح في الصلاة فهو قول: «بسم الله الرحمن الرحيم». ومعناه: ابتداء براءة بالصلاة، أو ابتداء الصلاة بذكر اسم الله عز وجل تعظيما وتبركا واستعانة. ثم وصفت هذا الإله الحق بأنه الرحمن الرحيم، وهذان اسمان متضمنان لصفة الرحمة. والرحمن أبلغ من الرحيم، فإن زيادة المبنى في العربية تدل على زيادة المعنى. ولهذا جاء عن بعض السلف أنه: «رحمن الدنيا والآخرة، وهو رحيم بالمؤمنين». كما قال سبحانه: «وكان بالمؤمنين رحيما». يعني أن كل المخلوقات أوجدت وتبقى ما شاء الله أن تبقى برحمة الله العامة. وأما رحمته الخاصة فهي للمؤمنين فقط. وهذه الرحمة الخاصة هي التي تقتضي كمال الخير الديني والدنيوي. وليس كمال الخير بكثرة عرض الدنيا، ولكن بحسن الانتفاع به. فمثلا حاجة الصبي ليس كحاجة الكبير، وحاجة المريض ليس كحاجة الصحيح. وهكذا يجعل الله عز وجل للمؤمن ما هو خير له برحمته الخاصة في الدنيا وفي الآخرة. فأنت إذا تلفظت بهذه الألفاظ استحضرت رحمة الرب سبحانه وتعالى وعظمته، وهكذا كذلك تستحضر رحمته سبحانه. والتفريق بين الرحمتين يدعوك إلى الخشوع أكثر في الصلاة وفي سائر العبادات لله عز وجل. وقولك: «الحمد لله رب العالمين»، الحمد والثناء على الله باللسان والقلب، أنت تثني على الله بلسانك وبقلبك لعلمك بكماله سبحانه وتعالى في نفسه، ولعظيم إنعامه وإحسانه لخلقه. فأنت تعترف بأن الحمد لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى وحده. ولهذا أكدت بقولك: «رب العالمين». والعالم كل ما سوى الله فهو عالم، سمي عالم لأنه علامة على الله. فالمخلوق يدل على الخالق، كما أن البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير. فكذلك المخلوقات تدل على الخالق. فكل ما سوى الله علم على الله سبحانه وتعالى يدل عليه. فأنت إذا استحضرت هذا المعنى أخلصت عبادتك لله وحده، وعلمت أنه ليس أحد من المخلوقين يملك شيئا، بل المالك الحقيقي والنافع والضار هو الله وحده سبحانه. فتوجه إليه لا تتوجه إلى غيره، وأنت تستدل بهذا بأن العظيم بهذه العظمة هو الذي يستحق العبادة وحده. ثم قولك: «الرحمن الرحيم»، كما تقدم، اسمان من أسماء الله الحسنى، عظيمان يدلان على صفة الرحمة لله عز وجل، الرحمة العامة والرحمة الخاصة. وقولك بعد ذلك: «مالك يوم الدين»، يوم الدين أي يوم الجزاء، يوم القيامة. وذكر هذا الوصف لله عز وجل في هذا الموضع لحكمة عظيمة من الله سبحانه، من هذه الحكمة أن تستحضر قصر هذه الدنيا، وضرورة الوقوف للجزاء يوم القيامة. وهذه المعاني إذا تكررت على لسان وقلب المصلي نفعت فيه نفعا عظيما. ثم بعد هذه الأسماء الجليلة لله عز وجل والصفات العظيمة، يشرع بذكر حقيقة ما أمر به العبد، وهو عبادة الله عز وجل وحده. «إياك نعبد وإياك نستعين»، أي لا نعبد إلا أنت، ولا نستعين إلا بك يا الله. وهذا المعنى أي الحصر أخذ من هذه الصيغة في العربية، وهو تقديم ما حقه التأخير. فعند أهل العربية يفيد هذا الحصر. ومعنى العبادة تقدم معنا في دروس سابقة، أفادت بما يغني عن الإعادة. العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. ثم بعد ذلك الدعاء: «اهدنا الصراط المستقيم»، دعاء تدعو به ربك جل وعلا أن يهديك الصراط المستقيم. ولاحظ وانتبه إلى صيغة الجمع: «إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم». قال العلماء في هذا لفتة أن المصلي يستعين بعبادة المصلين الآخرين. وهذا من التقرب إلى الله والتوسل إليه بالأعمال الصالحة. فإن الإنسان يذنب ويخطئ، ولكن مع إحسانه القليل وإحسان غيره من المحسنين يكون في ذلك سبب أكبر للتجاوز عن تلك السيئة. وشيء آخر فيه لفتة لأهمية أداء الطاعات والقيام بالدين على وجه الاجتماع، فإنه أعون لإتقانها والإحسان فيها. ونقول كذلك: «إهدنا الصراط المستقيم» بالجمع، زيادة طلب في حصول استجابة الدعاء. يعني كأنك تقول: يا الله إن كنت أنا مسيء فبيننا من هو محسن من الصالحين، فلا ترد الدعاء. جميعا «وقولك: الصراط المستقيم»، أي الطريق الذي لا عوج فيه، وهو المتمثل بدينه الذي أنزله على رسوله عليه الصلاة والسلام، من الأمر والنهي وسائر ما بعث به نبينا عليه الصلاة والسلام. فأنت تطلب الهداية فيه بالعلم به والعمل به. ثم أكدت ذلك بقولك: «صراط الذين أنعمت عليهم»، من هؤلاء الذين أنعم الله عز وجل عليهم؟ فسروا في سورة النساء بقوله سبحانه: «ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا». فهؤلاء هم قدوتك الذين تطلب من الله عز وجل أن يهديك إلى الطريق الذي هدوا إليه. فأنت تستحضر بهذا ثلاثة معاني: المعنى الأول أن تتأسى بفعل هؤلاء من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فتعمل أعمالا صالحة كما عملوا. وهذا يحفز على الإكثار من العمل الصالح والعلم النافع قبله. والمعنى الثاني أن يدخل إلى قلبك اليقين أن هؤلاء أنعم الله عز وجل عليهم كما أخبرك وأنت تقرأ هذه السورة: «اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم». أنعمت فعل ماضي يدل على تحقق وقوع الوصف المذكور فيه. وهذا يدخل إلى قلبك اليقين وحسن الظن بالله عز وجل والرجاء بالخير الذي عنده. وهكذا المعنى الثالث تعرف أهمية العمل الصالح الذي لا يتوصل إليه إلا بالعلم النافع. وأن الهداية الحقيقية ليست بالدعوى، لأن الكثير من الناس يقول: «الحمد لله على الهداية» بلسانه، لكن أقواله وأفعاله تخالف ذلك. فقلنا: بهذا تستحضر أهمية العمل الصالح. ثم بعد ذلك قلت: «غير المغضوب عليهم ولا الضالين»، يعني أنك تتبرأ من طريق المغضوب عليهم والضالين. وهذا يتضمن كذلك ثلاثة أمور: التبرأ من طريق هؤلاء المغضوب عليهم، وهم الذين لم يعملوا بالعلم كاليهود. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام تفسيره باليهود، وليس هو محصورا فيهم، بل هو لهم ولمن فعل مثل فعلهم. والضالون هم الذين عملوا بغير علم، عمل بغير علم كالنصارى. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام تفسيره بهم، وهو لهم ولمن كان مثلهم. وهذا يدلك على الأمر الثاني، وهو أهمية الاعتناء بالعلم، وهكذا كذلك العمل بالعلم. والثالث أفادك أن حقيقة هذا الدين تكمن في ركنين اثنين، هما ركنا كلمة التوحيد: النفي والإثبات. فأنت تثبت لله الألوهية فتعبده، ولا تعبد غيره، وتنفيها عما سواه. فإذا لا تعبد ما سوى الله، وهكذا كذلك تطيعه ولا تعصيه، نفي وإثبات. وتفعل الطيب ولا تفعل الخبيث، وتتأسى بالصالحين ولا تتأسى بالأشرار. وهذا المعنى لو تأملته هو روح دين في النفي والإثبات. وتضمنت هذه السورة كذلك أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية في قولك: «الحمد لله رب العالمين»، وتوحيد الأسماء والصفات في قولك: «الرحمن الرحيم مالك يوم الدين»، وتوحيد الألوهية في قولك: «إياك نعبد وإياك نستعين». وهذه كلها تتعلق بالله عز وجل. وهكذا تضمنت هذه السورة طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهي معنى كلمة الشهادة له عليه الصلاة والسلام بالرسالة، في قولك: «اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم» إلى آخره. هذا خلاصة ما يذكر في تفسير سورة الفاتحة. وَبِهِ نَكْتَفِي، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَيَتَرْجِمُ الْآنَ أَخُونَا أَبُو حُدَيْفَةَ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ.