الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 2، الدرس الثاني : فيه (والفروق نوعان حقيقية وصورية ... لأن علة النجاسة ظهور أثر الخبث في الماء). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ مفهوم الفروق الحقيقية والصورية في الشرع، حيث تعرف الفروق الحقيقية بأنها مسائل متباينة في أوصافها وحكمها أو دليلها أو علة الحكم. يضرب مثالا على الفروق الصورية بتقسيم بعض العلماء للمياه إلى أقسام متعددة.
يناقش تقسيم الماء إلى قسمين: طهور ونجس، ويعرّف الماء الطهور والماء النجس بناءً على تغير أوصافه بمخالطة النجاسة. يُبين أن التقسيم الصحيح للماء هو إلى هذين القسمين.
يشرح حكم الماء المتغير بمخالطة طاهرات مثل الأوراق أو العجين أو الملح، ويبين أنه لا يفقد طهوريته ما دام محتفظًا باسم الماء. إذا تغير لدرجة لم يعد يسمى ماء، فإنه يفقد طهوريته.
يذكر شيخ الإسلام بن تيمية قولاً فقهيًا نسبته إلى عدد من العلماء، وهو قول صحيح اختاره شيخ الإسلام وجماعة من المحققين، مما يدل على أهمية الاطلاع على أقوال العلماء واختياراتهم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي رحمه الله تعالى: «قال والفروق نوعان: حقيقية وصورية. أما الفروق الحقيقية فهي المراد هنا؛ يعني في هذا الكتاب التقاسيم والفروق، فإن المقصود ما كان من فروق حقيقية». قال: «وهي المسائل المتباينة في أوصافها». وقد علمنا ما هي الفروق، وما هو علم الفروق. نعم، هي المسائل المتباينة في أوصافها؛ يعني في صورتها وكيفيتها، والمختلفة في الحكم أو الدليل أو العلة. طيب، قال رحمه الله تعالى: «وأما الفروق الصورية فهي الفروق الضعيفة التي لا تجد فرقا حقيقيا بين معانيها وأوصافها، بل يفرق بعض أهل العلم بينها فرقا سوريا. عند التأمل؛ عند التأمل فيه لا تجد له حقيقة». وسيأتي معنا إن شاء الله في الأمثلة بيان ذلك. فبعض الأحيان يذكرون فروقا في الحقيقة هي فروق صورية؛ ليس لها اعتبار في الشرع. وسيأتي في باب تقسيم المياه أن بعضهم قسم المياه إلى أقسام كثيرة، وعند التحقيق تجد أن ما يسمى ماء في الشرع لا ينقسم إلا إلى قسمين: طاهر ونجس؛ إما طاهر وإما نجس. وما ذكر من فروق وتقاسيم أخرى فهي تقاسيم صورية؛ لا عبرة لها في الشرع. قال: «فافهم هذا الضابط الذي يوضح لك الفروق الصحيحة من الضعيفة». ما هو هذا الضابط؟ نعم، الضابط هو قوله: «بأن هذا الفرق فرق صوري؛ عند التأمل فيه لا تجد له حقيقة». هذا هو الضابط؛ أنك تجده عند التأمل صوريًا لا حقيقة له. واضح. قال رحمه الله تعالى: «والمذكر ما نستحضره من الفروق بين المسائل الفقهية؛ منها الفرق بين الماء الطهور والماء النجس». وهذا هو تعبير الشرع عندنا: ماء طهور وماء نجس. والطهور طاهر بنفسه ومطهر لغيره. وليس عندنا في الشرع ماء يسمى ماء وهو طاهر بنفسه غير مطهر لغيره؛ لا يوجد هذا في الشرع. بل كل ما سمي ماء وهو طاهر فهو كذلك مطهر. وتقسيم بعض المتمذهبة المياه إلى أقسام، ومنها ماء طاهر غير مطهر، هذا تقسيم غير صحيح وخاطئ، وهو من الفروق الضعيفة التي عند التأمل تجدها تقوم على أوصاف غير حقيقية؛ بل صورية لا اعتبار لها في الشرع. قال: «فمنها الفرق بين الماء الطهور والماء النجس؛ فالماء ينقسم إلى قسمين فقط: طهور وهو طاهر مطهر، ونجس ليس هو بطاهر ولا مطهر». قال: «وهو على القول الصحيح الذي تدل عليه الأدلة؛ يعني الماء ينقسم إلى هذين القسمين». وأما قال بعض الفقهاء: «أنه ينقسم إلى أربعة أقسام أو إلى خمسة أقسام»، فهذا تقسيم ليس بالصحيح. قال رحمه الله: «وهو على القول الصحيح الذي تدل عليه الأدلة». فرق بسيط واضح، ويريد بالبسيط الخفيف؛ فهو يصح من جهة العرف. وأما من حيث اللغة والشرع فالبسيط لا يطلق إلا على الواسع. قال: «وهو التغير بالنجاسة وعدم التغير بها؛ فما تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة فهو نجس، وما لم يتغير بشيء من ذلك فهو طهور؛ حتى ولو تغير بشيء من الطاهرات». هذا هو الذي يعلم من أقسام المياه؛ الماء إذا سمي ماء فهو إما طاهر وإما نجس. والفرق بين الطاهر والنجس أن النجس ما تغيرت أحد أوصافه الثلاثة بالمخالطة؛ ما تغير بالمخالطة الريح أو اللون أو الطعم. ويدل عليه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الماء طهور لا ينجسه شيء»، حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة بإسناد حسن أو صحيح. وجاءت زيادة: «إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه»، هي زيادة ضعيفة، لكن قام الإجماع على معناها الصحيح؛ معناها صحيح. فإذن الماء عندنا طاهر وهو الذي لم تتغير أحد أوصافه بمخالطة النجاسة، ونجس وهو ما تغيرت أحد أوصافه الثلاثة بمخالطة النجاسة. وقولنا: «بمخالطة» نخرج بذلك ما تغير بغير مخالطة؛ كمجاورة. قد يتغير طعم الماء أو ريحه بالمجاورة؛ ليس بالمخالطة. وهذا لا ينجسه؛ مثل أن تكون هناك ميتة بجانب الماء، تنتقل رائحة الميتة إلى طعم الماء أو ريحه، هل الماء هذا نجس؟ الجواب: لا، ليس بنجس؛ بل طاهر. طيب، تغير نقول: نعم، تغير؛ لكن ليس بمخالطة؛ بل بمجاورة. وإنما ثبت بالدليل الشرعي أن التغير الذي يضر هو ما كان بالمخالطة لا بالمجاورة. والأمر الثاني كما قال رحمه الله: «لو تغير بغير النجاسة بشيء من الطاهرات؛ كالأوراق أو العجين أو التمر أو أي شيء آخر، فإنه لا يضر الماء؛ لا يزال الماء ما دام يسمى ماء طاهر مطهر». فالماء المتغير بورق الأشجار أو المتغير بالملح أو المتغير كذلك بالعجين؛ كما يصب على وعاء فيه عجين، فقد صح أن النبي عليه الصلاة والسلام توضأ من وعاء فيه أثر عجين وفيه ماء. فالشاهد هذا لا يفرج الماء عن كونه طاهرا مطهرا إلا إذا خرج عن اسم الماء؛ خرج عن اسم الماء صار شاهي هذا ليس بماء لا يتطهر به، أو مرق أو حبر؛ الحبر فيه ماء والشاهي فيه ماء والمرق فيه ماء، لكنه ليس بماء. والذي أمرنا شرعا أن نتطهر به هو الماء، فإذا نجع اسم الماء بمخالطة هذه الطاهرات فإنه ليس بماء فلا يتطهر به؛ لأنه ليس بماء. أما ماء طاهر غير مطهر فلا وجود له. قال رحمه الله: «ولو تغير بشيء من الطاهرات؛ كصبغ ونحوه»، يعني قليل من الصبغ في الماء ما غير اسم الماء، ولو تغير لونه لا يضر. لكن لو حول الماء بإضافة ما يحوله إلى الصبغ وصار عرفا لا يسمى ماء بل وصبغ، فهذا لا يتوضى به. قال: «ونحوه فهو باق على طهوريته». وإذ بات ماء ليس بطهور ولا نجس لا يدل عليه نص ولا قياس؛ لأن علة النجاس ظهور أثر الخبث في الماء. فانتهينا الآن إلى الخلاصة وهو أن الماء ينقسم إلى قسمين: طاهر ونجس. ولا وجود لقسم ثالث بين هذين القسمين. فما كان من سائل ليس بماء فهو ليس بماء لا يتطهر به ولو كان طاهرا. وما كان من ماء خالطته بعض الطاهرات وغيرت بعض أوصافه فلا يزال ماء طاهر مطهر فيتطهر به. وهذا هو القول الصحيح الذي دلت عليه الأدلة، وروي عن جماعة من سلف الأمة. فقد ذكره شيخ الإسلام بن تيمية في كتاب الاختيارات عن ابن أبي ليلى والأوزاعي والأصم وابن شعبان، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو كما قلنا قول شيخ الإسلام وتلميذ بن القيم وجماعة من المحققين من الفقهاء، وهو الصواب. وبه نكتفي والحمد لله رب العالمين.