الدرس في تفسير سورة المجادلة من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع قصة خولة بنت ثعلبة وتفسير سورة المجادلة وسبب نزولها، حيث جاءت تشكو زوجها أوس الذي حرمها عليه بالظهار. يُفسر المقطع معنى الظهار وكيف كان يُعتبر في الجاهلية نوعًا من الطلاق، ثم يُوضح الحكم الإسلامي في هذه المسألة.
تتناول الآيات قصة خولة بنت ثعلبة التي جادلت النبي صلى الله عليه وسلم في زوجها أوس بن الصامت بعد أن ظاهر منها. يشرح النص معنى المجادلة وفرق بين المجادلة المذمومة والمجادلة بالتي هي أحسن.
يشرح المقطع مفهوم الظهار عند العرب في الجاهلية وكيف أصبح له حكم خاص في الإسلام. يروي قصة خولة بنت ثعلبة وأوس بن الصامت وما دار بينهما من جدال أمام النبي صلى الله عليه وسلم.
يتم الإشارة إلى أن الكلام سيتواصل حول الآيات اللاحقة في درس قادم، ويتم ختام الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركما، إن الله سميع بصير. الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم، إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم، وإنهم ليقولون منكرًا من القول وزورًا، وإن الله لعفو غفور. قال مفسر رحمه الله: سورة المجادلة مدنية، إثنتان وعشرون آية. بسم الله الرحمن الرحيم، قد سمع الله قول التي تجادلك، تراجعك أيها النبي في زوجها المظاهر منها، وكان قال لها: أنت علي كظهر أمي. وقد سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأجابها بأنها حرمت عليه، على ما هو المعهود عندهم من أن الظهار موجبته فرقة مؤبدة. وإي خولة من تفعلة، وهو أوس صامت. وتشتكي إلى الله وحدتها وفاقتها، وصغارًا لها، إن ضمتهم إليه ضاعوا، أو إليها جاعوا. والله يسمع تحاوركما، تراجعكما. إن الله سميع بصير، عالم. الذين يظاهرون، أصله يتظاهرون، أدغمت التاء في الظاء. وفي قراءة بألف بين الظاء والهاء الخفيفة، وفي أخرى: كي يقاتلون. والموضع الثاني كذلك. منكم من نسائهم، ما هن أمهاتهم، إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم، وإنهم بالظهار ليقولون منكرًا من القول وزورًا، كذبًا. وإن الله لعفو غفور، للمظاهر بالكفارة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذا الكتاب النافع الماتع، تفسير الجلالين، تفسير مختصر لسور القرآن. وفي هذه السورة، في سورة المجادلة، كما ذكر رحمه الله، سورة مدنية. وقد علمنا في أول دروسنا الفرق بين السورة المدنية والمكية، تارة بالتنصيص لنزولها في العهد المدني، وهو ما بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، أو قبل ذلك. وتارة بما في تلك الآيات من صفات تدل أنها تلحق بآيات وسور العهد المدني، أو آيات وسور العهد المكي. وهذه السورة علمت بالتنصيص بالرواية، فالسنة تفسر القرآن بأنها وقعت في المدينة. فقد جاء في مسند الإمام أحمد، بإسناد صحيح، عن عائشة رضي الله عنها وارضاها، وجاء كذلك عن غيرها، بروايات أخرى: أن خولة بنت ثعلبة، وفي رواية عند أبي داود: سميت خويلة بنت مالك بن ثعلبة. ومعناها أنها اشتهرت باسمين اثنين، وهذا كثير عند العرب أن يسمى الإنسان باسمين. من اسمه فيكون أحدهما مصغرًا والآخر مكبرًا، إما أن يكون المصغر من باب اللقب أو الترخيم أو نحو ذلك، أو يكون مما يطلق عليه في شبابه وصغره، فيبقى لاصقًا وملتصقًا به. مثل عمر وعمير، وخالد وخويلد، ونحو ذلك من الأسماء التي تصغر. فيقال للمرء وهو صغير باسم، وإذا كبر يعطى له كامل الاسم. ولعله من هذا الباب، فهي خولة وهي خويلة بالتصغير. وأنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما وقع لها من زوجها، وكان ذلك في يومه في بيت عائشة رضي الله عنها وارضاها. حتى قالت عائشة: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات. والله إنها لتجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أسمع حديثها في ركن الغرفة، أو قالت: في ركن الحجرة. فأنزل الله عز وجل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾. وفي رواية: إني لأسمع بعض حديثها ولا أسمع البعض الآخر، فأنزل الله عز وجل من فوق سبع سماوات: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾. والشاهد هذه القصة وما فيها يدل أنها وقعت في المدينة، وكانت في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي حجرة عائشة على وجه الخصوص. فدخلت هذه المرأة تشتكي كما جاء في السنة ما وقع من زوجها، وأن زوجها حين كبر سنه ساءت أخلاقه، وكان يصيبه شيء من اللمم، أي الغضب. فراجعته في شيء فغضب، فحرمها بهذا التحريم. وكان هذا كما جاء عند ابن جرير وغيره، بإسناد صحيح عن ابن عباس: كان هذا عند أهل الجاهلية نوعًا من أنواع الفرقة والطلاق. إذا وقع مثل هذا التحريم فإنه يكون فرقة بين الزوجين. فجاء حكم الإسلام بشيء من التيسير، فصار حكمًا خاصًا في الإسلام، وهو الظهار الذي سيأتي شيء من أحكامه في هذه الآيات في أول هذه السورة. والشاهد أن الله عز وجل سمع حديثها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل هذا الحكم رحمةً وحكمةً منه سبحانه وتعالى. وقوله جل وعلا: ﴿قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾، قال المفسر رحمه الله: تراجعك أيها النبي. فسر المجادلة بالمراجعة، لأن المجادلة لفظ يأتي بمعنيين اثنين. معنى مذموم وهو الذي جاءت الأدلة في النهي عنه، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». فالجدل في الدين مذموم، وهو من أسباب الانحراف عن دين الله عز وجل. وأما المجادلة بالحق فهي من المراجعة والرد إلى الحق، كما قال الله عز وجل: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. فالمجادلة بالتي أحسن ليست من المجادلة المذمومة، ولكنها من المجادلة المحمودة التي على الصحيح هي مجادلة لفظية لا مجادلة معنوية. أما المجادلة المعنوية فهي مذمومة. وأما المجادلة اللفظية التي معناها غير ظاهر لفظها فهذه ممدوحة، وهي التي ترد إلى الحق. والمعنى أنها كانت تراجع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الذي وقع، فظنت كما جاء في مسند الإمام أحمد: أنها حرمت عليه وحرم عليها. فهي ترأف به من جهة وتنظر لحالها من جهة، كيف أنه كما قالت: أخذ شبابي ونثرت له بطني وأولادي، فلما كبرت حرمني من نفسه وحرم نفسه مني. يعني تتظلم من جهة وتشفق عليه من جهة أنه كبير في السن لا يستغني عنها ولا يستطيع أن يبقى دونها، وهو ابن عمها. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم يراجعها بأنها ترفق به وتتق الله عز وجل فيه، وأن ما وقع منه كان بسبب كبر سنه، وما ساءت أخلاقه إلا حين كبر سنه. فكبر السن له أثر في تغير الصفات وتغير الأخلاق. وينبغي أن يكون بين الزوجين من التراحم والتآلف والتعاون والوفاء والصبر ما ينبغي أن يزاد في مثل هذه المرحلة من السن. فهذا معنى المجادلة هو المراجعة إلى الصواب. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم هو رسول، ولذلك كان يقول لها: والله لا أجد لك جوابًا، أو ليس عندي لمسألتك جوابًا. قالت: هو يقول ذلك، فما دريت إلا وغشي عليه كما كان يغش عليه إذا أنزل عليه القرآن، يعني نزل عليه الوحي في أثناء حديثه معها عليه الصلاة والسلام. وكان إذا نزل عليه الوحي كأنه يغش عليه، بمعنى ينقطع عمن حوله، وكانوا يعلمون بذلك أنه ينزل عليه الوحي. فما كان إلا أن قال: قد أنزل الله عز وجل فيك وفي صاحبك قرآنًا. فتلا عليها قول الله عز وجل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآيات في أول سورة المجادلة. وهذا هو الشاهد في كون هذه السورة مدنية ووقعت فيها هذه القصة. وقوله رحمه الله تعالى: في زوجها، قال: المظاهر منها، جاء أنه أوس بن الصامت. وما جاء في بعض الروايات أنه صخر بن عبد الرحمن خطأ كما بيّنه الحفاظ ونبه أن ذلك إنما وقع في قصة المجامع، وليست هي في قصة المجادل أو قصة المجادلة، تلك قصة أخرى. وقد يقع في بعض الروايات شيء من الخطأ، والصواب أنها وقعت في قصة خولة بنت ثعلبة، أو يقال: خويلة بنت مالك بن ثعلبة، مع زوجها وابن عمها أوس بن الصامت رضي الله عنهم وأرضاهم. وهذا هو المشهور والذي أصله في الصحيح، فقد ذكره البخاري معلقًا من حديث عائشة رضي الله عنها. وجاء موصولًا في مسند الإمام أحمد وعند ابن أبي حاتم وغيره، بأسانيد صحيحة عن عائشة وعن غيرها رضي الله عنهم أرضاهم. وقوله رحمه الله تعالى: أتت على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لها: أنت علي كظهر أمي. هذا لفظ من ألفاظ المظاهرة. والصحيح عند أهل العلم أن لفظ الظهار لا ينحصر بذكر الظهر، بل بكل لفظ يكون به التحريم بمعنى المحرمية. فإذا قال: أنت علي كظهر أمي أو كيدي أو كرِجلِي أو كذا وكذا من العبارات، فكلها يكون لها على الصحيح نفس الحكم. ولكن اشتهر لفظ الظهر لأنه أخص مكان لا يكشف بين المحارم. وكان اشتهر على لسان أهل الجاهلية عند العرب يحرمون به، وهو نوع من أنواع الفرقة التي يفترقون بها ويشددون في الفرقة بها. فإذا وقع مثل ذلك حرمت المرأة على زوجها. وأما في الإسلام فصار حكمًا خاصًا له أحكامه كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقوله رحمه الله: وقد سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، يعني في القصة التي سمعنا بعض أطرافها فيما جاء في البخاري معلقًا، وجاء عند أحمد وغيره وعند أبي داود وابن حاتم وجماعة بتلك التفاصيل التي سمعنا بعضها. وقوله رحمه الله تعالى: من أن الظهار موجبته فرقة مؤبدة، هكذا كان عند أهل الجاهلية، وهكذا كانت تظن خولة أو خويلة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت. ولهذا جاءت تجادل النبي صلى الله عليه وسلم، يعني هل أحرم عليه، تسأل والنبي صلى الله عليه وسلم ليس عنده في ذلك علم. ولذلك قال: والله لا أجد، أو قال: ليس عندي في مسألتك شيء، ليس عندي في مسألتك شيء، حتى أنزل الله عز وجل قرآنًا، وهو ما سيأتي ذكره في هذه الآيات. وقوله رحمه الله تعالى: وهي خولة بنت ثعلبة وهو أوس بن الصامت، تقدم معنا الإشارة إلى ذلك في الروايات. وقوله رحمه الله: وتشتكي إلى الله، يعني فقرها ووحدتها وفاقتها، كما ذكر رحمه الله، وصغارًا لها، إن ضمتهم إليه ضاعوا، أو إليها جاعوا. ومعنى إليه ضاعوا، لأنه كبير في السن لا يحسن الرعاية، وإليها ضاعوا لأنها امرأة كذلك ضعيفة. إن قامت بالأولاد لم تستطع النفق عليهم. فلذلك وهذا من فصاحة العرب كيف يختصرون الكلام الكثير في كلمات قليلة. فقالت: تشتكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتشتكي إلى الله. فوجهه هو هذا الوصف، زوجها كبير، إن ضمتهم إليه ضاعوا أو إليها جاعوا. والله يسمع تحاوركما، وهذا هو تأكيد أن الجدال كان ماذا؟ حوارًا ممدوحًا ومراجعةً، وليس جدالًا مذمومًا، وليس جدالًا مذمومًا، لأن الله سماه في آخر الآية تحاورًا، وليس مجادلة، قال: تراجعكما. وهذا هو الذي ذكر في أول الآية: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾. وهذا يؤكد لنا أن المجادلة المذكورة هو الوجه المحمود لا الوجه المذموم. وقوله رحمه الله: إن الله سميع بصير، قال: عالم. هذه طريقة خاطئة سلكها بعض المفسرين، وهي في الحقيقة تسير على قواعد أهل التحريف والتعطيل من الكلابية والأشاعرة والماتريدية. فهم الذين يحرفون بعض الأسماء والصفات بتحويلها إلى بعض الأسماء والصفات العامة، وهي ما يسمونها بالصفات السبع التي اشتهرت عند الكلابية والأشاعرة والماتريدية. وبعضهم يزيد ثامنًا، ولكن كل ذلك من التحريف والتعطيل المعروف المشهور المذكور بكتب العقائد. والصحيح أن يفسر بما وصف الله عز وجل به نفسه، أو سمى به نفسه سبحانه وتعالى. أثبت الله عز وجل لنفسه اسم سميع وبصير يقتضيان صفة السمع والبصر، فهو عالم وهو سميع وهو بصير، فهو عالم بعلمه سميع بسمعه بصير كذلك ببصره. تذكر له الأسماء وصفات هذه الأسماء، ورد هذه الأسماء والصفات إلى سبع، هذا من تعطيل القرآن. ثم يقال لهم: ما أثبتتموه في هذه السبع يلزمكم أن تثبتوه في غيرها. فالقول في الذات، فالقول في الصفات فرع عن القول في الذات. وكذلك القول في الصفات أو بعض الأسماء والصفات، قول في البعض الآخر. فكما أننا نثبت ذاتًا لا كالذوات، فيلزم أن نثبت لله عز وجل أسماء وصفات لا كالأسماء والصفات. وإذا أثبتنا سبعًا، فهذا من باب أولى. فإن أثبتنا اسم العالم وصفة العلم بما يليق بجلال الله وعظمته. فمن المانع أن نثبت لله اسم السميع والبصير بما يليق بجلاله وعظمته، بسمع وبصر يليق بجلاله وعظمته، لا يشبه ولا يماثل صفات وأسماء المخلوقين. هذا لأجل أن ننتبه أن مثل هذا الموضع من المواضع الخفية التي يحصل فيها التحريف في بعض مواضع آيات وأحاديث الصفات. وقل من ينتبه إلى مثل هذا، وهي التي من قال عنها بعض أهل العلم: استخرجت مواضع التعطيل بالمنقاش. ومنها هذه المواضع الدقيقة الخفية التي هي من هذا الباب. فليس هو تفسيرًا وإنما هو في الحقيقة ماذا؟ تحريف وتأويل مذموم. وسيأتي الكلام إن شاء الله على الآيات اللاحقات، انتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله في درس اللاحق. وإلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.